تردد إحدى المتظاهرات التي بدى على مظهرها علامات الفقر المدقع: "الله وكيلكم كاعدة ببيت بالتجاوز بس تجيسه (تلمسه) يطيح.. يعني وين نروح؟!.. طلعت وية هاي الناس".

فيما لو كانت هنالك مؤامرة يخطط لها خلف كواليس مسرح استعراضات الساسة قُبيل انتخابات مجالس المحافظات؛ فإنني أقطع أن هذه المتظاهرة المتهالكة على "شعار الإصلاح" والساعية إلى سد رمقها ومن تعيل، أقطع أنها خارج هذه المؤامرة، وحتى لو كان المتآمرون يراهنون على حاجة هذه المرأة إلى جانب كثيرات على شاكلتها، فإنه لا ذنب لها أن تدخل ضمن دائرة الصراع ونتائجه المخيبة.

لأجل هذه ومثيلاتها ينبغي أن نتأمل المشهد الأسبوعي الذي يرسم ملامحه رجل الدين الشاب مقتدى الصدر، ونحمل الكثير من المطالبين معه بـ "الإصلاح" على محمل حسن، ليس لأجل مشروع الصدر السياسي، وإنما لكي لا نشارك في ظلم أحد من أولئك الذين رماهم القهر وسط أمواج المتهالكين على الغنائم!.

لكن كيف يكون ذلك؟

في الأسبوع الأول، وتحديداً في الـ 11فبراير/شباط الجاري، طالب الصدر أتباعه بأن يكونوا على أبواب الخضراء المحصنة، وكان يعلم جيداً أنه ليس من السهل السيطرة على ما سيفرضه الموقف على أتباعه الذين وكما يبدو لنا أن غالبيتهم من الشباب المتحمس والمندفع، وعلى استعداد لمواجهة أي عناد أو رفض يصادفهم، وهذا ما يجعلنا نعتقد أن الصدر لم يفته أبداً أن يفكر في أن المشهد قد يتحول في أي لحظة من مشهد سلمي إلى "أكشن" بعد أن يتجه نحو العنف، وقد يكون وراء ذلك رسالة مفادها: "إننا قادرون على إشعال النار وإخمادها متى ما شئنا"، فكانت حصيلة "سلمية السبت" سقوط قتلى وجرحى.

أما ما حدث يوم الجمعة، والرد "الصامت" الذي اختاره اتباع الصدر بطلب منه، فهو الآخر لا يخلو من كونه رسالة أخرى تحمل في طياتها دعوات لمن كانت لديه رغبة بأن يجلس ويحاور الرجل حواراً مفتوحاً مشروطاً بقبول "تغيير مفوضية الانتخابات" وأشياء أخرى.

في المقابل، هناك شبه إجماع لدى جميع الكتل والأحزاب النافذة في العراق على أن "طاقم" المفوضية الحالي يجب أن يتغير، واختيار بديل مستقل خارج دائرة المحاصصة التي يتظاهر الجميع بأنها خارج حساباتهم.. ماذا ينتظرون إذاً؟ مع ما تظهرون لنا من حرص على إصلاح ما أفسدته الحكومات السابقة، لماذا لا تحتكمون إلى حوار بنّاء للخروج بحل ننتشل به ما تبقى منّا.

المشهد الحالي يفرض علينا وبوضوح أن الصدر بهذه الشعبية الواسعة بلا منازع يجب أن يكون في حسابات جميع القادة السياسيين والفاعلين في صنع القرار، خصوصاً وأن غالبيتهم صرحوا بعد أحداث السبت ومقتل عدد من المتظاهرين ورجال الأمن في العاصمة بغداد بضرورة تغيير المفوضية، وهو ما سيبرر لهم التقرب نحو الصدريين ولو بخطوات خجولة والتحاور معهم ومعرفة رؤاهم التي بالتأكيد هي جزء من أفكار قد تسهم في إصلاح المنظومة السياسية التي تحكم العراق.

مقتدى الصدر محرك ماهر لعواطف أنصاره، وهذا وحده سبب كافٍ لأن نقترب منه ولو قليلاً ونفهم ما يريده بوضوح بمعزل عن مطالب الماضي التي لم تكن واضحة كما اليوم. لسان حال الرجل يقول لنا: "تعالوا وكونوا معنا لأننا الأقوى في تمثيل طبقة واسعة من أبناء الشعب العراقي"، وهذا هو روح ما تتناوله بياناته، فهو والنخب التابعة له يختصرون الشعب العراقي في حشود المتظاهرين الذين ينظمون تظاهراتهم أسبوعياً أو في فترات متفاوتة.

والحق أن جعل هذا الأمر بعين الاعتبار من قبل القادة الفاعلين في العملية السياسية أمر ضروري لعبور المرحلة ومحاصرة الأزمات، إن كانوا كما يدعون بأنهم يحملون مشروعاً وطنياً قوامه دولة تضمن كرامة المواطن العراقي.

إن العقل يفرض علينا أن نقترب من مشروع التيار الصدري ومناقشته بهدوء وتشذيب ما يمكن تشذيبه عبر الحوار وتبادل الرؤى، ليس لأجل عنوان الصدر الذي يعتبره كثيرون مصدراً للقلق، وإنما من أجل المعدومين الذين أجبروا على أن يكونوا وسط هذه الدوامة التي نجهل وقت انتهائها.. من أجل تلك المرأة التي قد يتهاوى عليها بيتها الطيني في "التجاوز" يوماً ما.

ختاماً، الصدر –بقصد أو غيره- يبحث عمن يقرأ رسائله ويحتوي أتباعه، واستثمارهم في ترميم ما يمكن ترميمه من هذا الواقع المشوّه.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق