انتهت فترة الضجيج الاعلامي التي رافقت الحملة الانتخابية للرئاسة الامريكية، وسلم الجميع بالنتائج التي مكنت السيد ترامب من ان يصبح رئيسا للدولة الاعظم في العالم، وهي الولايات المتحدة الامريكية. حتى اولئك المعترضون والمتهكمون على شخصية الرئيس الجديد قد لزموا الصمت وبدأوا يتعاملون مع الموضوع بواقعية، بعد ان ذهبت تكهناتهم بفوز كلنتون ادراج الرياح.

اما عن مبدأ ترامب، فبالرغم من عدم وضوحه الا اننا من الممكن ان نرصده من خلال تصريحاته وكلماته التي باح بها اثناء حملته الانتخابية، والتي اوضح من خلالها بانه غاضب من سياسات سلفه اوباما، التي ارسلت رسالة سيئة للعالم وعلى الاخص حلفاء امريكا، الذين فسروها على انها علامة من علامات ضعف الولايات المتحدة الامريكية وأنها اشارة ضمنية على تخلي الولايات المتحدة عن حلفائها.

ان اية قراءة لمبادئ الرؤساء الامريكيين ستعطينا نتيجة تشير الى ان سياسة اوباما هي مشابهة بقدر كبير لسياسة كارتر، اذ كان الاخير يدعو لحماية الحلفاء والوقوف الى جانبهم، ولكن دون الذهاب بعيدا في هذا الاتجاه او بالأحرى دون تطبيقه، اما مبدأ ترامب فهو شبيه بمبدأ بوش الاب الذي وضع مبدأ كارتر موضع التطبيق، حيث ان بوش اخذ المبدأ بشكل جاد عندما قاد جيوش العالم من اجل انهاء الوجود العسكري العراقي في الكويت عام 1991، وافهم حلفاءه في الخليج العربي واسرائيل من ان الولايات المتحدة قريبة منهم ولن تتخلى عنهم.

إذا صح التشبيه اعلاه، فان الرئيس ترامب سوف يقود الولايات المتحدة للاقتراب أكثر من حلفائها التقليديين، كدول الخليج واسرائيل، وكذلك حلفاء امريكا الجدد، مثل العراق وما يسمى بقوى المعارضة المسلحة والتي تنتشر على الاخص في سوريا. وعلى هذا الاساس فهناك احتمال كبير ان تتجه حيثيات المشهد في سوريا نحو الحسم السريع، وكذلك الحال مع العراق فمن الممكن ان تحل الكثير من قضايا هذا البلد بفعل الحضور الامريكي القوي في المنطقة ابان ولايات ترامب.

هنا ينبغي على صانع القرار العراقي ان يفهم الفلسفة التي ينطلق منها الرئيس الامريكي الجديد وان يستغله لتحقيق مصالح البلاد، ويشجعه على التدخل الايجابي لحل مشاكل العراق التي تفاقمت في حقبة الرئيس اوباما صاحب السياسة الخجولة والتي تمشي على استحياء طيلة ثمان سنين مضت. اما عن الالية او الكيفية التي من الممكن ان يتبعها صانع القرار في العراق للتعامل مع سياسة الرئيس الامريكي الجديد، فمن الممكن تركيزها في نقطتين رئيسيتين، هما:

اولا – افهام الرئيس الامريكي من ان العراق شريك قوي للولايات المتحدة الامريكية، وان تحالفاته التي عقدها مع بعض الدول التي لا ترتبط مع الولايات المتحدة بعلاقات ودية، انما جاءت بسبب الظروف التي مرت بها البلاد.

ثانيا – تطمين الولايات المتحدة الامريكية من ان مصالحها النفطية محفوظة في العراق، وان الحصة الاكبر من الاستثمارات ستكون للشركات النفطية الامريكية، على الاخص بعد ان صرح ترامب بان امريكا لن تتخلى عن نفط العراق.

وبعد ان يتمكن صانع القرار في العراق من كسب الرئاسة الامريكية الى جانب بلاده، من الممكن ان تستجيب الولايات المتحدة للمطالب العراقية وتتفهمها، وهي ان العراق بحاجة الى الاتي:

1 – الدعم العسكري، من خلال التسليح والمعلومات الاستخبارية، ومن خلال الضغط على دول الجوار وعلى الاخص الخليجية منها بغية منعها من التدخل السلبي في البلاد.

2 – الدعم الاقتصادي، من خلال مساعدة العراق في تمويل حربه ضد الارهاب، واعادة اعمار المناطق المحررة.

3 – دعم الوحدة الوطنية، عبر الضغط على القوى التي تحمل مشاريع غير وطنية وكبح جماحها، فالكثير من الساسة الذين ينادون بالهويات العراقية الفرعية يستندون الى الدعم الامريكي لطروحاتهم، ولكن إذا تمكن صانع القرار العراقي الاتحادي من سحب الدعم الامريكي لهم فهم سوف سيتراجعون وربما ينخرطون في النسق الوطني العام.

اذن، كلما كان صانع القرار في العراق أكثر تفهما للفلسفة التي ينطلق منها الرئيس الامريكي الجديد، كلما كان أكثر مقدرة على تسخيرها لتحقيق المصالح العليا للبلاد.

* باحث في مركز الدراسات الاستراتيجية/جامعة كربلاء

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق