تمارس الدولة دورا معينا في كل بلد تبعاً للفلسفة التي تتبعها ولطبيعة المجتمع الثقافية والسياسية والاجتماعية والتاريخية التي تربى عليها.

تعني العولمة إن العالم أصبح كالقرية الصغيرة وإذابة الحدود وحرية الحركة والانتقال للأيدي العاملة والأموال والسلع والخدمات وغيرها، من وإلى العالم الخارجي.

في العادة، إن البلد الذي يتبع النظام السياسي الشمولي يتبنى النظام الاقتصادي الاشتراكي، والذي يتبع النظام السياسي الديمقراطي يتبع النظام الاقتصادي الحر، وإن هذا الأخير سياسياً واقتصادياً أكثر انسجاماً مع العولمة، في حين يكون الأول (الشمولي والاشتراكي) أقل انسجاماً.

الدولة أقل انسجاماً مع العولمة

إذ إن النظام الشمولي سياسياً والاشتراكي اقتصادياً يقوم على الملكية العامة لوسائل الانتاج وتدخل الدولة لتحقيق العدالة الاجتماعية، وبهذا يكون دور الدولة في الاقتصاد كبيرا وهذا ما لا ينسجم مع متطلبات العولمة، لان هذه الأخيرة تتطلب انخفاض التكاليف وقوة المنافسة والجودة العالية، في الوقت الذي لا تأخذ الدولة هذه المسائل بعين الاعتبار.

بمعنى آخر، إن الدولة تتقبل مسألة التكاليف والخسائر المادية والتضحية بالكفاءة والمنافسة والجودة ما دام إنها تعطي الأولوية للقضايا الاجتماعية، أي إنها تركز جُلَّ اهتماماتها في الداخل وكيفية ادارة الشأن الداخلي والسيطرة عليه، وبالنتيجة فهي أقل استفادة من العولمة واقل انسجاماً كنتيجة لاهتمامها بالشأن الداخلي والاجتماعي ولاتصافها بالبطء والثقل وانخفاض الكفاءة وغياب الحوافز ووجود البيروقراطية والروتين القاتل.

القطاع الخاص أكثر انسجاماً مع القطاع الخاص

بينما الاقتصاد الحر قائم على الملكية الخاصة والحرية الاقتصادية وتحقيق الأرباح، مما يدفع رجال الأعمال، بواسطة تمويل الحملات الانتخابية على سبيل المثال، للتأثير على القرار السياسي وذلك بما ينسجم مع مصالحهم وبالخصوص فيما يخص حدود الدولة التي تمثل بوابة العولمة. وهذا ما لا يحصل في ظل اشتراكية الدولة ودكتاتوريتها كما سبق.

وبما إن القطاع الخاص يتصف بالسرعة والخفة والكفاءة والحوافز والدوافع التي يتطلّع لتحقيقها، بصرف النظر عن مكان تحقيقها، فهو لا يتقاعس عن العمل بل لديه النشاط والحيوية ولا يهمه الانتقال وتجاوز الحدود والذهاب لأبعد نقطة في العالم ما دام إنه يبحث عن تحقيق الأرباح، وبهذه الصفات يكون القطاع الخاص أكثر انسجاماً مع العولمة.

هذا ما يعني إن العولمة تتطلب من البلد الذي يرغب بالاستفادة منها أن يلبي ما تُريده حتى يستطيع الانسجام معها، وعلى رأس هذه المُتطلبات هو دور الدولة لابد أن يكون صغير الحجم كبير الأداء، حتى يفسح المجال للقطاع الخاص الذي يتسم بالخفة والسرعة والكفاءة في الولوج إلى الأسواق العالمية للاستفادة الدروس والتجارب، عكس الدولة التي تتسم بالبطء والثقل وانخفاض الكفاءة.

دور المظلة

نعم، من الممكن أن يكون للدولة دور المظلة في المراحل الأولى من أجل تنشئة القطاع الخاص وتقويته ليكون قادر على المواجهة والمنافسة التي تُعد من الصفات الرئيسة للعولمة، إذ لا يمكن لأي قطاع خاص أن يمارس المواجهة والمنافسة وهو في بداية نشوئه.

كما يمكن أن تمارس دورها وبشكل مستمر في المجالات التي تمثل حجر الأساس لانطلاق القطاع الخاص في مسيرته، وفي المجالات التي لا يُقدم عليها، كونها تتطلب رؤوس أموال كبيرة ومدة زمنية طويلة، كالبنية التحتية مثلاً.

فالبلد الذي يُريد أن يُجني مزايا العولمة ويُبقي الاقتصاد بيد الدولة هو كالطائر الذي يُريد أن يُحلق بلا أجنحة، وبالتالي لا يستطيع ذلك لان مقومات التحليق مفقودة. فالدولة التي تريد أن تكسب من العولمة لابُد أن تتبع الركيزة الأساسية للنظام الديمقراطي والسوق الحر مع إجراء بعض التعديلات وبما ينسجم مع طبيعة المجتمع وثقافته.

خطة الفوضى في العراق

تبنى العراق ولمدة زمنية ليست قصيرة، النظام الاشتراكي في تسيير شؤونه الاقتصادية، إلى جانب الشمولية السياسة، حتى عام 2003 حينما تم إسقاط النظام من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، بشكل إجباري ومفاجئ ودون أي إعداد مسبق لتلافي ما سيؤول إليه الوضع العراقي، مما جعل العراق يعاني من خطة الفوضى حتى الوقت الحاضر.

إذ لاتزال صورة المشهد العراقي على المستوى الاقتصادي صورة قاتمة لم تتضح معالمها بعد، لأنه في الوقت الذي يُعلن فيه العراق التوجه نحو اقتصاد السوق وتولي القطاع الخاص قيادة النشاط الاقتصادي إلا إن الدولة لاتزال تمارس دورا كبيرا في النشاط الاقتصادي وتملك الكثير من وسائل الإنتاج.

غياب دور المظلة والبنية التحتية

كما إنها لم تمارس دور المظلة للاقتصاد العراقي بشكل عام والقطاع الخاص بشكل خاص، خصوصاً مع بداية التوجه نحو اقتصاد السوق ونشوء القطاع الخاص بعد 2003 بل عملت بسياسة الباب المفتوح وانكشاف الاقتصاد العراقي على العالم الخارجي، والدليل هو أحادية الصادرات وتنوع الاستيرادات، وهذا ما حتم إلى إضعاف القطاع الخاص وعدم انسجامه مع العولمة بل أصبحت تؤثر سلباً عليه بشكل خاص والاقتصاد العراقي بشكل عام.

كما لم تعمل على بناء حجر الأساس المتمثل بالبنية التحتية، للقطاع الخاص حتى يستطيع تدنية التكاليف واكتساب المنافسة والجودة التي تتطلبها العولمة، وهذا ما يعني غياب دور الدولة المطلوب في المرحلة الراهنة، وبهذا كان ومازال العراق يعاني من الفوضى، لان الدولة انسحبت لكنها لم تنسحب والقطاع الخاص هو المُبادر الرئيس في الاقتصاد إلا إنه لايزال دوره ثانويا وطفيليا.

المعالجة

ولمعالجة ما حصل وجعل صورة الاقتصاد العراقي أكثر وضوحاً لابُد من:

1- انسحاب الدولة من الاقتصاد، واقتصار دورها على الإشراف والاهتمام بتقوية المؤسسات لمحاربة الفساد الذي يشكل خاصرة الاقتصاد العراقي في الوقت الحالي.

2- ممارسة الدولة لدور المظلة للقطاع الخاص في المراحل الأولى لنشوئه حتى يكتمل بناءه ويشتد عوده ويستطيع المواجهة والمنافسة التي تتطلبها العولمة.

3- بناء المناخ الاستثماري بشكل عام وتجهيز البنية التحتية بشكل خاص، لتشجيع القطاع الخاص من الولوج للنشاط الاقتصادي.

4- كما ينبغي أن تأخذ على عاتقها في الأمد القصير والمتوسط، الاهتمام بالآثار الاجتماعية التي سيتعرض إليها أصحاب الدخول المحدودة، الناجمة عن الانسحاب من الاقتصاد.

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2019
www.fcdrs.com

انقر لاضافة تعليق