يحيل يورغن هابرماس الى ماكس فيبر تقييم ذلك الدور المهم للعقلانية في تشكيل النظم الاقتصادية الحديثة، من حيث فاعلية الرأسمال واستنادها الى النظم البيروقراطية في حركة انتاجها الخاص، ومن ثم دعامة الحق البرجوازي في مسيرة هذه الحركة. وقد واكبت العقلنة هذه الحركة المالية والسياسية، واتسعت حتى اخضعت كل المجالات الاجتماعية من وجهة نظر هابرماس الى (معايير الحسم العقلي)، لكن هابرماس يشير ايضا الى اتساع تلك المجالات الاجتماعية في الحياة الحديثة والقابلة الى هذا الحسم العقلي ايضا.

وقد رافق اتساع تلك المجالات او نتج عنها، تلك الحركة الهائلة من التصنيع الذي اخذ صيغة العمل الاجتماعي في واحدة من اتساعات تلك المجالات الاجتماعية الحديثة، وقد تناولت اساليب الحياة وعمليات التبادل والتواصل بما هي اقتصاديات مست صميم الحياة الاجتماعية (ولعل مواقع التواصل الاجتماعي وما شهدناه من تأثيرات لها في المنطقة يكشف عن عمق ودور التصنيع والتقنية في صياغة الحياة الاجتماعية الحديثة والهيمنة التي فرضتها التقنية) وبالنتيجة عن اتساع العقلنة والعلم أًدخلت في التقنيات الحديثة أو دخلت عليها التقنية العلمية.

واذا كانت صيغ العمل الاجتماعي ذو البعد الاقتصادي قد اعتمدت على تنظيم الوسائل التي تبتكرها باستمرار التقنية والعلم، فان المجالات الاجتماعية التي اتسعت فيها العقلانية صارت تعتمد على الاختيار بين البدائل الذي وفر تلك الحرية الكاملة للإنسان الحديث، وقد ساعدت الوفرة والتنافس في الانتاج والتصنيع على توفير الخيارات البديلة والكثيرة.

ويرى هابرماس ان العقل الحديث منح الانسان القدرة على التحرر من كل التزامات يراها غير عقلانية حتى في تصوره الخاص للعقلانية، مما يمهد الى القدرة على الاختيار الحر. لكن المعيار الذي يحدده هابرماس ويعده فعلا عقلانيا في نطاق اختيار البدائل هو التخطيط، وهو واحد من صور العقلنة المتقدمة استنتاجا عن هابرماس، وهو يعبر عن (مأسسة التقدم العلمي والتقني) فانه وبواسطة التخطيط يمكن للعلم والتقنية ان يقوما بمأسسة المجتمع بناء على العلم. وينتهي هابرماس بهذه المحصلة الى إمكانية ظهور شرعيات جديدة تلغي او تحل محل الشرعيات القديمة وتنزع صورة السحر عن العالم القديم.

لقد بدا العالم ومنذ هذه اللحظة مكشوفا ومسترخيا امام الانسان، ولم يعد بواسطة العلم أحجية يحتاج الى التأويل ويستعصي على التفسير، وتلعب تلك الافكار القديمة دورا في تسيير وتوجيه الانسان، وهي تسعى الى تأمين ديمومة سير الانسان في حياته وفق مخطط كوني يلعب القدر والغموض والمجهول فيه دورا محوريا، وحين أناط العقل الحديث الى العلم مسؤولية كشف لغز العالم وازالة اللبس فيه واستبدال القدر بالتقنية، فالتقنية أمست هي التي تعمل وتصنع وليس القدر أو هكذا أوحى العلم المادي الى الانسان فكرة التقنية بقدرتها البديلة عن القدر الصانع لمصير الانسان القديم.

وهنا يكتسي الفعل الفردي والاجتماعي بتلك العقلانية المادية المتنامية عن تطورات الرأسمالية ومواكبة العقلنة لها في بناء العالم الحديث، عالم المال والصناعة والسوق الحرة والعقلنة الفائقة النجاح في إراداتها، لكنها عقلنة شكلانية وفق هابرماس وهو يستعيد ذكرى هربرت ماركوز في اعتراضه على ماكس فيبر على نعته تلك التحولات بالعقلنة، مبينا انها ليست عقلانية بالمعنى الصحيح، انها نوع من عقلنة تهدف الى الترويض على الهيمنة والسيطرة، وبالتالي فإنها من وجهة نظر هابرماس (شكلا من السيطرة السياسية)، وحين تقف هذه العقلانية الفيبرية امام استراتيجيات متعددة واساليب مختلفة لاستخدام التقنيات المناسبة أو اختيار البدائل الممكنة في توفير أكبر قدر من الربح وفق ما تمليه فاعلية رأس المال فان هذه العقلانية تبتعد عن الـ(علاقة المصالح الاجتماعية بكاملها) هابرماس، بل تستمر في الـ(تملص من التأمل ومن إعادة تكون عقلانية).

لقد أمسكت تلك العقلانية الصناعية والتقنية بالعلم واستحوذت على تعريف العقل بالعلم والتقنية فأدى بهما الى احتكار العقلانية، وهو احتكار بطبيعته يوفر احتكار الفعل العقلاني وصورته في احتكار منجزات تقنية العلم باتجاه احتكار السلطة التي تأخذ هنا مديات أوسع "من السلطة السياسية" وهي السلطة التي مسبقا يحتكرها أو يوفرها رأس المال باعتباره سابقة في الحق البرجوازي، وبواسطة هذه الافكار تنتظم أو تتفرع بيروقراطية تمارس الضبط، ووفق هابرماس فانه ضبط يمارس في اتجاهات وسلوكيات الحياة، وهكذا يتم ضبط إيقاع الحياة وعلاقاتها وفق معايير هذه العقلانية والتقنية، وهو ضبط طبيعته (تتساوى مع مأسسة سيطرة لا تصبح معروفة بوصفها سياسية) هابرماس.

لكن تعريف هذه الهيمنة والسيطرة بوصفها غير سياسية لا يعفيها من المضمون السياسي لها أو في تطبيقاتها، فالعقل التقني وفق هابرماس لا يخلو من مضمون سياسي، لكن هابرماس كفيلسوف يبحث بعمق في هذا المضمون كيف يتكون، كيف ينشأ، هنا يستعين بما كتبه ماركوز (التقنية هي على الدوام مشروع إجتماعي تاريخي يسقط فيها ما يريد مجتمع والمصالح المتحكمة فيه..... مثل هذا الهدف من السيطرة "مادي" وينتمي الى حد ما الى صور هذا العقل التقني ذاته)، واذا كان ماركوز وهابرماس ينظرون الى محورية القمع ووسائليته الذي تمارسه التقنية الحديثة وموجهها العلم التقني والصناعي من خلال وضع الانسان الحديث تحت رغبة الاستهلاك والاستمرار في الاستجابة النفسية الى إغراءات التقنية، وهو القمع كمعادل موضوعي للهيمنة والسيطرة التي تحتكر من خلالها التقنية رغبات وأفكار الانسان، فان الدين كان يتعرض ايضا الى هذا النوع من القمع من خلال انصراف العلم الحديث وبصيغته المادية والتقنية عن الاهتمام به، بل واحيانا قمعه مباشرة بالوقوف بوجهه باعتباره تذكيرا بسحر العالم، أو فائقية هذا العالم التي تدعو الى تجاوز الرغبة العابرة في الاستهلاك قصير الامد كونيا الى انخراط الانسان في مخطط كوني تسيّره الرعاية –رعاية الله– في القدر، ويحل لغزه الدين ويكشف غموضه الايمان، وهي عناصر وجودية لا محل لها في حسابات وفاعلية رأس المال أو في مفردات وأدوات التقنية من حيث كونها مفردات وأدوات ربحية، ثم أن تجاوز الرغبة العابرة في الاستهلاك المادي قصير المدى كونيا وهو ما يعبر عنه الزهد الديني، يجعل اصطدامه بمقتضيات التقنية مبادءة تلجأ اليها التقنية الرافضة بعنف لفكرة الزهد والتقشف، وأخيرا ألجأت هذه التقنية/العلم، الدين الى منافاة العقل الحديث لأنه لا يدخل في حسابات الكم ووسائليته في التقنية باعتباره مبدأ ضابطا لسيرورة الاقتصاد الحديث وحركة الانتاج.

أخيرا تبقى أدوات القمع التقنوية –من التقنية- وحسابات الكم وبصيغ الربح التقني والرأسمالي هي المسؤولة عن كل مأساة عالمنا، وهي تعبير عن إزاحة المعنى الساحر والفائق للعالم لصالح التقنية/الهيمنة والسيطرة.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق