العالم يتغير، الصيغة حقيقية، لكنها جوفاء، فالصعوبات تبدأ حين نريد ان نعلم نما الذي يتغير، وماهي الأسباب المختلفة للتغير.

في الثمانينات قام هنري مندراس وفريقه بالاشتراك مع لويس ديرن بدراسة منهجية تناولت التحولات الاجتماعية بحسب الميول.

كان الغرض من الدراسة انطلاقا من معطيات إحصائية الكشف عن الميول الكبرى للتغير: تحول القيم (العقائد الدينية والسياسية، التسامح) والعائلة (تطور الزيجات، الطلاق والولادات) والصراعات الاجتماعية، الجريمة، والعمل، الخ.

انطلاقا من هذه المعطيات حاول علماء الاجتماع إعادة تجميع الميول ومقارنتها بهدف معرفة الروابط فيما بينها. بتحليل هذه المعطيات الأولية اعتقدوا إمكانية تكوين منطق عام. وهكذا فان التغيرات الثقافية الاجتماعية تأتي من مركز الهرم لا من قمته. ففي التحولات الاجتماعية (تحول العائلة والعمل) تكون الابعاد الثقافية قبل الاقتصادية.

حاول هنري مندراس ان يستخرج من ذلك لوحة عامة تتناول التغيرات في المجتمع الفرنسي. وقد رأى ان (ميل المجتمع الى الوسط، وعدم الارتباط بالمؤسسة، واهمية الشبكات المتزايدة قياسا على التراتبية التقليدية، ان ذلك يشكل، برأيه، الديناميات الكبرى التي تميز بها المجتمع الفرنسي منذ أربعة عقود.

مقارنات عالمية في التغير

شهد برنامج لويس ديرن توسعا عالميا. ففي عام 1987 اطلق برنامج بحث بعنوان (لوحة مقارنة عن التغير الاجتماعي) وقد جمع بحاثة وفرق عمل مختلفة (فرنسية، المانية، أميركية ومن كيبيك، واليهم انضمت فرق أخرى، إيطالية واسبانية وروسية ويونانية). هذا البرنامج العالمي تولدت منه عدة مؤلفات توليفية تناولت موضوعات متعددة مثل (اخلاقيات الاختيارات الطبية)، (العاطلون عن العمل لآجال طويلة)، (الرأسمالية في اوربا)، (سياسة العائدات في اوربا).

اذا قمنا بمعالجة هذه الأبحاث نجد ان بالإمكان تصنيف الميول الى فئتين بحسب درجة التقارب بهدف قياس مدى التشابهات والاختلافات.

التشابهات

دورات الحياة: تطاول فترة الشباب من خلال تطويل مرحلة الانتقال من الحياة المدرسية الى النشاط المهني. ان ازدياد عدد المتقاعدين في المجتمعات ما بعد الصناعية بعد الحرب قد بلغ حدا عاليا.

البنى الوظيفية: زيادة متنامية في القطاعات الثلاثية على حساب القطاعات الثانوية والاولية. نلاحظ أولا ان اليابان قد ظلت المجتمع الذي يشكل فيه الفلاحون القطاع الأكثر أهمية. وثمة تطورات متقاربة أخرى: نقص عدد العمال والمستقلين، زيادة عدد الكادرات، زيادة العمل المعلوماتي ونقص العمل النقابي.

الاسرة: انخفاض مستوى الخصوبة وضعف النموذج الكلاسيكي في الزواج وازدياد حالات الطلاق، والاتحاد الحر والولادات خارج الزواج (مع الاختلاف من بلد الى اخر).

النساء: نجد في كل مكان زيادة الدخول الى المدارس والنشاط النسائي، علامة على مساواة في الشروط بين الرجال والنساء، تطور عام في النموذج الامومي ودور المرأة.

الممارسات الثقافية: ارتفاع في نسبة الدخول الى المدرسة الأولية، وتنشئة البالغين وزيادة أوقات الفراغ واوقات لفرص والممارسات الرياضية.

الاختلافات:

التراتب الاجتماعي: عدم المساواة والشعور بالانتماء الاجتماعي قد تطورا بحسب البلدان. ففي حين نجد ان اللامساواة في المداخيل قد تدنت في فرنسا، نجد انها قد ازدادت في الولايات المتحدة في العقود الأخيرة. ان النمو الاقتصادي الضعيف قد عبر عن نفسه في اوربا ببطالة جماهيرية، في حين ان الأجور قد ظلت ثابتة بمستوى العائدات. وثمة حالة من الفقر ظهرت في كل مكان ولكن بأشكال مختلفة: مسألة الغيتوات في الولايات المتحدة، فقر مقيم من دون هوامش اجتماعية (في بلدان الجنوب). فقر هامشي في البلدان الشمالية، تنابذ اجتماعي صار في فرنسا وبريطانيا شديد الوضوح.

الدين: في الوقت الذي تعرف فيه الديانات الرسمية في اوربا انحسارا متواصلا، نجد في المقابل اشكال تدين جديدة.

الجريمة: رغم الصعوبات في مقارنة معدلات الجريمة من بلد الى اخر، نجد ان الجريمة لم تتطور بشكل مشابه بين اوربا وامريكا، حيث نجد ثقافة عنف فعلية، وهذا ما أشار اليه جميع المراقبين، حيث معدل القتل في الولايات المتحدة ضعف ما هو في اوربا.

نظريات التغير الاجتماعي

حاول علماء الاجتماع تطوير نظريات عامة حول التغير الاجتماعي، واضعين النقاط على العوامل الأساسية: علم السكان، قوانين الاقتصاد، التقنيات، العقليات، عمل الدولة، الازمات الاجتماعية، والافراد المبتكرون.

من المقبول الان ان المجتمعات تتغير بفعل أسباب متعددة تتحد لتعطي اثرا، ومن العبث البحث عن سبب اول او عن فاعل واحد يكون مسؤولا عن التطورات الاجتماعية.

تجعل هذه الملاحظة نظريات التغير الاجتماعي التي سادت ابان القرن العشرين، نظريات زائدة فهي لا تحل مسألة أسباب التحول الاجتماعي.

اضف تعليق