تُعد السياسة المالية إحدى السياسات الاقتصادية التي تستخدم لتحقيق أهداف النظام الاقتصادي، ونظراً لما يشكله الاستقرار الاقتصادي كهدف رئيس تسعى جميع الأنظمة الاقتصادية المختلفة لتحقيقه، فإن السياسة المالية ستكون، بلا شك، أحد السياسات المستخدمة من أجل تحقيق الاستقرار الاقتصادي.

والمقصود به، الحالة التي يكون الاقتصاد فيها لا يعاني من تقلبات الدورة الاقتصادية، بمعنى آخر، لا يعاني من الركود ولا يعاني من التضخم، إذ إن غياب الاستقرار الاقتصادي يعني مزيد من البطالة أو ارتفاع المستوى العام للأسعار أو كلاهما كما حصل في حقبة السبعينات والثمانينات من القرن المنصرم والذي أُطلق عليه "التضخم الركودي".

دور السياسة المالية في الاقتصاد

السياسة المالية: "هي استخدام الإنفاق الحكومي والسياسة الضريبية كوسيلة للتأثير في العوامل المحددة للإنتاج الكلي"[i] وذلك من أجل معالجة التقلبات الاقتصادية والوصول إلى حالة الاستقرار الاقتصادي أخيراً.

وبالتأكيد يختلف دور السياسة المالية في البلدان حسب طبيعة النظام الاقتصادي الذي تتبناه الدولة، وحسب طبيعة البنيان الاقتصادي، ويمكن توضيحهما بالآتي:

أولاً: طبيعة النظام الاقتصادي[ii]

في ظل النظام الرأسمالي يكون القطاع الخاص هو المحرك الرئيس للنشاط الاقتصادي ويقتصر دور الدولة على جانبين: الأول، تهيئة البيئة المناسبة للقطاع الخاص حتى يستطيع أن يؤدي دوره في النشاط الاقتصادي. الثاني، التخفيف من حدة التقلبات الاقتصادية. فيكون دور السياسة المالية في النظام الرأسمالي دور ثانوي في الاقتصاد متمثل في مساندة القطاع الخاص وتخفيف حدة التقلبات الاقتصادية.

أما في ظل النظام الاشتراكي فإن الدولة هي المحرك الرئيس للنشاط الاقتصادي ويكون دور القطاع الخاص محدود جداً، وعليه سيكون دور السياسة المالية في ظل النظام الاشتراكي دور رئيس في الاقتصاد وليس ثانوي كما في ظل النظام الرأسمالي.

ثانياً: طبيعة البنيان الاقتصادي[iii]

إذا كان الاقتصاد ذو بنيان اقتصادي متقدم بمعنى إنه قد تجاوز مسألة تحقيق التنمية الاقتصادية، سيكون دور السياسة المالية دور ثانوي كون هذا الاقتصاد لايحتاج لتدخل الدولة بشكل كبير لتحقيق التنمية الاقتصادية.

في حين إذا كان الاقتصاد ذو بنيان اقتصادي نامي، فهذا يعني إنه لم يتجاوز مسألة التنمية الاقتصادية، والتي لا يمكن أن تحقيقها في ظل غياب الدولة، وعليه فإن دور السياسة المالية سيكون دور رئيس في الاقتصاد النامي من أجل القيام بمهمة التنمية الاقتصادية وتحقيقها.

ولإزالة الغموض تجدر الإشارة إلى مفهوم التنمية الاقتصادية، فهي عملية واعية متعددة الأبعاد لتحقيق تغيرات نوعية تتطلب رؤوس أموال كبيرة ومدة زمنية طويلة لتغيير هيكل الإنتاج من أجل مغادرة حالة التخلف ورفع متوسط نصيب الفرد الحقيقي وتحسين حياة المعيشة.

فشل السياسة المالية في العراق

وبما إن العراق كان يتبع النظام الاشتراكي الذي يحتم الدور الكبير للدولة في الاقتصاد من جانب وطبيعة بنيانه الاقتصادي ذو بنيان نامي بل ومتخلف من جانب آخر، أصبح دور السياسة المالية يُمارَس بشكل كبير في الاقتصاد العراقي، ومع هذا الدور الكبير الذي تمارسه في الاقتصاد العراقي إلا إنها -وللأسف- لم تسعفه من حالة التقلبات الاقتصادية إلى حالة الاستقرار الاقتصادي! وهذا ما حتم اختيار عنوان هذا المقال.

ومن دلالات فشل السياسة المالية في العراق ما يلي:

أولاً: تذبذب النمو الاقتصادي، وذلك بحكم اعتماد الاقتصاد العراقي على النفط بنسبة كبيرة جداً، مع إهمال القطاعات الأخرى، حيث لم تعمل السياسة المالية، عبر أدواتها المختلفة، من تفعيل القطاعات الأخرى لتقوية الاقتصاد وتمتين النمو الاقتصادي[iv] وتحقيق استقراره أخيراً.

ثانياً: تفاقم معدلات البطالة، حيث تشكل ما نسبته 10% حسب أدنى التقديرات و40% حسب أعلى التقديرات، من قوة العمل، مع انخفاض إنتاجية العمل التي بلغت 17 دقيقة يومياً للموظف في الدولة كما تناقلته الصحف نقلاً عن المستشار الاقتصادي الدكتور مظهر محمد صالح، فارتفاع معدلات البطالة وانخفاض إنتاجية الموظف، دليل دامغ على فشل السياسة المالية في تحقيق الاستقرار الاقتصادي لان هذا الأخير يفترض انخفاض معدلات البطالة إلى أدنى مستوياتها.

ثالثاً: تدهور البنية التحتية، من المعروف إن القطاع الخاص في البلدان النامية ومن بينها العراق لايُقدم على الاستثمار في البنية التحتية كونها تتطلب استثمارات كبيرة ولمدة زمنية طويلة، لذا أصبحت من مهام الدولة في هذه البلدان. وما ارتفاع نسبة محرومية الأسر من خدمات البنية التحتية التي شكلت ما نسبته 58.95% في عام 2010، والتي تُعد نسبة مرتفعة جداً بالمقاييس العالمية[v] إلا دليل على إخفاق السياسة المالية في إنجاز البنية التحتية التي تنعكس على الاستقرار الاقتصادي أخيراً [vi].

رابعاً: غياب الاستدامة المالية، إن أبرز ما يُدلل على غياب الاستدامة المالية في العراق هو الأزمات، بمعنى إن أي أزمة تطرأ وتنعكس آثارها على انخفاض أسعار النفط سيلجأ العراق إلى الاقتراض لسد احتياجاته المالية، وهذا ما ينعكس على الاستقرار الاقتصادي، كما حصل في أزمة 2007/2008 التي ترتب على إثرها حالة الركود، وأزمة 2014 التي ترتب على أثرها حالة التقشف، فغياب الاستدامة المالية تكشف عن مدى تقاعس السياسة المالية في ممارسة دورها المطلوب.

ويمكن القول، إن دلالات الفشل هذه لايمكن إن تكون السياسة المالية هي المسؤولة عنها بشكل إنفرادي وذلك لان الوضع العراقي سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وضع غير مستقر وخصوصاً بعد عام 2003 لكنها تتحمل المسؤولية الأكبر وذلك بفعل فوضى إدارة السياسة المالية، حيث لم تكن هناك رؤية واضحة عن عملية الانسحاب ومن سيشغل منطقة الفراغ بعد تهيئة الظروف المناسبة له، وهذا أدى إلى غياب مرونتها في الاستجابة لمتطلبات المرحلة الجديدة بعد تبنى التحول نحو النظام الجديد.

الدور المطلوب للسياسة المالية بعد 2003

وعلى الرغم من تبني العراق التحول نحو اقتصاد السوق إلا إنه لايزال في المرحلة الإنتقالية[vii] ومن أجل الانتقال نحو اقتصاد السوق لابد أن تمارس السياسة المالية دوراً مهماً حتى تستطيع تحقيق الاستقرار الاقتصادي أخيراً، وعلى مرحلتين:

المرحلة الأولى، المرحلة الانتقالية

بما إن العراق يعاني من سوء المناخ الاستثماري حيث يحتل العراق المرتبة 171 من أصل 190 دولة عام 2019 في مؤشر سهولة أداء الأعمال الصادر عن البنك الدولي، وضعف القطاع الخاص ومحدوديته، ولاتزال الدولة تضع يدها على وسائل الإنتاج بل تدفع رواتب لكثير من الموظفين في قطاعها العام منذ 2003 ولحد الآن دون مقابل يُذكر!

لذا ينبغي العمل في هذه المرحلة على إعادة الحياة لبعض قطاعها العام الجاهز للعمل فقط وبمعية القطاع الخاص وذلك من أجل تحسين المناخ الاستثماري وتقوية القطاع الخاص والتخفيف من الضغط على الموازنة العامة وتلبية جزء من الطلب المحلي وتقليص حجم الاستيرادات، وهذا ما يدفع باتجاه الاستقرار.

المرحلة الثانية، ما بعد المرحلة الانتقالية

وبعد إن يتم تحسين المناخ الاستثماري وتقوية القطاع الخاص على أن يكون قادر ممارسة النشاط الاقتصادي وتلبية الطلب المحلي عند هذه اللحظة ينبغي أن تنسحب الدولة ويقتصر دورها على الأمن الداخلي والدفاع الخارجي والقضاء الإشراف على القطاع الخاص حتى لا يذهب بعيداً عن الدور المنشود.

وفي حال خرج القطاع الخاص عن دوره وحصول اختلال اقتصادي ينجم عنه غياب الاستقرار الاقتصادي، ينبغي هنا أن تتدخل الدولة عبر السياسة المالية لتصحيح الوضع الاقتصادي وإعادته إلى حالة الاستقرار وتنسحب، ومع هذا الانسحاب يستمر دور الإشراف لرصد وتصحيح أي اختلال يحصل مرة أخرى.

وعليه سيكون دور السياسة المالية بشكل عام في العراق هو بناء المناخ الاستثماري وتشجيع القطاع الخاص وتنميته كما في المرحلة الأولى، وممارسة دور الإشراف على القطاع الخاص لضمان سيره بالاتجاه المطلوب ومعالجة التقلبات الاقتصادية حال ظهورها على السطح كما في المرحلة الثانية.

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2019
www.fcdrs.com

....................................
مصادر تم الاعتماد عليها
[i] جيمس جوارتيني، الاقتصاد الكلي، ص299.
[ii] - عادل احمد حشيش، أساسيات المالية العامة، ص49
[iii] - عادل العلي، المالية العامة، ص52.
[iv] - حامد عبد الحسين الجبوري، دور التنويع الاقتصادي في متانة النمو الاقتصادي، مقال متاح على موقع مركز الفرات للتنمية والدراسات الستراتيجية.
[v] - عباس فاضل السعدي، جغرافية خدمات البنى التحتية في العراق، ص8.
[vi] - حامد عبد الحسين الجبوري، دور البنية التحتية في الاستقرار الاقتصادي، مقال متاح على موقع مركز الفرات للتنمية والدراسات الستراتيجية.
[vii] - حامد عبد الحسين الجبوري، الاقتصاد العراقي.. انتقل أم في مرحلة انتقالية؟، مقال متاح على موقع مركز الفرات للتنمية والدراسات الستراتيجية

انقر لاضافة تعليق