إنسانيات - مجتمع

سر الموت

كلما مررت على تلك المرأة التي تقف في أحد التقاطعات للتسول اتعجب من الموت واختياراته وكيف يأتي فجأة وبدون سبب او لأسباب غريبة ويختار ويخطف الأرواح، ومع كل المحاولات البشرية للإنقاذ لم يصل كائن بشري لتفسير اختياره عندما ينقضَّ على الروح ويسلبها من جسدها لتتحول في طرفة عين الى جثة.

قبل ايام كانت درجة الحرارة 49 الساعة الرابعة ولهيب الحرارة وكما يقال يذيب جلد الحمار، وهي تجلس متحملة كل هذه المعاناة وقد اختارت الجهة التي تسلطت الشمس عليها لتجلس فيها وتمد يدها للسيارات المارة والتي تأتيها خاطفة مسرعة كلٌّ يريد ان يصل لوجهته بسرعة هروبا من الحر الشديد.

مع كورونا والامراض الكثيرة التي اطاحت بأعداد كبيرة من الشباب والكبار ومع حرارة الشمس هي مستمرة بعملها، ماذا تفعل في هذه الحياة البائسة ومن اين جاءت بكل هذه الصحة والمقاومة والمناعة لتستمر في ارذل واقسى واصعب انواع العمل ان كان يحسب فعلا عملا؟

كنت قد زرت الدكتورة فاطمة عبد الله الحسني اختصاص الأمراض الجلدية مرة قبل خمسة اعوام تقريبا وهي من اشهر واكفأ الأطباء وكانت عيادتها تحتوي على صالتين يزدحم بها المراجعين والمراجعات من داخل وخارج كربلاء، وهي خريجة كلية الطب - جامعة بغداد ١٩٩٤ وحاصلة على شهادة البورد العراقي في الأمراض الجلدية، وبعد سنتين لطفح جلدي اصاب ابنتي الصغيرة ذهبت لها مرة ثانية فوجدت كما لو اني تركتها بالأمس الصالتين ممتلئات والعمل جارٍ على قدمٍ وساق وهو يدل على نجاحها اولا وثرائها ثانيا واهميتها الفعالة في المجتمع ثالثا.

في الأيام الاولى من شهر اذار الماضي سمعت نبأ وفاتها بسبب مضاعفات كورونا كانت صدمة آنية للجميع، وتساءل الكثير وانا منهم انسانة بثقافتها وتحصنها وحذرها وقدرتها المالية كيف لم يشفع لها وينقذها من مخالب الموت.

زوجان ارستقراطيان محبان يعيشان في هولندا اجمل بقاع العالم، الزوجة صديقتي الفيسبوكية الرسامة التشكيلية السومرية (عفيفة لعيبي) والزوج (بيتر شورد) استاذ في العلوم الإسلامية وباحث ومختص بتاريخ العرب، كتبت قبل اسابيع قليلة (وداعا يا حبيبي، سأفتقدك الى الابد والى الابد حبيبي الغالي)، كان الألم يعتصرها والحزن لخسارتها باديا على كل كلمة تقولها، ولتشارك فقدها مع المقربين كانت تنشر صور لها مع زوجها المتوفي، وفي كل صورة نتلمس نحن اصدقائها مدى حبهم وتعلقهم مع بعض وكان واضحا انه شريك حياة حقيقي ويعيشان حياة الترف والجمال والعمل والانتاج، حتى خطفه الموت بدون سابق انذر فنزل الكدر والحزن في قلبها، وتوقفت ثمار العمل والاجتهاد.

موضوع الموت كان وما زال يشغل الإنسان، لماذا هذا يموت وذلك الذي لديه كل اسباب الموت لا يموت؟، ولماذا غير واضحة اسباب الموت وقد احتل حيزا كبيرا من تفكير البشرية وتحليلها وتوقعاتها وانشغلت به مختلف الثّقافات والحضارات على مدى العصور وبقيت الى الآن دون ايجاد ما هو مقنع ومنطقي.

كلما مررنا في ذلك الطريق وجدتها في نفس المكان ما زالت تقف وتتسول كان عمرها يقارب عمر الدكتورة الحسيني، تساءلت لماذا تقف في الجهة التي تتسلط الشمس فوق يافوخها بينما الجهة الثانية فيها فياء وظل هل تريد ان تجذب استعطاف المارة أم هو عذاب متقصد لجسدها وجلد لذاتها؟.

وربما هي من الأشخاص اللامنتمين الذين يتكلم عنهم مختصو علم النفس يكونوا مثل الرجل الآلي جامدين ويتصرفون ببرود مع كل شيء يدور حولهم، أني أرها لا تملك انتماء حسي او عاطفي اتجاه أي شخص او حدث، ولا يهمها نفسها، وغير مدركة وواعية وغير مهتمة بما يحدث من تغييرات جسدية او نفسية ومعنوية، فكيف تقاوم رغم هذا العمل الشاق والمتعب ومع الحرارة اللاهبة وتفشي كورونا؟

ما توصل اليه العارفون ان الموت كالولادة فمتى ما استطعت ان تجيب لماذا ولدت بين هؤلاء القوم وهذين الابوين وعلى هذه الارض واللغة وذلك الدين سوف تجيب لماذا اموت اليوم وليس غدا وبهذه الأسباب وتلك الطريقة.

في الأسلام من يقول لماذا من يريد الموت لا يموت او من نريده ونحتاجه يموت، فالجواب الذي يريح النفس ويطمئن القلوب ويداوي عذاب الفقد والاشتياق ويداوي الجرح بالصبر، انها مشيئة الله واختياره ولا علم لنا فهو العالم والقادر وهو من يختار وهو من يخلق ويحي ويميت، وبيده ملكوت السماوات والأرض وهو من يقول للشيء كن فيكون.

اضف تعليق