ان السبب الجدلي لاختلال الحكم في العراق هو اعمق بكثير من ان يتم ربطه بتنظيم داعش، فالقضية معقدة تتعلق اساسا بطبيعة الحكم المركزي وهذه ليست وليدة اليوم او الامس، والطائفية هي ذات منشأ عثماني قبل ان تصبح برنامج بريطاني فيما بعد، فاعتمد العراق منذ تأسيسه كدولة مصطنعة من قبل الاحتلال البريطاني على تأسيس هذه الدولة من خلال الدمج العشوائي للمكونات وبقى العراق غارقا بالطائفية، والسبب الاساسي في غرقه بالطائفية هو ان جميع الحكام العراقيين ليس لديهم البصيرة في عراق شامل ومتعدد الطوائف والاعراق بعيدا عن المحددات الضيقة للعروبة السنية والاسلام الشيعي والقومية الكردية.

لم يسع أي من الحكام العراقيون بجدية الى بناء الهوية العراقية المركبة من الهويات العراقية والطائفية والقبلية ولم تستطيع هذه القيادات ان تشكل هوية وطنية افقية جامعة للتاريخ والمستقبل المشترك بعد (2003)، ومجيئ قوة الاحتلال الامريكي لم تطرح بنية سياسية لعراق متعدد ولم تأخذ الهوية العراقية المركبة شكلها المطلوب ابدا ولم تطبق آلية سليمة لتشكيل السلطة السياسية عبر المناطق وفروع الحكومة وهو موجود في الدستور ولم ينفذ وهذه هي احدى البدائل التي تطرح في هذا الجانب.

المشكلة الاخرى وبعد تفكيك حكم سنة حزب البعث بعد (2003) اعقاب الغزو الامريكي، اعتبر الشيعة وهم غالبية السكان أنفسهم اصحاب مطالب مشروعة لتسلم السلطة السياسية، اما السنة لم يتقبلوا لحد الان الى اتفاق مع حكومة يقودها الشيعة ولهذا يدرك السنة في ضوء تصاعد خسارتهم لوضعهم السياسي الحالي ان فكرة الاستقلال سواء كان فيدرالي او كونفيدرالي او دولة سنية هو امر مغري جدا.

وللأسباب التالية وهذه الاسباب هي مقدمات لاختلال الحكم او سقوط هذه المحافظات بيد داعش:

اولا: اجتثاث البعث حيث يرى السكان السنة في العراق انهم الخاسر الاكبر من غزو العراق خاصة بعد استبعاد القيادات الرفيعة من حزب البعث عن الحكومة وعن الاجهزة الامنية ومحاكمتهم على الجرائم التي ارتكبوها في عهد (صدام حسين)، واعتقد برايمر ان كل تأثيرات حزب البعث بحاجة الى تطهير مما ادى الى اقصاء (300) الف من افراد الطائفة السنية المنتمين الى القوات المسلحة وايضا حوالي (30) الف موظف حكومي واداري من نظام الخدمة المدنية، طبعا بسبب نظام المحسوبية المتبع ايام النظام السابق فكان الانتماء للبعث هو الخيار الانجع للناس حتى يحققوا قرب من السلطة ورفاهية اقتصادية، والامر محصور في الموصل وصلاح الدين وتكريت والانبار والرمادي والفلوجة وكركوك بالإضافة الى جزء من ديالى، هذه المناطق تقربت من حزب البعث وكانت هناك دعوات ما بعد (2003) لتخفيف سياسات اجتثاث البعث وهي اصبحت عنصرا واضحا لحركات الاحتجاج السنية وجعل التنظيمات البعثية الجديدة مثل جيش انصار الطريقة النقشبندية وانصار السنة وتنظيم داعش تحشد للحركات الاحتجاجية السنية منذ عام (2013) الى التمرد الذي ادى الى سقوط المحافظات السنية.

ثانيا: النقص في التمثيل السياسي والسياسة الطائفية، بسبب النظام السياسي حيث ينظرون اليهم على انه معاديا لهم، كما ان وجود عدد قليل من السياسيين السنة في الحكومة كجزء من نظام المحاصصة وعدم وجود قاعدة دعم حقيقية فعالة كلها ادت الى الشعور السائد لدى السنة انه لا يمكن الاعتماد على الحكومة الشيعية في بغداد وتواصل تأجيج التمرد السني وقد ادت الصراعات السنية بعد (2011) تحديدا ومنها الاعتقالات ومذكرات القبض وتطبيق قانون اربعة ارهاب على قادة السنة فسرت على انها لأغراض سياسية ادت الى تصاعد الاستياء بسرعة في مناطقهم مما ادى الى سلسلة من الاحتجاجات والانهيارات الامنية التي استغلها داعش.

ثالثا: ملف الصحوات وهو احد عناصر السخط والاستياء بين السكان السنة اذ ان عشائر السنة في الانبار وحزام بغداد ومناطق اخرى والذين شاركوا حقيقة في محاربة تنظيم القاعدة في عامي (2007) و(2008) كانوا قد وعدوا بأن يتم دمجهم في درجات رفيعة في الجيش العراقي او يتم اعطائهم وظائف حكومية راقية، غير ان كل ذلك لم يتحقق بشكل واضح ولهذا فان حركات الاحتجاج التي بدأت في مدينة الرمادي عام (2013) دعما من العشائر المحلية بسبب المظالم الموجودة على هذا الملف ولذلك انضم الكثير من العشائر الى المسلحين البعثيين وتنظيم داعش.

رابعا: عدم وجود دعم حكومي للعشائر السنية في محاربة داعش وهذا الامر قد يؤخر او يعقد عملية تحرير الموصل وما بعدها وعلى الرغم من ان بعض العشائر السنية قد دعمت تنظيم داعش اثناء الهجوم عام (2014) وقتالهم ضد الحكومة العراقية الا ان ذلك لا يشمل كل القبائل العراقية فهناك من ساند ووقف مع الحكومة ضد داعش الا ان تلك الجماعات كانت تعاني من نقص في المعدات والدعم اللوجستي من قبل الحكومة وان الموقف الرسمي له تجربة سابقة في كون تلك التجهيزات التسليحية ربما تذهب للتنظيمات والجماعات المسلحة وتفضل الحكومة العراقية الآن الاستعانة بالحشد الشعبي لتحرير الارض من داعش، ولكن يشعر البعض ان وجود قوة شيعية مقاتلة على الاراضي ذات الغالبية السنية سيزيد من مخاطر التدهور الطائفي في العراق واستعداء العشائر السنية التي بقيت الى جانب الحكومة وهذا الموضوع له تداخلات اقليمية ايضا ودولية قد تطيل امد الحرب ضد داعش لأشهر طويلة.

خلاصة هذه الاسباب المثيرة للطائفية تتجسد بالسياسات الاقصائية لمكونات اساسية في المجتمع العراقي بناءا على مزاج طائفي شكل اهم المعضلات المميتة في بنية الدولة العراقية وأضر بسمعة الدولة ومكانتها.

اما بالنسبة لأليات العمل والبدائل المطروحة لمواجهة ما بعد التحرير فهي تتركز بثلاثة اليات:

اولا: الاليات الثقافية التي تتعلق بإعداد خطط تربوية وثقافية لتأطير السلوك العام للأفراد وهنا نود ذكر المؤسسات التعليمية والثقافية والاعلامية الحكومية والاهلية واشاعة المفاهيم الثقافية، وواقعا نواجه هنا مشكلة وهي غياب الرؤيا الواضحة لمرحلة مابعد داعش من اجل تعزيز العيش المشترك للتخلص من ثقافة الماضي، هل تم مراجعة المناهج لهذا الغرض بل على العكس من ذلك فالكثير من المؤسسات تعمل على اذكاء سموم الفرقة والانقسام.

ثانيا: الاليات السياسية وهي اربعة اليات:

1- اعادة رسم العلاقة بين السلطة والمجتمع أي توزيع السلطة والصلاحيات وفق الدستور العراقي لتجاوز اثار السلطوية والمركزية فهناك النظام الفدرالي وهو مرتبط بالآلية الثقافية.

2- التنمية الموازية، وهنا اعتقد ان الحرمان الاقتصادية لهذه المناطق هو من اهم محرضات التمرد فقطاعات واسعة من هذه المناطق عانت بشكل كبير وعلى النخب الجديدة لابد من اطلاق مشروع تنموي شامل لدمج الفئات المحرومة في المجتمع.

3- حماية حقوق الانسان.

4- المصالحة الوطنية والعدالة فلابد من خلق ثقافة المساءلة مكان ثقافة الافلات من العقاب لان ذلك يرسخ ثقافة الاحساس بالأمان لدى المجتمع ويشجع على ثقافة الاعتراف بالخطيئة لدى المذنب ويرسخ ايضا ثقافة اللجوء الى القانون.

ثالثا: الآليات القانونية فبدل الاكتفاء بتشريع القوانين ذات الطابع التجريمي والمنع والردع علينا تشريع قوانين مشجعة على دمج المكونات والفئات الاجتماعية على تنوعها الاثني والمذهبي والابعاد القانونية والتشريعية في هذا المجال غير كافية ولابد ان ننتبه الى قضية مهمة في الفعل السياسي العراقي خاصة في بعده القانوني والتشريعي، وهي نحن عندما نشرع قوانين فأما لا تطبق او تطبق بأبشع صورة.

ختاما ان النخب السياسية العراقية خلال السنوات الاخيرة تشدقت بالديمقراطية التوافقية وتقاسم السلطة التي تحولت من غول قبل (2003) الى غنيمة بعد ذلك التاريخ مما كرس الانقسام والاحتراب ولهذا لابد من تقاسم السلطة عبر التوافق بعد ان تتم توأمة الشراكة مباشرة في النسيج الدستوري للهيكل السياسي ويمكن لحكومة قوية تعمل جنبا الى جنب مع اقليم كردستان والادارات الاقليمية يمكن ان تحدث تغيرا هائلا من اجل عراق جديد متنوع.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية
http://mcsr.net

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق