لأننا في عصر حديث تنبثق فيه المواقف والرؤى والسلوك على ضوء معرفة مخطط معرفي مسبق، لأنه عصر كان قد انبثق عن معرفة وتصورات حديثة في الفكر الانساني، فقد صارت كل بناءات الانسان في هذا العصر قائمة على أسس فكرية وأيديولوجية طرحت مفاهيمها واستساغت عباراتها مقولات عصرية وحديثة، وصارت تلك المفاهيم تجسير في العلاقة بين الانسان والعالم من حوله، ودخلت تلك المفاهيم مختلف مجالات السياسة والاجتماع والثقافة، وأحياناً دخلت في مجالات كان من غير المتوقع دخولها مثل مجالات الدين والعبادات، بل ان استساغتها صارت ممكنة حتى في مثل هذه المجالات بعد أن كانت التوقعات تشير الى رفضها ونبذها.

لنأخذ مثلاً مفاهيم الحرية والمساواة والديمقراطية وحقوق الانسان والعدالة الاجتماعية والدولة العادلة ودولة الحق ودولة القانون، وكلها تصب في المعنى المستقصى في دولة المواطنة، وتنضاف اليها مفاهيم السيادة وحق تقرير المصير ومفهوم الهوية الذي تعرض الى ضغط شديد تحت تأثير تحولات الحداثة والفكر البشري الحديث.

انها مفاهيم استطاعت ان تشكل بوتقة تصورات الانسان الحديث وتتحكم في رؤيته وتفسيره لكل مشاهد الحدث والوقائع المعاصرة، وتحولت الى آليات وأدوات مستخدمة في طريقة التفكير الحديث، فصارت منتجة ومكونة لأفكار وتصورات امتلكت القوة الذاتية في الدفع بها نحو القوة الموضوعية، وأعني موضوعية الطرح العلمي الذي تمارسه كمحاججة كبرى في هذا العصر (فقد تبنى علم الاجتماع الحديث مفاهيم الدولة والهوية والديمقراطية والحرية) باتجاه بناء الانسان الحديث بناءً يمر عبر بناء الدولة والمجتمع بآن واحد، واذا كانت بعض هذه المفاهيم قد أثارت حفيظتنا الاجتماعية والثقافية التقليدية فإنها إثارة عابرة وغير واقعية بقدر ماهي إثارة توظيفية مارستها قوى وقيم تنتمي الى مصالح طبقات وفئات معينة.

وبذلك فأننا كمجتمعات تدخل أول مرة حيز الدولة الحديثة بعد ان صنعت جماهير هذه المجتمعات نظامها السياسي وأنتجت هيئات تمثلها في صياغة دستورها، أو في طريقها الى صياغة دساتيرها الثابتة، ومحاولة ترسيخ الفصل بين السلطات الثلاث كأهم تعبير عن الدولة الحديثة دولة القانون، فان مجتمعاتنا بحاجة قصوى الى الوعي بتلك المفاهيم المؤسِسة للدولة الحديثة، وهي مفاهيم الدولة والمواطنة والدستور والقانون والفصل بين السلطات والخضوع الى سلطة عليا هي سلطة القضاء التي اكتسبت علويتها من علوية الدستور المكتسبة من علوية السلطة المؤسِسة له وهي سلطة الشعب المجردة والتي تتجلى أو تتجسد في الدولة (كمؤسَسَة معينة) من هنا فإن الدولة بحاجة الى ان تنجرح في الوعي الشعبي بأنها دولة الكل، دولة الحق، دولة مؤسَسَة وفق اعتبارات مصالح الكل، فهي مشترك مكاني، ومشترك اجتماعي، ومشترك مصالحي، ومشترك مصيري، مما يتوجب على الفرد أن يتنازل في لحظة اصطدامه (اصطدام موقف - اصطدام مصلحة) بالدولة لصالح الدولة.

أعني هنا الدولة كمؤسَسَة وليس افراد او جهات تمارس السلطة باسم الدولة، فأنها قد تنحرف في تناول السلطة كمؤسسة الى سلطة كامتياز، وحينها تخرج عن معيار الدولة الحديثة مما يجعل موقف هؤلاء الأفراد أو الجهات على الضد من الدولة بل وتصطدم بالدولة كمفهوم حديث. وأما تنازل الجماعات المختلفة لصالح الدولة كمؤسَسَة معينة فهو يجب ان يكون تنازل متبادل بين هذه الجماعات على مستوى المشتركين المكاني والمصلحي، فالدولة الحديثة وعلى الضد من الدولة القديمة لا تقوم الا بالتنازل الذاتي -فكرة العقد الاجتماعي– لصالح الدولة الموضوعي أو موضوعية الدولة في الأداء والتطبيق، بينما تقوم الدولة القديمة بالقوة موضوعاً مفروضاً على الذات الفردية والجماعية من أجل فرض تنازلات الأفراد والجماعات، وهو يؤشر الدور الذي يمكن أن يتصدى به المجتمع او يقوم به في تحمل مسؤوليته التضامنية تجاه الدولة.

ولنا في العراق مثال شاهد يقتضي مثل هذا الدور وتضامنية الفعل الوطني الذي يجب ان تمارسه جماعات العراق الدينية والعرقية والأثنية والتي تهيء مثل تلك التنازلات استعدادات وضمانات في قبول الدولة في الوعي الجماعي بأنها دولة مواطنة باعتبارها بديلاً عن تلك الولاءات التي أخذت تصطدم بقوة بالدولة الحديثة التي صاغها دستور 2005م ومن ثم تعمل على ازاحتها لصالح الدولة. وهو خيار يعبر عن مشترك مصيري في العراق كدولة ومجتمع ينضوي في هذه الدولة وليس مجرد اختيار تتحكم به أو تختاره هذه الجماعات، وهكذا ينجرح مفهوم الدولة في الوعي الاجتماعي والشعبي لدى هذه الجماعات، وهنا تتخذ الدولة مفهوم أو نموذج آلية قانونية في فض الاشتباك الايديولوجي حول حقوق ومصالح هذه الجماعات.

وهي استجابة تحتاج الى ترويض الذات الجماعية على قبول مفهوم الدولة واستساغته كمرجع في تنظيم العلاقات بالجماعات الأخرى والأفراد الآخرين – المواطنين في ظل دستور أقر وشرع عراق متعدد الأعراق والهويات، لكن هذه العملية بحاجة الى وعي بمفهوم الدستور وهويته، فالدستور له معنين الأول وفق وير wheare مؤسسة سياسية أساسية للدولة، والثاني أنه وثيقة مكتوبة تعرف المؤسسات السياسية الأساسية في الدولة وحقوق المواطنين.

رغم أن هناك عدداً من الدول ذات التقليد الدستوري المنجز لا يتمتع فيها الدستور بالمعنى الثاني مثل بريطانيا. اما وظائف الدستور فإن ما يقوم به الدستور من دور رمزي وتشريعي هو في تأكيد شرعية النظام السياسي وصدقية الديمقراطية فيه وفي وظيفة ثانية فهو يكفل حماية المؤسسات السياسية الأساسية التي حددها الدستور وصاغها بينما وظيفته الثالثة هي حماية الحقوق الأساسية للمواطنين –راجع علم السياسة الأسس، ستيفن دي نانس، ترجمة رشا جمال، ص298– وهي وظيفة عملية ومهمة في دمج الموطن – الفرد بالدولة دمجاً ينفي حالة الاغتراب المتبادلة بين مواطننا ودولتنا بعد أن تكون لدى مواطننا قناعة أولية عن وظيفة الدستور ودوره في صيانة حقوقه وحياته من خلال القوانين التي تشرعها وتنفذها هيئات دستورية تتقاسم التشريع والتنفيذ والمحاسبة بصفتها سلطات ثلاث تخضع الى مفهوم الفصل بين السلطات وهذه الهيئات الدستورية هي السلطة التشريعية، والسلطة التنفيذية، السلطة القضائية – وتلك القناعة بالدستور المتكونة في وعي المواطن السياسي والقانوني تتطور مع مرور الزمن الى قناعة نفسية تستقر في الوجدان الشعبي والجماهيري ويتكون على اساسها اندماج ماهوي بين المواطن او المجتمع بصورة عامة والدولة ينتج عنه الوجود الواقعي للدولة.

فالوعي بالدولة يسبق وجود الدولة في صيغة الدولة الحديثة، لقد جاءت هذه الدولة على أثر تحولات الوعي البشري التي شهدها عصر التنوير والحداثة وعلى ضوء حقيقة معاصرة ان كل الأشياء في العصر الحديث تنبثق عن المعرفة والوعي. فالدولة وجود ينمو بنمو الوعي ويتطور بتطور المعرفة العلمية والإدارية والتقنية وهو ما يدعونا الى تطوير وعينا بالدولة تطويراً ينبثق عن ضرورة الدولة الحديثة في حياتنا وعن ضرورة الدستور في صياغة الشخصية المجردة والاعتبارية للدولة الحديثة.

أنه خيار وجودي بالنسبة لدولة مثل دولتنا العراق، فالعراق غادر نظام وعقيدة الدولة القديمة دولة القمع والاستبداد والدكتاتورية، دولة اللاقانون وغياب واقعي للدستور ولا يمكنه العودة الى مثل هذه الدولة فأنها أكثر من دولة، وهم وتصور خاطئ وفي حالة تنكبه او تراجعه عن المضي في بناء دولته الحديثة دولة الدستور دولة القانون دولة المواطنة وحكومة القانون وليس حكومة الأفراد والجهات والجماعات فإن مصيره هو مصير ينذر بكارثة ابدية في تاريخه المعاصر، وسيدخل دولة ومجتمعاً في أتون الغياب الاجتماعي والتاريخي والغاء الهوية العراقية بالمطلق، من هنا فإن الوعي بالمصير أو المشترك المصيري بالنسبة لجماعات وأعراق واثنيات العراق يشكل عامل دفع باتجاه إعادة النظر الاجتماعية والسياسية في التصورات التي تتقاسمها هذه الجماعات حول حصصها واستحقاقاتها المدعاة في العراق على طريقة الغنم التاريخي والاقتصادي او الغنم السياسي في ظل تحولات العراق المعاصرة نحو نظام لا مركزي فدرالي اتحادي تعددي.

ان مفهوم الغنم هذا ذو صلة جوهرية بمفهوم الجماعة في ضيق افقه بالعلاقة بالدولة، لذلك ان لم ينكسر مفهوم الجماعة في اعادة نظر مهمة تمارسها الجماعة لصالح مفهوم المواطنة فإن هاجس الغنم في الجماعة يبقى يتربص بالدولة ويتحين فرص سقوطها. فمفهوم الغنيمة او الغنم في ظل الأزمات هو مفهوم وسلوك ينخرط في أزمنة ما قبل الدولة الحديثة، بل أزمنة ما قبل مفهوم الدولة، وهو اجترار لسلوك قبلي عشائري نجد تكراره واستحواذه على سلوك سياسي شائن وازدواجي فيما يعرف بالمحاصصة الطائفية والسياسية المتطفلة على العملية السياسية الجارية في العراق ومنذ العام 2003م، وهي ما تشكل أكبر وأقوى المعرقلات الذاتية في هيئتنا الاجتماعية العامة وأعني بها المجتمع في إقامة دولة المواطنة التي نجد انطماسها وارتكاسها في مفهوم الجماعة ذو البعد السياسي وليس في بعده الديني او الأثني او العرقي، وهي تشكل موروثا نفسيا واجتماعيا سلبيا يتسم باللاثقة بالدولة، دولة القمع والإستبداد ودولة اللاقانون او دولة الدستور المؤقت وتسمية دولة هنا ليس فقط مسمى مجازي ولكنه مسمى جزافي.

لأنها محكومة بنظام سياسي بائس فاقد لكل هوية اجتماعية او تاريخية، بل وحتى سياسية بعد أن فقد حقه الدستوري في تمثيل الهيأة الاجتماعية – المجتمع – والهيأة السياسية – الدولة – انه صورة من صور الاغتراب المتبادل بين الدولة والجماعة في العراق وهو ما يؤكد ضرورة التخلص من أخلاقيات وسلوكيات الغنم او مفهوم الغنيمة كموروث سلبي في ذاتنا الاجتماعية والناتج عن اللاثقة هذه، ويهدد المواطن مفهوماً ومبدأ ودولة. وباتجاه توكيد ضرورة وقناعة المشترك الاجتماعي كإحدى صيغ او تطورات مفهوم الدولة او الدولة الحديثة في العراق.

فالمشترك الاجتماعي في صياغة مفهوم الدولة في العراق هو قناعة فكرية تحملها رؤى وتصورات ايديولوجية حول الأرض والوطن وامتداد في التاريخ يغذي دائماً اللحمة النسيجية المجتمعية في العراق. وإمكانية تحقيق هذا المشترك او الحس الوجداني عبر الأيديولوجية الوطنية، ويبقى الدستور هو الممر الآمن في صياغة هذا المشترك الاجتماعي ويضمن العلاقات في هذا المشترك كأسس قانونية في تحقيقه وانجازه واقعاً سياسياً – اجتماعياً يكفل عملية التلاقي والانسجام والتعبير عن مشترك أخر هو المشترك المكاني، لكن المكان الذي يعد شرطاً قانونياً وسياسياً في تعريف الدولة يبقى فاقد الأهمية والفاعلية ان لم يتشارك الشعور الاجتماعي والشعبي لعموم المواطنين في تبنيه احساساً داخلياً ويقيناً ذاتياً بالانتماء.

واذا كان هذا هو ما تصنعه جدلية العلاقة بالمكان، فإن ما تصنعه الدولة هو تنظيم الحقوق –حقوق الأفراد والجماعات– في هذا المكان ومنح الامتياز الذي يقوم مقام الحق هنا في السكن والملكية والتجنس والتنقل بعد أن تكون الحرية والمساواة قاعدة تلك الامتيازات في تنظيم الحقوق في المكان، وبهذا يكتمل مسار الدولة في المشترك المكاني، وهو ما يؤسس لدولة المواطنين التي هي تطور عن مفهوم الدولة في تعريفها بالمكان الى تعريفها بالمشترك المكاني المتساوي بين المواطنين وهو ما يفرض حقوقاً متساوية وواجبات متساوية بأزاء ذلك، فدولة المواطنة هي دولة الحقوق والواجبات وبما إنها حقوق وواجبات متساوية فإنها دولة مشترك متساوٍ بين المواطنين.

* باحث في مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002 – 2017 Ⓒ
http://shrsc.com

اضف تعليق