منذ سقوط النظام الدكتاتور ودخول القوات الاجنبية الى العراق عام 2003 والعملية السياسية تمر بتجاذبات وانتكاسات تنهض منها احيانا متعكزة على اسباب ومسببات، لتعاود السقوط مرة اخرى في هاوية الصراعات والمناكفات والانسحابات، حتى بات من العسير جداً ان تمر بحالة استقرار.. فما ان تُشكل حكومة حتى تظهر الاطراف المتشابكة وليست المتشاركة لتعلن عن آراء متسرعة تشير الى فشل الحكومة في تطبيق برنامجها وان لم يمض على تشكيلها سوى اسبوع.. معارضة الحكومة قد تبدأ احيانا يوم تشكيلها حتى انها تصبح بعد شهر واحد، قشة وسط موج عال تتقلبها الرياح السياسية وآراء الكتل وتصريحات النواب التي ما انزل الله بها من سلطان.

وهذه الحالة رافقت الحكومات المتعاقبة بدءاً من حكومة السيد اياد علاوي وحكومة السيد الجعفري وحكومة السيد المالكي والان حكومة السيد العبادي.. وهذه الاخيرة التي شكلت حاملة عقدها معها مثل الحكومات السابقة، تعرضت الى ضغوط مثل اخواتها، الا انها في مقاييس السياسة العراقية حصلت على دعم غير معهود من الشعب والمرجعية والبرلمان والكتل السياسية.. غير ان هذا الدعم لم يستمر كما بدأ أول مرة، بل تغيرت بوصلته فسحبت المرجعية الدينية دعمها ونصائحها وتخلت عن خطبتها السياسية التي كانت توجه فيها نقدها للحكومة وتقدم لها النصح، وسحب الشعب تفويضه.. وتخلى البرلمان عن الموافقات السابقة التي تم بموجبها تأييد ورقة الاصلاح التي اعلنها رئيس الوزراء وبدأت الكتل تمارس ضغوطها السابقة.

حاول السيد العبادي من خلال ورقة الاصلاحات الاولى ان يبدأ بخطوات جريئة تمثلت بإلغاء مناصب نواب رئيس الجمهورية ونواب رئيس الوزراء ونواب رئيس البرلمان وتقليص الحمايات والغاء بعض المناصب وعدد من الوزارات ثم اعقب ذلك بورقة ثانية تم فيها تخفيض رواتب المسؤولين وكبار الموظفين وقطاع واسع ممن هم في درجات وظيفية عليا.. وعموم الموظفين.

وهذه الخطوات خلقت ردود افعال مختلفة حتى ان الصحافة العراقية كتبت نقداً لاذعاً لتلك الاجراءات تمثلت في وصف احد الصحفيين "الذين قالوا للموظف من اين لك هذا" حتى اذا ظهرت ورقة التعديل الوزاري اعتبرها البعض حربا نفسية يعتمدها العبادي لتحسين اداء وزارته، وكان الاتجاه ماض الى دمج الوزارات كما جرى للتربية والتعليم والصحة والبيئة والعلوم والتكنلوجيا والتعليم العالي، والغاء عدد اخر من الوزارات.

الحزم الاصلاحية توالت حتى وصلت الى اقالة عدد من الوزراء والنية في تشكيل حكومة تكنوقراط.. ومع ان عضو مجلس النواب عباس البياتي ألمح الى ان الوضع الحالي للبلد على المستويين الامني والاقتصادي لا يسمح بالتغيير الشامل للكابينة الوزارية. الا ان الاحداث فرضت غير ذلك، فصار الاتجاه الى ان خير اجراء هو التغيير الشامل، وذلك ما ايده البرلمان عند استضافته للعبادي في جلسته التي عقدت في 13 شباط 2016..

ومع ان الدعوات لتشكيل حكومة انقاذ وطني جارية وهناك من يدعو اليها الا ان هذه الدعوة لم تلق روجاً.. فمجرد أن حاول العبادي ان يغير وزيرين من حكومته حتى انبرت كتلتا الوزيرين الى رفض تغييرهما وقدمتا طلبا لاستجواب العبادي في البرلمان، وكان نائب رئيس الوزراء المستقيل بهاء الاعرجي قد ألمح الى امكانية تعطيل بعض مواد الدستور، وتشكيل حكومة انقاذ وطني يرأسها العبادي نفسه على انها تتكون من كفاءات مستقلة وغير متحزبة.. غير ان هذا لا يروق للكتل التي تعتبر نفسها مالكة للسلطة.. فالنائب عن كتلة الاحرار محمد هوري قال ان الحديث عن تشكيل حكومة انقاذ غير مطروح في الوقت الحاضر سواء من قبل العبادي ام الكتل السياسية وان جميع الكتل متفقة على اعطاء رئيس الوزراء فرصة للاستمرار في إصلاحاته.

يبدو ان لا خلاص من المحاصصة وان اي تغيير وزاري لا يمكن ان يشهد النجاح من دون موافقة الكتل، وان اختيار وزراء تكنوقراط مرهون بترشيحات الكتل وستفرض المحاصصة نفسها وسط ساحة الترشيحات والاختيار، حتى تصبح قيدا يمسك بكفي رئيس الوزراء ويقيدها فلم يعد بايدٍ مطلقة.. واذا كان الوقت يمضي سريعا فان ورقة الاصلاح التي اطلقها السيد مقتدى الصدر واعطت الحق لنفسها لتكون بديلا لاصلاحات العبادي امهلت الاخير 45 يوماً لتشكيل الحكومة، وقد مضى منها عشرون يوما حتى ساعة كتابة هذا المقال تخللتها تظاهرتان كبيرتان، احداهما على ابواب المنطقة الخضراء.

والمتغيرات كثيرة وضغوط الداخل والخارج تربك المشهد السياسي.. كلٌ يرسم لنفسه خارطة طريق كما يرى هو، وخارطة طريق العبادي ما زالت مبهمة وغير واضحة للشعب ما جعل الناس اقل حماسا في تأييد اصلاحاته، واقل تفاؤلا بان الرجل يستطيع ان يصل بسفينة العملية السياسية الى بر الامان.. فما زالت هناك خطوات وما زالت الكتل تشعر انها هي صاحبة الشأن وليس الشعب.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق