في عام 2013 أعلنت الصين عن مبادرتها بإنشاء طريق الحرير الجديد، وهو عبارة عن شبكة من الموانئ وسكك الحديد التي ستربط ما يقارب 65 بلداً حول العالم، لفهم تأثيره على الاقتصاد العراقي، من الضروري معرفة مقدمة سريعة عن هذا المشروع، أسبابه، وخرائطه...

في عام 2013 أعلنت الصين عن مبادرتها بإنشاء (طريق الحرير الجديد)، وهو عبارة عن شبكة من الموانئ وسكك الحديد التي ستربط ما يقارب 65 بلداً حول العالم.

لفهم تأثيره على الاقتصاد العراقي، من الضروري معرفة مقدمة سريعة عن هذا المشروع، أسبابه، وخرائطه!

عدة تفسيرات طُرحت، لتبين الأسباب الكامنة وراء مبادرة الصين هذه، الأرجح منها سببان.

السبب الخارجي: سيطرة اساطيل البحرية الامريكية على ممرات العالم المائية، وهو ما يهدد بغلق ممرات (الطاقة والتجارة) الصينية في حالة التوترات العسكرية (انظر الممر المائي لخريطة مسار ميناء جوادر الباكستاني)

ثانيا، السبب الداخلي: حيث تهدف الحكومة من هذا المشروع لدعم المناطق الداخلية والغربية من الصين، ذات النمو المنخفض.

لفهم السببين أعلاه لنرجع للخرائط قليلاً.

تُعد الموانئ الواقعة شرق البلاد هي البوابة التجارية للصين مع العالم، وفيها تتركز الايدي العاملة ورؤوس الأموال، مما انعكس على ارتفاع معدلات نموها، بينما تعاني الأقاليم الغربية مثل (إقليم سنجان ، أقليم شينجيانغ) من بطء في نموها الاقتصادي.

تقليدياً، يتم نقل البضائع من كافة أنحاء الصين إلى الموانئ الشرقية لتصديرها، حيث يستغرق وصولها إلى (الشرق الأوسط وأروبا) 60 يوماً، فبحسب الخريط، تنطلق السفن بحسب التسلسل التالي: (موانئ شرق الصين – بحر الصين الجنوبي – مضيق ملقة – بحر العرب – خليج عدن – قناة السويس – انتهاءً بالبحر الأبيض المتوسط وأروبا). (أنظر خريطة الممرات التقليدية)

ولذا يتحمل الاقتصاد الصيني الكثير من التكاليف والمخاطر بسبب الممر البحري.

ما البديل؟

تأتي هذه المبادرة لتحل معضلة (التكلفة، المخاطر) التي يواجهها الاقتصاد الصيني، حيث سيتم بناء شبكة من الطرق البرية التي تمر عبر دول صديقة، حيث تُقسم هذه الشبكة إلى مسارين رئيسيين:

أولاً - المسار الشمالي: والذي يستهدف الوصول لأوربا انطلاقا من الغرب الصيني حسب التسلسل التالي: (كازخستان، روسيا، روسيا البيضاء، بولندا، المانيا، فرنسا)، هذا الطريق استطاع ان يختصر الوقت من 60 يوم إلى 18 يوم! (أنظر خريطة المسار الشمالي).

ثانيا - المسار الجنوبي: الذي ينطلق ايضاً من الغرب الصيني، ويمر بدول (أوزبكستان، قيرغستان، طاجيكستان، أيران عراق، سوريا، تركيا) (أنظر خريطة المسار الجنوبي)

أما الفرع الاخر من المسار الجنوبي، وربما هو الأهم في الاستراتيجية الصينية، وهو مسار ميناء (جوادر الباكستاني – انظر خريطة مسار جوادر الباكستاني)، فبالإضافة لدور هذا المسار بالتبادل التجاري مع الخليج، فهو سينقل بترول الخليج العربي الذي يشكل 40% من واردات النفط الصينية، سيختصر هذا الطريق 70% من الوقت والتكلفة وبعيداً عن أعين البحرية الامريكية.

الخلاصة:

المسارات الاساسية لمشروع طريق الحرير:

1 مسار شمالي سيغطي روسيا وشمال أوربا.

2 مسار جنوبي سيغطي أسيا الوسطى وإيران وتركيا والعراق وسوريا.

3 مسار ميناء جوادر الذي سيغطي دول الخليج، بالإضافة إلى تقريب مسافة الصين إلى أوربا!

التمويل:

ستحتاج هذه المشاريع العملاقة إلى تمويل ورؤوس أموال لإنشاء البنى التحتية اللازمة، خصوصاً إن الدول التي ستمر بها هذه الطرق، هي في الغالب دولاً ذات معدلات نمو اقتصاد متواضعة؛ لذا أنشأت الصين عدة بنوك استثمارية ومنها (بنك الاستثمار الاسيوي) الذي عقدت الحكومة العراقية العزم على الانضمام إليه، للحصول على التمويل اللازم لبناء السكك الحديدية والبنى التحتية اللازمة للاستفادة من خيرات وبركات التنين الصيني.

فما هي المخاطر المحتملة من التمويل الذي تنوي الحكومة العراقية الحصول عليه؟

وما هي التأثيرات الإيجابية والسلبية لمشروع الصيني على الاقتصاد العراقي؟!

هذا ما سنتحدث عنه في مقالة لاحقة، بعد هذه المقدمة السريعة عن اساسيات مشروع الحرير الصيني.

المخاطر والاقتراض

يمكن أعتبار موقف المتحمسون لمشروع الطريق الصيني، هو رهان أكثر منه حسابات، وإن سبب حماستهم واندفاعهم هي افتراضات وليست أرقام، وإلى حين أثبات فريق المتحمسون لوجهة نظرهم بالحسابات والأرقام، فمن الحكمة تبني وجهة نظر فريق المتشائمين من المشروع.

بصورة عامة تواجه العراق معضلتين: (مخاطر الاقتراض، تحديات الاقتصاد)

أولا: مخاطر الاقتراض:

وكما أعلنت الحكومة العراقية سابقاً، فإن فريق المتحمسين يواصل مساعيه للحصول على التمويل من (بنك الاستثمار الاسيوي)، لإنشاء وتطوير سكك الحديد العراقية.

وتواجه الدولة هنا ثلاث مخاطر متسلسلة، ناجمة عن اقتراض العراق من (بنك الاستثمار الأسيوي) لتطوير بنيته السككية:

1 مخاطر الفساد: ففي بلد يحتل مراتب متقدمة في سلم الفساد الإداري! يُعد أنجاز الحكومة للمشاريع وفق المواصفات المطلوبة أمراً مشكوكاً فيه، وهي – أي الحكومة – التي أخفقت في إنجاز العشرات من المشاريع البسيطة، كتبليط الشوارع، ولذا تُثار العديد من الشكوك حول كفاءة التنفيذ والحسابات والمصاريف، طبعاً هذا إذا تم إنجازه فعلياً.

2- مخاطر العوائد المنخفضة: يرى فريق المتحمسين أن عوائد المشروع المالية ستكون مرتفعة، وهنا عليهم الإجابة عن التساؤلين الآتيين:

التساؤل الأول: هل ستمر التجارة الصينية من العراق؟ حيث يراهن المتحمسون أن العراق – وكما كان تاريخيا – هو نقطة وصل الشرق بالغرب، تتقاطع وتلتقي فيه ممرات التجارة العالمية، وهذا ما سيدر على العراق اموالاً طائلة؛ والحال ومن واقع الخرائط في المقال السابق، رأينا عكس ذلك؛ حيث لن تضطر البضائع الصينية من المرور خلال العراق للوصول إلى الغرب، وهذا قد يخفض من عوائد المشروع الذي يُعول عليها في تسديد قروضه!

التساؤل الثاني: هل ستكون عائدات مرور التجارة الصينية كافية لسداد القروض وفوائدها؟ فالتجارة والبضائع الصينية قد تمر فعلاً من خلال العراق، ولكن هل سيُسمح للعراق باستحصال الرسوم الجمركية على البضائع المارة عبر أراضيه؟! مرة ثانية يراهن المتحمسون أن العائدات الجمركية على بضائع (الترانزيت) ستكون مرتفعة، وتمكن العراق من سداد قروضه وفوائده السنوية، والمنطق الاقتصادي يقول، أن هدف الصين من تمويل هذا المشروع، هو تيسير وتقليل تكاليف مرور تجارتها، وغالباً ستكون لديها شروطها فيما يتعلق بفرض الرسوم الجمركية على بضائعها عبر الأراضي العراقية!

وعليه سنحتاج إلى معرفة (حجم البضائع التي ستمر، وحجم العائدات التي سُتولد، نتيجة مرور هذه البضائع خلال العراق؟) للحكم على رهان المتحمسين.

3- مخاطر عدم السداد: الأساس أن (المُقرض الصيني) هو من يتحمل الخسارة إذا أخفق (المُقترض العراقي) عن سداد قروضه، ولكن في حالتنا هذه، فالعراق هو الذي سيتحمل المخاطر، وستكون المخاطر سيادية إذا أخفق العراق بسداد ديونه.

يمكن لهذا المشروع أن يكون ممتازاً ويقدم فرص حقيقية وليست خادعة للاقتصاد العراقي، إذا استطاع المتحمسون تقديم:

- ضمانات حول انجاز المشروع، وبكفاءة.

- الحسابات التي تبين أن المشروع سيكون مربحاً ويدر العوائد التي تغطي تكاليفه.

أما في حالة إخفاق المتحمسون عن الإجابة عن الأسئلة أعلاه، فسيكون البديل الأفضل والاقل خطراً على مالية العراق واقتصاده وسيادته، ان يتم فتح المجال للشركات سواء أكانت عراقية أم أجنبية، للاستثمار وبناء شبكة السكك الحديدية عبر ارجاء العراق، وبهذا تستطيع الحكومة أن تضمن أن هذه الشركات هي التي ستتحمل مخاطر الأقتراض ومخاطر سوء حساباتها، وأن أن هذه المشاريع لن تسدد فقط تكاليف إنشاءها، بل ستكون مربحة ومستدامة وتوظف الالاف من الافراد.

..........................................................................................................

* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق