قبل كل شيء، فان ايماننا العميق بالديمقراطية وفوقية وقدسية الاحتكام الى صناديق الاقتراع كوسيلة اكثر تمثيلا للخيارات الشعبية، اضافة الى تعفف العراقيين التقليدي من الخوض في شؤون الاخرين الداخلية، وتجربتنا الطويلة الحارقة مع الانقلابات العسكرية، هو الذي يجعلنا نرفض منطق الانقلابات والاحتكام الى القوات المسلحة في عملية الاستيلاء على السلطة او كوسيلة ضاغطة في حسم التقاطعات السياسية وفرض سياسة القوة والاكراه خارج السياقات الشرعية او الديمقراطية، وهذا ما قد يحدد موقفنا من الانقلاب العسكري"المفترض" الذي قادته وحدات من الجيش التركي ضد حكم حزب العدالة والتنمية..

ولكن هذا الرفض المسبق لفكرة الانقلابات العسكرية قد لا تكون كافية للتغطية على العديد من علامات الاستفهام التي رافقت سير الاحداث والتي تثير بعض الظن -ان لم يكن الريبة- تجاه بعض الفصول التي شهدها العرض الكبير الذي اتخذ من جسر البسفور مسرحا له والذي قد لا يكون متطابقا مع السيناريو الذي نقله الينا الاعلام التركي والعربي بصورة مرسومة بإتقان كامل قد لا ينتظر تحققه في مثل هذه العجالة اللاهثة التي صاحبت العملية العسكرية الفاشلة..

فنظرة ولو عجلى الى قائمة المعتقلين تحيلنا الى التساؤل فورا عن امكانية فشل انقلاب تقوده كل تلك الفعاليات وبمواقعها المؤثرة والمسيطرة، خاصة مع احتواء القوائم على عناوين مؤثرة وفاعلة في العديد من اسلحة الجيش التركي، وهو ما لا يتناسب مطلقا مع القوة الفعلية الموجودة على الارض، ولا على سيطرتها على ما يفترض -وما اعلن- من مواقع وقعت في قبضة قوى الانقلاب..

والاهم هو في ضبابية الجهة التي قامت بمجابهة الانقلابيين الذين كانوا اكثر شبحية وغموضا وبلا ملامح، وهل هناك امكانية - في العالم الواقعي على الاقل- في المراهنة على المحازبين في تحقيق نصر حاسم وسريع على قوات مسلحة ومدربة ومجهزة جيدا عدة وعديدا..

كما ان عدم دعوة اردوغان للقوات المسلحة للرد على الانقلاب، قد يؤدي بنا الى افتراض اتساع جبهة القوى الانقلابية في الجيش، ولكن اكتفاءه بتثوير الشارع ودعوته للخروج والتصدي للانقلابيين قد يشي بان الرئيس التركي كان يعلم قبل غيره بحجم القوات الفعلية الموجودة في الشارع، وهذا ما لا يتسق مع انقلاب يراد له ان يبدو وكأنه مر من تحت انف جميع الجهات الامنية التركية ومخابراتها واذرعها المتعددة.

وهذه الغفلة الامنية، وذلك التراخي الاستخباري يصطدم من جهة اخرى بسرعة وتوسع الاعتقالات التي شملت العديد من اعضاء مجلس شورى الدولة وقضاة المحكمة العليا بالبلاد، كما ان الاقصاء السريع والمتعجل لخمسة أعضاء بالمجلس الأعلى للقضاة وبالادعاء العام، إضافة إلى أكثر من 2700 قاض، قد يجعلنا نتفق مع السيد مصطفى كاراداغ رئيس نقابة القضاة في تركيا في ان "السلطات لم تلق القبض فقط على المتعاونين مع الانقلاب، بل أيضا على من ينتقدون الرئيس رجب طيب أردوغان، ممن لا علاقة لهم بالانقلاب"، وهو فعل قد يوحي بالسعي نحو الافادة القصوى من ترتيب الاحداث لجني مكاسب قد تتجاوز الحفاظ على سلامة وامن النظام نحو تحقيق اهداف سياسية معينة تتطلب ازاحة كل ما يمكن ان يشكل تهديدا على اهداف النظام -وهنا الرئيس تحديدا- ومطامحه..

وقد يجد العديد من المراقبين صعوبة في تجاهل الصور التي بدأت تترى منذ الظهور الاول للرئيس التركي والتي يبدو فيها العديد من العناصر المسلحة بالزي المدني وهم يدفعون الجماهير الغاضبة عن الاليات العسكرية"الثمينة" المحملة بالجنود الذين يبدون بلا حول ولا قوة ولا ارادة، كديكور في مشهد درامي مؤثر يثير العديد من علامات الاستفهام حول امكانية وجود ترتيبات مسبقة، تستهدف اظهار الرئيس في صورة البطل الذي انقذ البلاد من الوقوع في دوامة الفوضى التي ارادت المؤسسة العسكرية ان تزج البلاد في اتونها، مما يجعله في موقع يتجاوز التعددية السياسية المفترضة في النظام الديمقراطي التركي، وتطلق يده في سياسة تطهير الجيش والقضاء من العناصر المناهضة والمتبرمة من سياساته ورؤاه وخصوصا المعارضين لجهوده الحثيثة في تحويل البلاد الى النظام الرئاسي استكمالا لطموحاته في احكام قبضته على جميع مفاصل الدولة ومؤسساتها ووضع كل السلطات التنفيذية والتشريعية بين يديه.

اي ان الانقلاب قد لا يكون الا لعبة من العاب الحواة التي يسرق فيها الحاوي اعيينا الى جهة ما، بينما هو يرتب لمشهد آخر، وان كان الحاوي "الحقيقي" يقر لك سلفا بانه يخدعك، ولا يتمادى في لعبته طويلا خارج اوقات العرض.

مجرد قراءة سريعة لبيان الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين -الممول والململم من قبل اردوغان والتنظيم الدولي للاخوان-، والعبارات السلطانية التي اسرف في نثرها بيان الامين العام للاتحاد الشيخ علي القره داغي التي تقول ان الانقلاب على الرئيس"المؤمن" هو "خروج على الولاية الشرعية"وأنه "حرام شرعي بل ومن الكبائر"، يمكن ان تقدم لنا صورة عن المدى الذي يمكن ان يصل اليه الرجل في الاندفاع نحو متشهياته السياسية والسلطوية.

وكل هذا، وقد يكون هناك الكثير غيره مما ستكشفه الاحداث اللاحقة، -وليس الايمان بنظرية المؤامرة-، هو المسؤول عن علامات الاستفهام الكثيرة التي تطرز المشهد السياسي والامني لتركيا والتي قد تجيبنا الايام عن بعض منها، او قد تبقى محفوظة في قلب ووجدان مخرج العرض الكبير الذي توسعت خشبته لتجثم على طول وعرض وآمال والام جميع شعوب المنطقة.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق