فالاختلاف حاصل والمؤلم انه بدرجة يزعزع ايمان الكثيرين، ولكن مثل هذه الرواية تعدّ من المحذِّرات ببيانها بعض المتقدمات؛ فإن من اكبر الاخطاء ان يرتهن ايماننا بالاشخاص؛ لان الاشخاص قد يختلفون والجهات الدينية قد تختلف، فقد يختلف حزبان دينيان او حسينيتان او حتى مرجعيتان...

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، بارئ الخلائق أجمعين، باعث الأنبياء والمرسلين، ثم الصلاة والسلام على سيدنا وحبيب قلوبنا أبي القاسم المصطفى محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين الأبرار المنتجبين، سيما خليفة الله في الأرضين، واللعنة الدائمة الأبدية على أعدائهم إلى يوم الدين، ولاحول ولاقوه إلا بالله العلي العظيم.

الحديث يدور حول ((الميمات الاربع)) التي تسبق الظهور المبارك في زمن الغيبة الكبرى:

1) المقدِّمات.

2) المتقدِّمات.

3) الممهِّدات.

4) المسؤوليات والوظائف.

هذه هي الميمات الاربع التي وردت حول مضامينها روايات كثيرة، فاللازم ان نكون مرابطين عند ثغرها دائما.

1) المقــــــــــدِّمــات:

هنالك (مقدمات) وليست صرف (متقدمات)، كما انها لا ترقى الى مستوى (الممهدات) بل تبقى مقدمات في المرتبة المتوسطة، وقد بينا سابقا ان المقدمة: هي التي توصل الى الشيء، لكنها لا تصنع الشيء ولا تسهم في تكوينه.

والمستفاد من الروايات:

أ ــ ان هناك اشياءاً تسهم في تعجيل الظهور المبارك والتي عبرنا عنها بـ(الممهدات) كما سياتي في نهاية المطاف ان شاء الله تعالى.

ب ــ وان هناك اشياءاً هي متقدمة على الظهور المبارك لكن من دون علِّية أو اقتضاء فيها للايصال ولا تأثير لها في صناعة ذلك الحادث العظيم القادم، وهي ما اسميناه بـ(المتقدمات).

ج ــ وهناك امور توصل الانسان لإدراك عهد الظهور وان لم تكن من صنّاع تعجيل الظهور وأسبابه، بمعنى ان الشخص اذا اراد ان يكون من انصار الامام المنتظر (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، او ان يحيى الى ان يظهر(عجل الله تعالى فرجه الشريف)، او اذا مات ان يحيى في زمن الظهور، فان هناك طرقا ذكرتها الروايات، توصل الانسان العامل بها الى عصر الظهور، لكنها لا تعجل بالظهور، وعلى الاقل يمكن القول: انه لايظهر من الروايات انها من الممهدات.

من المقدمات: قراءة المسبِّحات

والمقدمات عديدة، ومنها:

التزام الانسان بقراءة المسبحات[1] كل ليلة قبل المنام فان ذلك سيكون سبباً لكي يدرك الشخصُ الامام المهدي المنتظر (عجل الله تعالى فرجه الشريف) بنحو الاقتضاء - وهو امر هام جداً – وإن لم يكن بنحو العلية التامة، وسيتضح ذلك عندما نقرأ الرواية الشريفة:

(فقد نقل كتاب العوالم عن الكافي الشريف باسناده الى جابر قال: سمعت ابا جعفر (صلوات الله وسلامه عليه) يقول: من قرأ المسبحات كلها قبل ان ينام لم يمت حتى يدرك القائم (عجل الله تعالى فرجه الشريف) وان مات كان في جوار محمد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم))[2]

فهذه وسيلة و طريقة مهمة جداً عرفّنا عليها الأئمة الاطهار، فلماذا نغفل عنها وعن امثالها؟؟

ان كل مؤمن لا ريب انه يتمنى ان يتشرف برؤية وخدمة الامام المعصوم ولو لحظة واحدة، فكيف بان يدركه ويكون من جنوده وأعوانه؟!

نعم يظهر من الرواية ان ذلك بنحو المقتضي وليس بنحو العلة التامة، فقد يقوم بالقراءة بعض الافراد لكن لايدركونه (صلوات الله وسلامه عليه)، الا ان الله تعالى يعوضهم بشي آخر له اهميته القصوى بدوره، وهو ما تصرح به تتمة الرواية اذ تقول: (وان مات كان في جوار محمد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم))[3].

تأثير الالتزام بالمسبحات ونظائرها في البركة والتسديد

وهذه المقدمة وسائر المقدمات علينا ان نتعرف عليها باجمعها في عهد الغيبة جيداً وان نلتزم بها ايضاً ففي ذلك سعادة الدارين. اذ كم لها من الاثر في تهذيب النفس، وكم لها من الاثر في البركة والتسديد للأفكار والتصرفات والاعمال، فإننا عادة نعيش في ضمن دائرة تفكير وتخطيط الغير لنا او انهم يعيشون في ضمن دائرة تخطيطنا وهذا التخطيط هو الذي يحيي الامم و ينقذها او يدمرها سلباً او ايجاباً، وقد قيل: ان 2% من البشر يخططون في مستويات عليا او دنيا، بينما 98% من البشر يعيشون في دائرة تخطيط الاخرين.

فالإنسان اما مخطِّط واما مخطَّط له، او هو مزيج: يخطط من جهة لجماعة وهناك جماعة تخطط له، فاذا اردت التسديد في تخطيطك وفيما يخطط لك فالتزم بمثل تلك المقدمة ((قراءة المسبِّحات))، فانه مؤثر بلا شك لان الامور كلها بيد الله سبحانه وتعالى. فإذا التجأت اليه انجدك واعانك وسددك في افكارك وفي خطواتك واعمالك.

اذن هناك مقدمات لإدراك الظهور المبارك بالمعنى الذي شرحناه، ولذلك حديث طويل نوكله الى وقت اخر ان شاء الله تعالى.

2) المتقدِّمات

وهناك متقدمات على الظهور المبارك وقد سبق ان التقدم يعني التعاقب وليس الترابط العلِّي والمعلولي او الاقتضائي، فالمتقدم: مجرد حدث يسبق الظهور المبارك من غير تأثير له فيه بالمرة، الا انها قضايا مهمة لأنها تتضمن طابع التحذير، ومنها ما ورد في بعض الروايات وهي كثيرة ينبغي ان يلتفت لها منها:

اختلاف الشيعة من المتقدمات على الظهور المبارك

اختلاف الشيعة الى حد ان يبصق ويتفل ـ بحسب تعبير الرواية ـ بعضهم في وجه بعض.

وهذه (المتقدمة) هي رذيلة في حد ذاتها وليست (مقدمة) حتى يتوهم البعض ان القيام بها مما يقرب الظهور المبارك.

مناشئ النزاع الاربعة

ومناشئ الاختلاف والنزاع هي اربعة امور:

أ ــ فقد يكون الخلاف والاختلاف والتنازع وليدَ اختلاف المصالح وتضاربها وهذا النوع له طرق معينة لمعالجته،

ب ــ وقد يكون النزاع ناشئا من اختلاف الاجتهادات وهذا ايضا له طرق معالجة من نوع اخر.

ج ــ وقد يكون التنازع ناشئا عن اختلاف الاذواق والسلائق والطبائع والعادات والتقاليد وهذا ايضا له نحو من المعالجة.

د ــ وقد يكون الاختلاف ناجما ومتولدا من الاختلاف في القيم والمبادئ كالدين والمذهب وهذا ايضا له طرق علاج اخرى،

وهذا البحث بحد ذاته يستدعي اياما من الحديث، لكن كلامنا الان ليس حول الاختلاف، وماهو موقنا الذي يجب ان يكون من:

1ــ الاختلاف نفسه

2ــ المتخالفين كشخصين او جهتين

3 ــ ماهية القضية المختلف فيها، وغير ذلك مما يستدعي بحثا مفصلا.

انما كلامنا يدور حول اصل تقدم هذه الظاهرة (الاختلاف) أي اختلاف الشيعة بشكل شديد، على الظهور المبارك.

وسوف نعلق بكلمة واحدة مهمة جدا لله فيها رضا ولكم اجر وثواب: (يقول الامام الصادق (عليه السلام) كما في الكافي الشريف: كيف انت اذا وقعت السبطة [4] بين المسجدين[5] فيأرِز[6] العلم كما تأرز الحية في جحرها، واختلفت الشيعة وسمّى بعضهم بعضاً كذابين وتفل بعضهم في وجوه بعضٍ قلت جعلت فداك ماعند ذلك من خير فقال: لي الخير كله عند ذلك ثلاثاً)[7]

وهنا نقول: ان الكلام حول (فقه الاختلاف) و(اخلاقيات الاختلاف) يستدعي مباحث مستوعبة، والاول يرجع الى المسائل الشرعية الفقهية، اما الثاني فهو من خانة المسائل الاخلاقية..

لاتزعزعنّ الاختلافاتُ ايمانكم مهما اشتدت!

لكن كلامنا الان يدور حول بعده الكلامي أي يتعلق بآخرتنا،

ولابد ان نسأل انفسنا الان: هل اختلاف الشيعة كظاهرة حصلت بالفعل الان؟ قد يقال انه توجد الان درجة من درجات الاختلاف حاصلة بالفعل، ومن مظاهره ما يحصل في الفضائيات والجرائد وفي بعض المجالس وبعض البرلمانات، بل ينقل عن رمي بعضهم للآخرين بالكراسي او كاسات الماء او بصاق بعضهم على البعض الاخر، الى غير ذلك.

فالاختلاف حاصل والمؤلم انه بدرجة يزعزع ايمان الكثيرين، ولكن مثل هذه الرواية تعدّ من المحذِّرات ببيانها بعض المتقدمات؛ فإن من اكبر الاخطاء ان يرتهن ايماننا بالاشخاص؛ لان الاشخاص قد يختلفون والجهات الدينية قد تختلف، فقد يختلف حزبان دينيان او حسينيتان او حتى مرجعيتان او غير ذلك، لكن ذلك يجب ان لا ينجرَّ على ايمان الشخص وعلاقته بربه وامامه (صلوات الله وسلامه عليه) ابداً، إنَّ الاختلاف امر واقع، ولكن: (اعرف الحق تعرف اهله) فاذا انطلق الانسان بايمانه بالله وبرسوله وبالائمة الاطهار (عليهم السلام) من الادلة والبداهة والفطرة والوجدان لا التقليد الاعمى لزيد او عمرو مهما كان زيد او غيره لانه بالتالي لايمثل الحق المطلق، فانه سيثبت على الحق مهما اختلف الناس وتنازعوا.

الحارث الهمداني واضطرابه على اختلاف الشيعة وجواب امير المؤمنين (عليه السلام)

(كان الحارث الهمداني من خلص شيعة اميرالمؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) وقد رأى اختلافا كبيرا بين الشيعة في زمن خلافة الامام (صلوات الله وسلامه عليه) فتحسر على ما رأى، فدخل على امير المؤمنين (عليه السلام) فقال له: كيف انت ياحارث؟ قال: نال الدهر منّي (أي انني مريض) الا ان ما يؤلمني اكثر اختلاف الشيعة ببابك، بين مفرط غال، ومقتصد وال، ومتردد مرتاب لايدري ايحجم ام يقدم؟ فاجابه الامام بجواب طويل.. جاء فيه (اعرف الحق تعرف اهله).

واليكم نص الرواية لروعتها وجمالها (دخل الحارث الهمداني على أمير المؤمنين(عليه السلام) في نفر من الشيعة، وكنت فيهم، فجعل الحارث يتأوّد في مشيته ويخبط الأرض بمحجنه[8]، وكان مريضاً فأقبل عليه أمير المؤمنين، وكانت له منه منزلة فقال: كيف تجدك يا حارث؟

قال: نال الدهر منّي يا أمير المؤمنين، وزادني أواراً وغليلاً اختصام أصحابك ببابك، قال: وفيم خصومتهم؟ قال: في شأنك، والثلاثة من قبلك، فمن مفرطٍ غال، ومقتصدٍ تال، ومن متردّدٍ مرتاب لا يدري أيقدم أم يحجم؟

قال (عليه السلام): فحسبك يا أخا همدان، ألا إن خير شيعتي النمط الأوسط إليهم يرجع الغالي وبهم يلحق التالي.

قال: فقال له الحارث: لو كشفت فداك أبي وأُمّي الريب عن قلوبنا، وجعلتنا في ذلك على بصيرة من أمرنا.

قال (عليه السلام): قدك[9] فإنّك امرء ملبوس عليه، إنّ دين الله لا يُعرف بالرجال بل بآية الحق فاعرف الحقّ تعرف أهله، يا حارث إنّ الحقّ أحسن الحديث، والصادع به مجاهد، وبالحقّ أخبرك فارعني سمعك، ثمّ خبّر به مَن كانت له حصافة من أصحابك.

ألا إنّي عبد الله، وأخو رسول الله، وصدّيقه الأكبر: صدّقته وآدم بين الروح والجسد...)[10]

واحد الحكماء المعاصرين وهو من دين اخر ولايعرف التشيع ولا الائمة (سلام الله عليهم) عندما وصلته كلمة الامير (صلوات الله وسلامه عليه) هذه (اعرف الحق تعرف اهله)، قال: ان هذه الكلمة بمفردها تصلح منهاجا لسعادة البشرية!

وبالفعل اذا عملت الانسانية بهذه الكلمة الرائعة والقيمة فسوف تسعد البشرية ايما سعادة!!

ومعنى الكلمة ظاهرا: اعرف الحق عبر الادلة والبراهين والضوابط والمحددات للحق، ثم انظر الى درجة انطباقها على زيد او عمرو او غيرهما، فان انطبقت على شخص فإنه محق، والا فلا

لكن من الغريب جداً ان نجد بعض الناس عندما يرى اختلافاً في المدارس او المساجد والحسينيات او في السوق او الجامعة او غيرها، بين الشيعة تراه ينهار او يرتد، والبعض الاخر قد يرى اختلافا بين مذهبين او بين عالمين معينين فيعتقد ان الدين بأكمله كذب وافتراء ـ والعياذ بالله ـ

الاختلاف هو سنة الله في الحياة

والحاصل اختلاف الشيعة فيما بينهم وتصاعد وتيرة الخلافات هي من المتقدمات، لكنه لا يصح ان يصاب الانسان باليأس اذ (انه لا ييأس من روح الله الا القوم الكافرون) بل ان الاختلاف هو سنة الله في الحياة (لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ)[11]، وعلى مر التاريخ نجد ان كل الامم اختلفت، (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)[12] فلاينبغي ان يرتهن الانسان ايمانه بحصول الاختلاف وعدمه بل ينبغي ان يزداد ايمانه ويشتد كلما حصل الاختلاف؛ لانه يعرف الحق، وهذه الاختلافات لاتزعزعه ابداً ؛ لانه على بصيرة من امره.

ان الروايات الشريفة تؤكد على ان الكثير من الناس يرتدون وينحرفون في زمن الغيبة وتؤكد على لزوم الثبات والاستقامة وعلى ان ذلك محنة وابتلاء فقد ورد في غيبة الشيخ عن الامام موسى بن جعفر (عليه السلام) ((اذا فقد الخامس من ولد السابع من الائمة فالله الله في اديانكم لايزيلنَّكم عنها احد، يابني انه لابد لصاحب هذا الامر من غيبة، حتى يرجع عن هذا الامر (أي التشيع) من كان يقول به (أي كثير ممن يقول به)، انما هي محنة من الله[13] امتحن الله تعالى بها خلقه "[14]

الم يقل تعالى: (الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ)[15].

فكلما رأى الانسان شخصا او اشخاصاً او مجاميع انحرفت عن الحق فإنه ينبغي ان يزداد تمسكا بدينه واحتياطاً على مستقبله من سوء العاقبة والعياذ بالله.

3ــ الممهِّدات

ان العديد من الروايات صريحة في ان هنالك مجموعة من الممهدات للظهور المبارك والمقربات له[16] كما ان هنالك مبعدات، أي ان هنالك افعالا نقوم بها تتسبب في لطف الله تعالى بنا فيقرّب الظهور، او نقوم ـ لاسمح الله ـ بافعال او نجترح معاصي تبعد زمن الظهور الميمون، ومن هذه الممهدات:

1ـــ التضرع والدعاء والبكاء والالتجاء الى الله

ان الكثير منا يدعو لتعجيل فرج ولي الله الاعظم (عجل الله تعالى فرجه الشريف) الا ان دعاءه دعاء عادي لاتهتز له اعماق قلبه ومشاعره فقد يقرأ دعاء الفرج ثم يمضي لشانه وينسى امام زمانه لساعات او اكثر.. بينما نجده اذا اصيب بعزيز من اولاده، او كان له ام او اب في المستشفى او غير ذلك، فانه سيكون قلقا على طول الخط وتراه يدعو بكل لهفة وتضرع وانقطاع وخشوع وخضوع..

فكم منا ومن هذه الملايين من المسلمين يدعو الله سبحانه وتعالى لتعجيل الظهور الميمون بلهفة ولوعة وانقطاع على امتداد ساعات النهار والليل؟ بل حتى خمس مرات يومياً بانقطاع حقيقي؟!

وقد ورد صريحا عن الامام كما في تفسير العياشي عن الفضل بن ابي قرة:" سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول: اوحى الله الى ابراهيم (عليه السلام) انه سيولد لك،

فقال لساره، فقالت: أألد وانا عجوز؟!

فأوحى الله اليه انها ستلد ويعذب اولادها اربعمئة سنة بردها الكلام علىّ!،

قال: فلما طال على بني اسرائيل العذاب ضجوا وبكوا الى الله اربعين صباحا (فالبكاء بكاء بضجيج وليس بهدوء او بوقار!) فأوحى الله الى موسى وهارون ان يخلصهم من فرعون فحط عنهم سبعين ومئة سنة..

قال: وقال: ابو عبد الله (عليه السلام): وهكذا انتم لو فعلتم لفرج الله عنا (ولاحظوا قوله (عليه السلام) ((عنا)) ولم يقل ((عنكم))... ولهذه الكلمة دلالة مؤلمة حقاً فإن تخاذلنا عن الدعاء والبكاء والضجيج سبب لاستمرار الغيبة وتأخير فرجهم (عليهم السلام) وفي تأخير فرجهم تأخير لفرجنا ايضاً) فاما اذا لم تكونوا فان الامر ينتهي الى منتهاه "

من نتائج الرد على الله تعالى

كلمة واحدة قالتها سارة فعوقبت بأربعمائة عام من العذاب يصب على ابنائها واحفادها صباً صبا !!! اذن كيف حالنا ونحن نرد دائما على الله تعالى، وكم يوجد في الواقع الخارجي من انماط الرد على الله تعالى،اليست الضرائب والكمارك والمكوس من انواع الرد على الله تعالى؟ كيف وقد وردت روايات شديدة اللهجة بالنهي عنها والتحذير منها وكون فاعلها ملعوناً؟، وكذلك الربا المسيطر في كل التعاملات التجارية والاقتصادية في كل البنوك التابعة للدول الاسلامية وغير الاسلامية الا يعد من الرد على الله تعالى؟ وكذلك الحدود الجغرافية، واقرار مختلف القوانين التي لم ينزل الله تعالى بها من سلطان كمصادرة اموال الناس وسحق حقوقهم... وغير ذلك اليس كل ذلك ردّاً على الله تعالى؟

إن هذه المرأة قالت كلمة واحدة وهي في حالة استغراب ودهشة فاستوجبت غضب الله تعالى وعقوبته (جل جلاله)، فكيف بنا وحياتنا كلها رد على الله تعالى، فخذ مثلا القياس وما اكثره ! وخذ مثلاً دعاوى نسبية المعرفة؟ وخذ مثلاً القول بان القرآن نزل لزمان خاص ولمكان خاص، وخذ مثلاً ازدياد معارضة النصوص بالاجتهادات ! وخذ مثلاً الركون الى الظالمين والاستنجاد بل الاعتماد على الدول الكافرة الشرقية والغربية!

وبذلك كله يظهر ان القابلية فينا لظهور الامام (صلوات الله وسلامه عليه) غير موجودة، ويظهر اننا، لسنا عبيدا حقيقين لله تعالى(عز وجل)، بل نحن – الكثرة الكاثرة منا - نتصرف وكأننا سادة ومجتهدين في كل شيء وفي مقابل الائمة و الرسول (صلوات الله عليهم اجمعين) وفي مقابل الله تعالى !!

وذلك كله رغم اننا جميعاً نعرف ان كل الامور بيد الله تعالى وليست بيد فلان الوجيه ذي النفوذ او بيد الجهة الفلانية او الدولة العظمى الكذائية بزعمهم ومن يعتقد ذلك او يعمل على طبق ذلك فان الله يكل امره اليه كما هو المشاهد الان في بلداننا الاسلامية اذ تبع الكثير منهم الغرب او الشرق.

ان الامر سهل وقد وضع الله تعالى مفاتيحه بأيدينا وهو ان نتضرع الى الله تعالى بانقطاع ورجاء حقاً ليلاً ونهاراً وان نجتهد في ربط سفينتنا بسفينة اهل البيت (عليهم السلام) وعندها ستتغير المعادلات الكونية والسياسية والاجتماعية وغيرها بإذن الله تعالى (عز وجل) حتى يقترب الظهور وتسعد الارض ومن عليها بوجود ولي الله الاعظم (صلوات الله وسلامه عليه).

2ــ الوفاء بالعهد الالهي

2ـ فقد ورد في كتاب الاحتجاج ج 3 ص 325: ان الامام المنتظر(عجل الله تعالى فرجه الشريف) وجه رسالة الى الشيخ المفيد (رضوان الله تعالى عليه) في العام412 هـ ومما جاء فيها: (...ونحن نعهد اليك ايها الولي المخلص المجاهد فينا الظالمين (وكل كلمة وصفة في هذه الرسالة تعدل الدنيا ومافيها ((الولي... المخلص... المجاهد)) ولذا كان الشيخ المفيد علما وركنا من اهم اركان الدين) أيدك الله بنصره الذي أيد به السلف من أوليائنا الصالحين، أنه من اتقى ربه من إخوانك في الدين وأخرج ما عليه إلى مستحقيه، كان آمنا من الفتنة المطلّة، ومحنها المظلمة المضلة ومن بخل منهم بما أعاره الله من نعمته على من أمره بصلته، فإنه يكون خاسرا بذلك لأولاه وآخرته، ولو أن أشياعنا وفقهم الله لطاعته على اجتماع من القلوب في الوفاء بالعهد عليهم لما تأخر عنهم اليمن بلقائنا[17]، ولتعجلت لهم السعادة بمشاهدتنا على حق المعرفة وصدقها منهم بنا، فما يحبسنا عنهم إلا ما يتصل بنا مما نكرهه، ولا نؤثره منهم، والله المستعان وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلاته على سيدنا البشير النذير محمد وآله الطاهرين وسلم وكتب في غرة شوال من سنة اثنتي عشرة وأربعمائة. نسخة التوقيع باليد العليا صلوات الله على صاحبها

وفي قوله (عليه السلام) (ولو ان اشياعناً...) دلالة واضحة على ان اجتماع قلوب اشياعهم (عليهم السلام) على الوفاء بالعهد سبب تعجيل اليمن بلقائهم والسعادة بمشاهدتهم...

ومن الواضح ان (اشياعنا) جمع وان فسح المجال لكل الاشياع – اذا التزموا بالعهد – للقائه ومشاهدته (عليه السلام) يعني انتهاء الغيبة الكبرى وبداية الظهور المبارك؛ لان الغيبة الكبرى لا يمكن فيها الا اللقاء به ومشاهدته استثناءاً للاوحديّ من الناس اما التقاء كل الاشياع به ومشاهدته فلا يمكن – حسب التقدير الالهي – الا بعد الظهور المبارك.

ثم انه يصرح (عليه السلام) ايضاً (فما يحبسنا عنهم) وهذا يعني ان الوفاء بالعهد مقرّب للظهور المبارك وان اعمالنا الطالحة مما يؤخر الظهور الميمون؛ وذلك ان كل اعمالنا تصل الى الامام المهدي ((عجل الله تعالى فرجه الشريف)) وتعرض عليه مرتين في اليوم على الاقل فيصل اليه ان فلاناً اغتاب او كذب او نظر الى امرأة أجنبية او فلاناً حسد او حقد او تكبر او أعجب بعبادته وغير ذلك وكلها مما يحبس ظهوره عنا. كما ان التحابب في الله ومودة اهل البيت (سلام الله عليهم) والاعمال الصالحة الخيرة من التصدق والدعاء والورع والتقوى لهي من الممهّدات والمقربات للظهور المبارك باذن الله تعالى. فـ((وان الله تبارك وتعالى يصلح امره – أي الامام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) - في ليلة))[18] و ((يصلح له امره في ليلة كما اصلح أمر نبيه موسى (عليه السلام)))[19]

وقد قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ)[20]

وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين

وصلى الله على محمد واله الطيبين الطاهرين

http://m-alshirazi.com

..........................................
[1] - وهي سور سبع تبدأ بمادة (س ب ح) ومشتقاتها وهي سورة الاسراء والحديد والحشر والصف والجمعة والتغابن والاعلى
[2] - الكافي جزء 2 ص620
[3] - الكافي جزء 2 ص620
[4] - وفي نسخة البطشة، وكلاهما صحيح وكل له معنى.
[5] - أي المنطقة، وقد يراد بها النجف الاشرف او مابين مكة والمدينة.
[6] - أي: ينقبض ويتضام بعضه على بعض فيختفي.
[7] - الكافي ج1 ص 340
[8] - المحجن: عصا معوجة الرأس
[9] - قدّك اسم فعل امر بمعنى: يكفيك او حسبك
[10] - الامالي للطوسي ص625 ص626
[11] - الانفال 37
[12] - البقرة: 213
[13] - ليستخرج عمق جوهر الانسان وواقعه
[14] - الغيبة للطوسي ص 337
[15] - العنكبوت: 1ـ 3
[16] - عرضت على بعض الباحثين المتخصصين في هذا المجال فكرة وجود الممهِّدات للظهور المبارك فأبدى استغرابه وقال: "ان هذا مما لا تساعد عليه الروايات"، لكن التتبع ساقنا الى ان الروايات صريحة في ذلك، كما سنذكر في المتن بعضها بإذن الله تعالى، ولعل استغرابه لان هذا البحث (الممهدات) لم يطرح بهذه الصورة التي نعرضها، فيما نعلم.
[17] - وقال تعالى (وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ) البقرة: 40 و (إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ) محمد: 7 و(إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ) الاحزاب: 72
[18] - البحار ج51 ص156
[19] - كمال الدين ص152
[20] - الرعد:11

اضف تعليق