تشترك مراكز الابحاث في عملية صنع القرار السياسي في اغلب دول العالم، وعلى الاخص المتقدمة منها، حيث تتولى تلك المراكز البحث في القضايا الاستراتيجية المهمة وتشخيص اسبابها وآليات معالجتها، ومن ثم رفع النتائج على شكل توصيات الى صانع القرار السياسي كي يعتمد الخيار الاقرب الى قناعاته والاكثر انسجاما مع ظروف البلد الداخلية والاقليمية والدولية، ويعود لمراكز الابحاث العالمية الفضل في وضع الكثير من النظريات السياسية التي تسير عليها الدول الكبرى، على الاخص الولايات المتحدة الامريكية مثل الفوضى الخلاقة، ومشروع الشرق الاوسط الكبير، وغيرها.

اما في العراق فان العلاقة ما بين مراكز الابحاث وصناع القرار السياسي هي شبه مقطوعة، حيث ان صانع القرار السياسي العراقي بعد عام 2003 بات يستمد خياراته السياسية من خلال التيار السياسي الذي ينتمي اليه، وقد يلجأ البعض منهم الى المسلمات الدينية والتاريخية، لذلك تكون اغلب القرارات عاجزة عن حل المشاكل التي تواجه البلد، وتقف خلف هذه العلاقة شبه المقطوعة ما بين مراكز الابحاث وصانع القرار السياسي في العراق جملة من الاسباب، لعل من اهمها:

1 – وجود شحة في المراكز البحثية الرصينة التي يفترض بانها تمتاز بالحيادية والتجرد العلمي والأكاديمي.

2 – قلة المراكز البحثية المتخصصة ببحث القضايا المهمة، فأغلب المراكز الموجودة تنتج بحوث ودراسات حول قضايا اشبعت بحثا ودراسة او هي بعيدة عن اهتمامات صانع القرار والقضايا الاستراتيجية الكبرى.

3 – عدم وجود دعم مادي او معنوي من قبل الدولة لمثل هذه المراكز، لذلك قد يضطر البعض منها للاعتماد على الدعم غير الحكومي الذي في الاغلب الاعم يكون الغرض منه كسر حيادية المركز لصالح الجهات الداعمة.

4 – الظروف غير المستقرة التي تعيشها البلاد تحد كثيرا من حرية المراكز البحثية وتدفعها لتجنب تناول بعض القضايا حرصا على سلامة العاملين فيها.

5 – احيانا يعتمد صانع القرار على اجتهاداته الشخصية او الأشخاص المحيطين به في اتخاذه للقرارات دون ان يوسع دائرة المستشارين لتصل الى حد اخذ رأي مراكز الابحاث في القرارات التي يهم باتخاذها.

ولتقوية العلاقة ما بين صانع القرار العراقي ومراكز الابحاث العلمية، ينبغي اللجوء الى الاليات الاتية:

1 – ابعاد مراكز الابحاث عن الصراعات السياسية وعدم تسيسها وتوفير الاجواء الحيادية اللازمة للعمل الأكاديمي المجرد.

2 – اشراك مراكز الابحاث ليس في اتخاذ القرارات السياسية فحسب، بل في المجال السياسي بشكل عام، مثل دراسات الجدوى السياسية (اي مدى فائدة بعض المشاريع السياسية المطروحة) والمساهمة في وضع البرامج السياسية للأحزاب، وغيرها من المسائل التي ربما انها تساعد في تحسين اداء الساسة العراقيين.

3 – تزويد مراكز الابحاث العراقية بكل ما تحتاجه من بيانات ومعلومات عن كل مؤسسات الدولة بما يساعدها على انجاز الابحاث العلمية الدقيقة التي تكون واقعية ومفيدة بالنسبة لصانع القرار السياسي.

* باحث في مركز الدراسات الاستراتيجية/قسم ادارة الازمات–جامعة كربلاء

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق