الثورات بشكل عام كأي تطورات سياسية عظمى مثل الحروب الأهلية والانفصالية والانقلابات العسكرية وغيرها ـ ليست شأناً محليّاً بحتاً؛ بمعنى أنه لا يمكن حصرها ضمن مفردة (الشأن الداخلي) للدول ذات السيادة، خاصة في هذا العصر، الذي يظهر فيه أن القوانين الدولية يمكن أن تنتهك السيادة، وتعطي دولاً أو مجموعة دول، حق التدخل في شأن داخلي ما، في حال وقوع أحداث كالثورات أو تجاوزات (لحقوق الإنسان مثلاً) تكون لها انعكاسات راديكالية على الجوار الإقليمي، أو الوضع الدولي بشكل عام.

لهذا كانت المواقف الدولية والإقليمية من الثورات والأحداث السياسية الكبرى التي تقع في الدول، تستقطب اهتماماً أوسع من حجم الدولة المعنيّة التي يقع فيها الحدث، وأكبر من حجم اللاعبين (السلطة القائمة، والشعب/المعارضة)، وذلك إما بدافع الخوف مما يجري، أو بدافع الرغبة في استثمار الحدث لصالح طرف من أطراف الصراع، والحال لا يختلف في البحرين وثورتها، فما يجري فيها ليس شأناً خاصاً بنظام الحكم ومعارضيه، ولا نتائج ما يحدث منحصرة في الداخل البحريني، بل لها امتداد في التأثير على كل أنظمة الخليج، كما له تأثيرات على ما يسمى بـ(أمن الخليج) وعلى الوجود الأميركي العسكري في دوله، وعلى الاقتصاد العالمي (بالنظر إلى أن المنطقة تعتبر المصدر الأساس للطاقة النفطية في العالم) وما لذلك من انعكاسات على الصراعات والمحاور الإقليمية والدولية.

لقد تزايد الحديث عن البحرين والتحديات التي تواجهها مع تزايد حدة الأزمة السياسية فيها منذ 14 فبراير/شباط 2011، حين برزت الانتفاضة في البحرين كإحدى انتفاضات الربيع العربي، على الرغم من الانتفاضة في البحرين تمتد إلى أوقات سابقة على عام 2011، وأهمها الانتفاضة التي سميت بالانتفاضة التسعينية أو أحداث التسعينات وهي حركة احتجاجية في البحرين بين 1994 و 2000، ضمت القوى اليسارية والليبرالية والإسلامية، الحركة أدت إلى مقتل حوالي 40 شخصاً وانتهت بعد أن أصبح حمد بن عيسى آل خليفة أميراً للدولة في 1999، واستفتاء على ميثاق العمل الوطني في 14-15 شباط 2001.

فبعد اعتقال الشيخ (علي سلمان) رئيس جمعية الوفاق في البحرين على خلفية اتهامات وُجهت له "بالتحريض على نظام الحكم والدعوة لإسقاطه بالقوة، وقررت السلطات القضائية البحرينية الثلاثاء 14 حزيران 2016، تعليق نشاط جمعية الوفاق الشيعية المعارضة، وأغلقت مقارّها؛ استجابة لدعوى تقدمت بها وزارة العدل البحرينية. تأتي الحكومة البحرينية بعملية أخرى ضد المعارضة وهي إسقاط الجنسية عن الشيخ (آية الله عيسى قاسم)، وهو أحد علماء الدين البارزين في البحرين والمنطقة،

استمرار انتفاضة الشعب البحريني –خاصة القسم الشيعي منه؛ واعتماد النظام البحريني على وسائل القمع المفرط، واستخدام المرتزقة والتدخل الخارجي وخاصة السعودي ضد المتظاهرين السلميين، وتهجير أبناء البلد الأصليين للخارج، سوف يقود إلى تداعيات ذات تأثير سلبي على مجرى الأحداث في البحرين والمنطقة، ومن هذه التداعيات، هي:

1- تصاعد حدة الانتفاضة ضد نظام الحكم وتوسع مطالبها، فالثورة البحرينية فاجأت المراقبين في المنطقة وخارجها، إذ كان الاعتقاد السائد بأن الأقليات الشيعية في الخليج يلزمها التعايش مع أوضاعها السياسية والنظم الحاكمة القائمة، ومحاولة تحسين تلك الأوضاع بالوسائل المتاحة، التواصل مع الأنظمة السياسية؛ الدخول في اللعبة السياسية القائمة (إن وجدت)، والانفتاح على كافة الشرائح الوطنية، بيد أن الشيعة في البحرين لا ينطبق عليهم في الأساس مفهوم الأقلية، لأنهم في واقع الحال يمثلون الأكثرية 70% من السكان، وكان الاعتقاد بأن العملية السياسية التي بدأت عام 2000، وشهدت نمواً للمجتمع المدني البحريني، وعملية انتخابية، ستعيد التوازن السياسي، وتؤكد الاستقرار، وتعمّق الاندماج السياسي والاجتماعي، إلا إن فشل العملية السياسية لأسباب عديدة وأهمها عدم جدية النظام، قاد إلى توسع الانتفاضة، ومع تزايد قمع النظام ضد المتظاهرين السلميين، واستخدام وسائل الإبعاد عن البلاد بسحب الجنسية وغيرها، قد تتوسع المظاهرات إلى وسائل أكثر عنفا ضد النظام، كما إن المطالب هي الأخرى ستزداد، خاصة وان أصوات إسقاط النظام كانت ولازالت تسمع في كل إرجاء البحرين.

2- إسقاط الجنسية عن البحرينيين ومنهم علماء الدين الكبار، كان بسبب فشل العملية السياسية في البحرين التي فقدت زخمها وقوتها، وبدت عاجزة عن إصلاح الخلل الهيكلي، فتفجرت الأزمة، حتى قبل قيام ثورات الربيع العربي عام 2011، والسبب إن النظام في البحرين لم يقم بالخطوات المناسبة في حينها، إلى أن تفجّر الوضع أكثر في 14 شباط 2011، كما إن التجمع الأكبر للشيعة الذي تمثله جمعية الوفاق باتت زاهدةً في مواصلة المشاركة في العملية السياسية ذات النتائج المتدنية، وأعلنت انسحابها منها، وبهذا فان النظام البحريني وضع نفسه في موقف ضيق لا يمكن الخروج منه، لأنه ليس بإمكانه اعتماد سياسة إسقاط الجنسية إلى الأبد، خاصة وان سكان البحرين الشيعة هم من أبنائها الأصليين ومن أسسوا الدولة الحالية.

3- اعتماد النظام الحاكم أساليب القمع مع المعارضة سوف يعطي دور اكبر للتدخل الخارجي في البلاد، وخاصة الإيراني والسعودي، فقد التصق الموضوع البحريني بإيران تاريخياً، فالبحرين نفسها كانت إلى وقت قريب محطّ ادّعاء السيادة الإيرانية عليها، ولم تصبح مستقلّة إلا عبر استفتاء شعبي بإشراف الأمم المتحدة عام 1970، في ظرف انسحاب القوات البريطانية من الجزيرة، أيّدت فيه الأكثرية السكانية الشيعية الاستقلال وعروبة البحرين، يومها سافر أمير البحرين الشيخ (عيسى بن سلمان آل خليفة) إلى النجف ليلتقي المرجعية الشيعية الدينية هناك، وليقنعها بأن تشجّع سكان بلاده الشيعة على التصويت لاستقلال البحرين، وهذا ما حدث، حيث استقلت الأخيرة في 1971.

بيد أن الاستقلال لا يمكن أن يلغي، وشائج العلاقة بين أكثريتين تنتميان إلى مذهب واحد، بالنظر إلى العلاقة التاريخية بين ضفتي الخليج والتي استمرت لقرون طويلة، وبرغم زوال نظام الشاه، فإن الاهتمام بالبحرين بقيت له خصوصية، من جهة أن إيران تجد نفسها الدولة الأكبر شيعياً، كما وتجد نفسها مسؤولة بنحو ما ـ أبويّاً ـ عن الشيعة في المنطقة والعالم. ربما يفسّر الخارج هذه النزعة ـ سواء كان في العهد الشاهنشاهي أو الحالي ـ بأنها محاولة استخدام الشيعة العرب في التنافس أو حتى الصراع السياسي، وربما رآها الآخرون، خاصة بعد تحوّل إيران إلى نظام إسلامي، أن الاهتمام بأوضاع الشيعة عامّة جزء من شرعية النظام السياسي الحاكم في إيران، وهي مسؤولية لا تستطيع الأخيرة التخلّي عنها، خاصة في بلد مثل البحرين، التي يمثل الشيعة فيها أكثرية سكانية؛ والتي كان لإيران فيها وجود قوي استمرّ لقرون، منذ أن طرد الاستعمار البرتغالي في القرن السادس عشر.

4- كذلك يريد النظام السعودي، الحاكم الفعلي للبحرين منذ احتلال قواته الأراضي البحرينية عام 2011، أن يسدد ضربة يراهن على أن تكون قاضية للانتفاضة السلمية، بعد اعتقال الشيخ (علي سلمان)، وحل "جمعية الوفاق". واللافت أن هذا القرار يُمعن في إقصاء دعاة العمل السلمي، وضامني عدم الدفع بالانتفاضة إلى الخيار العنفي، كما لا يمكن فصل ما جرى في المنامة عما يقوم به حكام السعودية، حيث يقمعون، بقطع الرؤوس، أيّ احتمال لمعارضتهم، تماما كما فعلوا بداية العام الجاري، بإعدام الشح نمر باقر النمر (رحمه الله)، ثم اعتقال الشيخ حسن الراضي، لهذا فالوضع في البحرين سيكون له تداعيات كبيرة على السعودية أيضا، إذ ان تدخل السعودية المباشر في البحرين ودعم نظام الحكم، نجح إلى حد ما بسبب امتناع إيران عن دعم استخدام أساليب القوة ضد النظام والقوات السعودية في البحرين، وليس لقوة السعودية، إذ ان إيران وبسبب حساسية الموقف في المنطقة بشكل عام، كذلك رغبتها بإنهاء أزمتها مع الغرب خاصة ما يخص البرنامج النووي، ورفع العقوبات عنها، كما إن الحركات الشيعية مثل -حركة الوفاق- هي الأخرى كانت تريد الحل السلمي، والابتعاد عن العنف، لهذا كانت الحركات سلمية.

إلا إن توسع النظام في قمعه للمظاهرات واعتماد سياسة إبعاد أبناء البلاد عن وطنهم، ورفع العقوبات عن إيران، ستقود حتما إلى ظهور حركات مسلحة ضد السلطة في البحرين، والتي ستكون لها تداعيات على السعودية نفسها، لان اضطراب أوضاع البحرين عسكريا سينتقل حتما إلى المنطقة الشرقية في السعودية، والتي هي الأخرى تغلي بالحراك الشعبي خاصة بعد إعدام الشيخ النمر، لهذا لا يمكن للسعودية إن تدير عدة جبهات- اليمن وسوريا والعراق والبحرين- في إن واحد، مما سيشكل خطرا مستقبليا عليها.

5- لقد نددت اغلب دول العالم والأمم المتحدة ومنظمة حقوق الإنسان الدولية بإسقاط الجنسية عن الشيخ (أية الله عيسى قاسم)، لان ذلك مخالف للمواثيق الدولية وحرية الإنسان للعيش بكرامة في بلده، إضافة إلى إن توسيع عمليات إسقاط الجنسية سيضع النظام في البحرين أمام المسؤولية الدولية، خاصة وان دول الخليج الأخرى مثل السعودية هي الأخرى متهمة بانتهاك حقوق الإنسان في اليمن، وعدتها الأمم المتحدة على قائمة الدول المنتهكة لحقوق الأطفال في اليمن قبل رفع اسمها من خلال الضغط على المنظمة الدولية، لهذا لا يمكن للسعودية أو البحرين الاستمرار بانتهاك حقوق المواطنين الشيعة في مناطقهم، والمراهنة على المواقف الدولية المؤيدة لهم إلى الأبد، فالاتفاق النووي بين أمريكا وإيران كان ضربة غير متوقعة لدول الخليج من حليفهم التقليدي أمريكا، لهذا لا يمكن التكهن بالمستقبل وما تحمله دول العالم الأخرى تجاه السعودية والبحرين.

6- وجود دعم غير محدود لقضية أبناء البحرين الشيعة من كافة الدول الإسلامية، فهي قضية تختلف عن قضايا المنطقة الأخرى، فهي أول حركة في دول الخليج العربية مطالبة بالديمقراطية والمساواة، وبدأت قبل استقلال البحرين عام 1971، كذلك سلمية هذه الحركة والتي لم تأخذ أي طابع عنف منذ ولادتها، رغم ما قدمته من تضحيات، كذلك وجود أكثرية تطالب بحقوقها ضد أقلية متسلطة على الحكم، كما إن بنود ميثاق العمل الوطني بين المعارضة والحكومة بني على تأسيس ملكية دستورية وتشكيل مجلس نيابي منتخب، وحكومة منتخبة، والذي قام النظام بعد ذلك بالتراجع عنه.

ومن ابرز المواقف الداعمة للبحرين ولتي خرجت تضامناً مع آية الله الشيخ(عيسى قاسم)، الذي حمل جملة رسائل واضحة، كان موقف قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، (قاسم سليماني) الذي أكد أن "الإساءة إلى الشيخ قاسم ستكون بداية لانتفاضة دامية، تقع مسؤوليتها على من يُشرعون غطرسة حُكام البحرين، مشيراً إلى أن التعرض لحرمة الشيخ يُشعل النار في البحرين والمنطقة بأسرها"، وفي حديثه لوكالة يونيوز قال سليماني إن "ممارسات آلِ خليفة لن تُبقي خياراً للشعب إلا المقاومة المسلحة"، باعتبار أن التعرّض للشيخ هو «خط أحمر لدى الشعب، وفي لبنان، دان حزب الله الخطوة غير المسبوقة، ودعا شعب البحرين إلى التعبير الحاسم عن غضبه وسخطه بسبب النيل من رمزه الكبير. وأضاف أنّ السلطة بحماقتها وتهوّرها تدفع الشعب البحريني إلى خيارات صعبة ستكون عاقبتها وخيمة على هذا النظام الديكتاتوري الفاسد.

أما من العراق، فأعلن الأمين العام لـ"عصائب أهل الحق"، (قيس الخزعلي)، أنّ العصائب مستعدة لدعم الشعب البحريني في مواجهة النظام إذا ما تعدى الخطوط الحمر، مشيراً إلى أن «الوسائل السياسية لا تكفي وحدها، ومثله ندد زعيم التيار الصدري، ورئيس دولة القانون، والعديد من السياسيين في العراق.

7- كذلك مواقف علماء الدين في العراق وإيران، والعديد من الدول الإسلامية المنددة بإسقاط الجنسية عن الشيخ (قاسم) والداعية إلى مراجعة النظام في البحرين لسياساته تجاه الشعب، وهنا نؤكد إن الذي منح البحرين الاستقلال ورفض الانضمام لإيران هم البحرينيين الشيعة من خلال حث مراجع الدين في النجف الاشرف لهم بالتصويت لصالح الاستقلال وعدم الانضمام لإيران، وخاصة بعد زيارة أمير البحرين آنذاك (عيسى بن سلمان) للعراق قبل الاستفتاء، لهذا فان الفتوى التي سمحت باستقلال البحرين قد تكون نفسها التي سوف تطيح بحكامها مرة أخرى، خاصة وان لمراجع الدين في العراق دور مؤثر في حركة الشيعة في الشرق الأوسط.

8- كذلك لا يمكن تجاهل موقف الدول ذات المصالح بالمنطقة وهي أمريكا وبريطانيا، فهذه الدول رغم أنها تحاول إن تتمسك بنفوذها بالمنطقة من خلال إثارة الصراعات بين دوله، إلا أنها في نفس الوقت تضع حدود لهذا الصراع، ورسم مسارات له، بحيث لا يتعدى الخط الأحمر، وان يبقى تحت سيطرتها، وهي مستعدة للتخلي عن أية نظام سياسي يصبح خطرا على مصالحها في المنطقة حتى وان كان من اقرب المقربين لها، ونموذج نظام الشاه في إيران خير دليل على ما نقول، فقد تخلت أمريكا وبريطانيا عنه بعد إن أصبح غير مرغوب فيه من قبل الشعب الإيراني، وأصبح خطرا على مصالحهما في المنطقة، لهذا فان الأنظمة الخليجية هي الأخرى، وخاصة النظام البحريني والسعودي، قد تسير على خط نظام الشاه في إيران، عندها لن يبقى أمام أمريكا وبريطانيا إلا التخلي عن هذه الأنظمة لصالح أنظمة جديدة مرغوبة من قبل شعوبها، والتعامل معها مستقبلا.

إن ما يقوم به النظام في البحرين هو لعب في النار، خاصة عمليات إنهاء المطالب الوطنية بالقوة، وعمليات إسقاط الجنسية عن البحرينيين الشيعة، وتجنيس الأجانب الذي وصل إلى ثلاثمائة إلف نسمة، فهو غير مدرك إن المرتزقة الذين وفدوا للبلاد وخاصة الأسيويين كانت غاياتهم العمل والتنقل بين دول الخليج وليس حبا في النظام، كما إن محاولة النظام تفريغ البلاد من سكانها الأصليين الشيعة هي الأخرى عملية لن تقود إلا إلى توسيع الثورة ومطالبها، وقد تقود إلى المطالب بتقرير المصير للشيعة في البحرين، حتى القوات السعودية المتواجدة في البلاد هي الأخرى لن تستطيع الوقوف بوجه انتفاضة مسلحة قد تضع المنطقة والعالم على حافة الانهيار، لهذا على النظام تدارك الموقف وتطبيق ميثاق العمل الوطني لعام 2001، من خلال ملكية دستورية، وحكومة وبرلمان منتخب.

* مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2016
www.fcdrs.com

اضف تعليق