ثمةً رابطة اقتصادية خطيرة اظهرتها ساحة الصراع (ان جاز التعبير) في الحرب التجارية القائمةً بين الولايات المتحدة والصين حالياً. فالتساؤل هو من سيتحمل تعويضات الحرب في نهاية المطاف وكيف يتحقق استقرار الميزان التجاري بين الاطراف المتحاربة تجارياً؟ وهل هنالك طرف اقتصادي ثالث في العالم قد زج في تلك الحرب دون ارادته؟، فعلى الرغم من ان الولايات المتحدة تستخدم ادواتها الاقتصادية المستمرة في تسيير حروبها الناعمةً التي تقوم على مبدأ هنري كيسنغر وزير الخارجية الامريكية الاسبق في استخدام عمليات الحرب الجراحية (الاقتصادية هنا) في نطاق ادارة الصراع التجاري مع الصين وتهديدها بزيادة معدلات التعريفات الگمركية على المستوردات الصينية المتدفقة الى سوق الولايات المتحدة بنسبة مرتفعة قد تبلغ ٢٥٪؜ وعلى وفق ما صرح به الرئيس الامريكي ترامب مؤخراً، ولكن تبقى الولايات المتحدة هي الفاعل في تقديم اولوياتها او تاخيرها لضمان الهيمنة على العالم ولكن بوجه مختلف في هذه المرة. اذ تقوم لعبة الصراع الامريكية مع الصين على ادراك قوة الاقتصاد الصيني كمرتكز للاقتصاد العالمي واستقراره، وتلحظ اهمية مخاطر دخول اقتصاد الصين الى دائرة الانكماش والركود في النمو وامتداداته المحتملة في ضرب عناصر الاستقرار والنمو في الاقتصاد العالمي كله.

آخذة بالاعتبار ان اقتصاد الصين واستدامة النمو العالي فيه يبقى صمام امان التوازن العالمي وضمان الحدود الدنيا لاستقرار الاقتصادي الدولي، وهذا ما برهنته الصين في ادامة فاعلية نموها الاقتصادي العالي لضمان استقرار النشاط في السوق الدولية ابان الازمة الاقتصادية العالمية في عام ٢٠٠٨ والسنوات اللاحقة. اذ حافظ الاقتصاد الصيني الكبير على النمو المرتفع ليترك اثره على تدفق التجارة العالمية بكفاءة سعرية عالية ساعدت ايضاً على نمو واستقرار اسواق الطاقة نفسها من دون حروب تجارية، ولاسيما بعد ان حققت موازين مدفوعات البلدان النفطية فوائض مالية كبيرة بسبب ارتفاع اسعار النفط التي تزايدت خلال المدة ٢٠٠٨٢٠١٣ لتبلغ في مرحلة ما ١٤٣ دولار للبرميل الواحد ذلك بكفالة نمو اقتصاد الصين والاسواق الناشئة القوية الاخرى. وهكذا تدرك الولايات المتحدة جيداً ان تدني مستويات النمو في ثاني اكبر اقتصاد في العالم هو بلاشك نذير خطر يتقاطع والاهداف المرسومة للعبة الحرب التجارية نفسها والادوار المرسومة لها.

لذا فان ما تخشاه السياسة الاقتصادية الخارجية للولايات المتحدة وتحذره اليوم في صراعها الراهن مع الصين هو تجنب تعرض الخصم الصيني الى ركود كبير في اقتصاده وتدهور معدلات النمو في تلك البلاد التي تراها اميركا والاتحاد الاوروبي واليابان بانها رافعة العالم الاقتصادية وكفة التوازن الاقتصادي الدولي، فاحتمالات الركود الاقتصادي الصيني الذي قد تسببه ظروف الحرب التجارية المنفلته او الايغال في انفلات مستويات الاذى فيه سيدخل الاقتصاد العالمي كله في ازمة ركود طويل تمثلها ارتفاع مستويات البطالة والكساد الاقتصادي لدول العالم الى معدلات غير معروفة النتائج يغرق الجميع في خسارتها.

فلعبة المجموعة الصفرية التي قد يتصور حدوثها الجميع بين طرفي الحرب التجارية هي اللعبة البعيدة التي لا تمارسها الولايات المتحدة قط في حربها التجارية مع الصين .فهي لعبة سيقتصر تحريكها كما سنرى مع طرف ثالث خارج اطار الحرب التجارية القائمة بين الاقتصادين الكبيرين، اذ ستظل السياسة الاقتصادية الخارجية للولايات المتحدة تعمل على استدامة نفوذها في الحرب التجارية باتجاهين الاول: ازالة العبء الانكماشي عن الاقتصاد الصيني واخراجه شبه معافى، بعد الجراحة الاقتصادية للحرب التجارية التي تمارسها مع الخصم، ذلك من خلال مراقبة درجة ادامة النمو الموجه غير المباشر والمدار امريكياً للاقتصاد الصيني ومحاولة ضبط ايقاعات اقتصاد الصين على قاعدة توازن المنافع المتبادلة بين طرفي الاقتصاد للدولتين المتخاصمين.

فتعادل المنافع التجارية المتبادلة تمثل حصة الربح التي يتطلع اليها الطرف الامريكي في حربه التجارية مع الصين، بعبارة أُخرى فان ارتفاع تكاليف التعرفة الامريكية على المستوردات الصينية تتطلب بالمقابل علاجات تساعد على التئام الانسجة الاقتصادية المتضررة من الحرب الجراحية للاقتصاد الصيني نفسه ولاسيما في مجال ضمان امداداته بمصادر الطاقة الرخيصة المستوردة، لذا تعمل اميركا جاهدة في الوقت الحاضر على اغراق اسواق الطاقة جزئياً لحصول الصين على امدادات نفطية منخفضة القيمة تساعد على إلتئام جروحها الناجمة عن ارتفاع تكاليف صادرتها الى السوق الامريكية بفعل تعريفات الحرب التجارية وتسهيل مهمة التفاوض والمساومة المقبلة المتعادلة بين الطرفين المتحاربين تجارياً.

اما الاتجاه الثاني: فيتمثل بتوفير آلية تحويل الفائض المالي النفطي المحتمل الى مكاسب للاقتصاد الصيني تعوض الاخيرة خسائرها التجارية على نحوً يوفر استدامة الانتاج الصيني ونموه وضمان صادرات الصين بتكاليف انتاج منخفضة تعوض في الوقت نفسه التعريفات الكمركية الامريكية المرتفعة على السلع الصينية او حتى ارتفاع كلفة استيرادات الصين من السلع الامريكية بالمقابل .اي القيام بتعويض ارتفاع قيمة السلع المصدرة بفعل التعرفة الكمركية العالية عن طريق خفض اسعار الطاقة النفطية الموردة الى الصين ومن ثم تحسين واستدامة وضع الحساب الجاري لميزان المدفوعات الصيني لتتمكن الاخيرة من الابقاء على استيراداتها من السلع الامريكية على الرغم من فرض التعريفات الكمركية المقابلة العالية الجديدة في نطاق الحرب التجارية.

واخيراً، فلابد من تتحمل البلدان المصدرة للنفط تعويضات الحرب التجارية commercial war compensations اي نيابة عن طرفي الحرب في اللعبة التي ستمثل في نهاية المطاف تحقيق شيء من التوازن يماثل توازن ناش Nash equilibrium بين النزاع في حربهما التجارية، حيث سيتعرف في نهاية الحرب كل طرف على مصالح الطرف الاخر من دون صدام يذكر.

وستكون القوى المنتصرة في نهاية الحرب التجارية هما طرفي الصراع نفسهما اي القوتين الكبيرتين اميركا والصين، اما القوى الخاسرة في الحرب التجارية فسيكون الطرف الثالث الذي سيتولى دفع تعويضات الحرب التجارية بالانابة ولاسيما البلدان المصدرة للنفط اوبك واخواتها .اذ ستدفع الدول النفطية فوائضها المالية المحتملة والمتنازل عنها طواعياً بقبول اسعار تصدير منخفضة للنفط وعدها كتعويضات للحرب التجارية للفرقاء المتنافسين المنتصرين كقوتين متعادلتين (اي يحافظ احدهما يتجنب تسبيب الخسارة التجارية للطرف الاخر في فترة السلام التحاري ) عندها ينتهي الطرف الثالث بكونه الضحية الاقتصادية للصراع الدولي والمعوض لخسائر لعبة الحرب التجارية بين الفرقاء المنتصرين.

ختاماً، ستتحول لعبة او مبارات الحرب التجارية بين القوى العظمى المتخاصمة (كمجموعة منتصرة في آن واحد) الى لعبة ذات المجموعة الصفرية Zero Sum game يكون المتضرر والخاسر الاكبر فيها هم البلدان النفطية التي ستدفع فوائضها المحتملة (من خلال فقدان اسعار نفوطها العادلة ) لتكون بمثابة تعويضات حرب، بعد ان تاخذ الاسعار النفطية منحى الهبوط الطويل الامد لتعويض المستهلكين الكبار الفائزين في الحرب التجارية ونتائجها بما يؤمن لعبتهم التوازنية لمرحلة ما بعد الحرب التجارية والحفاظ على مكاسب متعادلة في موازين مدفوعاتهما والناجمة عن السلام التجاري للاطراف المتحاربة.

مش ضروري
الجزائر
بعد ان تاخذ الاسعار النفطية منحى الهبوط الطويل الامد لتعويض المستهلكين الكبار الفائزين في الحرب التجارية ونتائجها بما يؤمن لعبتهم التوازنية لمرحلة ما بعد الحرب التجارية , ستبرز أزمة جديدة في الإقتصاد الأمريكي وهي إفلاس شركات النفط الصخري التي تعاني أصلا من تكاليف الإستخراج الباهضة وهذه الشركات صارت تلعب دورا محوريا في الاقتصاد الامريكي لما تؤمنه من إنتاج طاقوي حل محل نفط الشرق الاوسط ووفر آلاف الوظائف , عندها تبدأ إرتدادات منحنى أسعار النفط نحو الصعود ما يعزز من اتفاقيات اوبك لخفض الانتاج و يدفعها لمزيد من الخفض فترتفع الاسعار من جديد وهوما سيعقد الوضع أكثر , ثم إن أبسط نزاع في مضيق هرمز سيفشل لعبة التوازن الصفرية . وعليه يمكن القول أن مستقبل الاقتصاد العالمي غامض و يسير في نفق شبه مظلم .2019-09-02
انقر لاضافة تعليق