آراء وافكار - مقالات الكتاب

تهميش!!

عندما نتابع وسائل الاعلام ووسائل التواصل الاجتماعي نلاحظ إنتشار الكثير من المصطلحات والمفاهيم التي ازدادت وظهرت الى الواجهة بعد التغيير في العراق في 2003، ولكن من أهم هذه المصطلحات مصطلح "التهميش"، معناه اللغوي جعل الشيء ثانويًّاً أي لم يجعله من اهتماماته، فتارة يطلق على مكونات أو مجموعات بشرية ليس لها تمثيل حقيقي يتناسب مع وجودهم السكاني، أو يقصد به أناس لايستمع أحد لمطالبهم أو يأخذ برأيهم، ومن الملاحظ أن جميع اشكال التهميش المذكورة حدثت في العراق وعلى أزمنة مختلفة خلال التاريخ الحديث للعراق.

من أهم الاسباب التي جعلت هذا المصطلح يتنامى ويكون ذا تأثير في المجتمع رؤية الحكام الى أفراد المجتمع، حيث أن الكثير من الحكومات المتعاقبة كانت تتبع سياسة الاحتكار والاستبداد في السلطة سواء كانت تمثل أقلية أو اغلبية في العراق، لأنها ببساطة تهمش بإستمرار المفكرين والمثقفين ومراكز البحوث الذين يقضي الكثير منهم فترات طويلة من حياتهم في دراسة الظواهر المجتمعية والاقتصادية والسياسية في البلد، بل أبعدتهم عن أماكن صناعة القرار مما سبب في عزلة كبيرة بين هذه الطبقة والطبقة الحاكمة، والنتيجة الحتمية المترتبة على التهميش هي الاضمحلال فإنه حين تهمش مجموعة من غير سبب عملي وموضوعي فإنك تدفع بها نحو الاضمحلال وذلك من خلال تحجيم فرص ارتقائها وتطورها ومن خلال محاصرتها على الصعيد الثقافي والفكري.

والاسباب التي دفعت أنظمة الحكم بإتخاذ هذه السياسات عديدة أهمها الحزبية الاحتكارية والشخصية التسلطية للحاكم، وبسبب هذه الحزبية الضيقة تراه لا يطَّلع ولا يقرأ ولا يستمع إلا من طرف واحد، من آراء المقربين والمنتفعين ووعاظ السلاطين، فيكون الحاكم ضيّق الأفق، مشوّه الشخصية الثقافية، لا ينظر إلا من زاوية واحدة ولا يعرف إلا الفكر الأحادي، ويحاول بشتى الطرق فرض رأيه على الجميع حتى لو كانت الاقلية فقط هي من تؤيده. هذه الثقافة عندما إستشرت كثيراً في مجتمعاتنا نجدها بدأت تؤثر حتى على غير الحاكمين أو الرؤساء، فنجدها بين الشباب هذه الايام من خلال التعامل مع الفرق الشبابية الطوعية أو التجمعات المنظمة حيث الاستبداد بالرأي وعدم قبول الفكر المضاد والتخندق داخل افكار ضيقة، والاصرار على أفضلية طرف على آخر، والمجاهرة بأفضلية طرف على أخر دون فعل حقيقي على أرض الواقع.

لذا يفشل كل يوم الكثير من المشاريع والمبادرات الثقافية والمجتمعية، التي لو قُدِّر لها الانبثاق الى المجتمع لشاهدنا أثرها الاجتماعي والنفسي الكبير على المجتمع عامة والشباب خاصة، وهذا الفكر الأحادي الضيّق لو قرأناه من وجهة نظر دينية، لايؤيده الاسلام ولايدعمه على الاطلاق، بل هو نتيجة فكر جاهلي واستبدادي تنامى في شخصية الحاكم في البلاد الاسلامية على مر التاريخ، لأن الدين الاسلامي دعا منذ بداية ظهوره وعبر الرسول الكريم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) الى نظام الشورى ومشاورة اصحاب الرأي والاختصاص، وحفظ حقوق الاقليات والمكونات الاخرى في المجتمع الاسلامي حتى وإن كانت غير مسلمة فكيف بالمسلمين أنفسهم، والآية القرآنية صريحة في القول والمعنى (وأمرهم شورى بينهم)، (وشاورهم في الأمر). وهكذا تمكن الرسول(ص) من تجميع الجماهير حوله بصورة منقطعة النظير، وقد ورد في حديث أنه قال: (خير الولاة من جمع المختلف وشر الولاة من فرق المؤتلف).

ولذلك شدد علماؤنا في العصر الحديث ومنهم الامام المجدد السيد محمد الحسيني الشيرازي (قدس سره) صاحب نظرية شورى الفقهاء في الفكر الاسلامي التي تعتمد على المشاورة وانتخاب المرجع الديني الاعلم بأمور المسلمين ضمن مجلس استشاري يختار مرجعاً دينياً بالانتخاب الديمقراطي وحسب مواصفات يتفق عليها جميع فقهاء الأمة دون تهميش أي صوت أو فئة، كما في انتخاب رئيس الدولة في البلدان المتقدمة حسب نظام الاغلبية لاصوات الشعب. ويذكر السيد الشيرازي الراحل في كتاب "الى العالم" (لا يخفى أن الظروف العالمية الحاضرة، من أفضل الظروف للتحرك، بما لم يسمع العالم بمثله منذ قرون وقرون، حيث الحريّات الواسعة، وزوال معظم التعصبّات الجاهليّة، وسهولة وسائل النشر والإتصال، فلم يبقَ إلاّ عزم العاملين وتحركهم نحو اهدافهم. وإنّي لا أقول: إن الطريق مُعبَد والنصر موضوع في طبق من ذهب، وإنما أقول: إنّ الأمر صار أسهل وأسهل، والتحرّك أيسر وأيسر، والاستبداد أقل وأقل، ولكن لماذا ــ مع كل ذلك ــ تقدّم غيرنا وبقينا في ذيل القافلة؟ لأنهم عملوا ولم نعمل، فانطبق عليهم وعلينا كلام أمير المؤمنين الله الله في القرآن فلا يسبقكم بالعمل به غيركم، فإنهم أخذوا الشورى، والحرية، ووحدة الأمّة، والأخوّة، والنظام، والنظافة ـ ولو في النطاق الضيّق ـ فسبقونا، وتركناها ـ حتى بقدر نطاقهم ـ وإن كان نطاقنا أوسع وأوسع لو تحركنا، فتأخرنا، والله سبحانه دائماً يمدّ العاملين.

فاليوم نحن بأمس الحاجة من قبل الجهات صاحبة القرار أن تنظر الى النخبة المثقفة والشباب الطامح ومراكز الفكر والبحوث والدراسات، وأن تدعمها وتتواصل معها للوصول لرؤية شاملة لصنع الفارق في المجال الثقافي والعلمي للنهوض بالبلد لأعلى المستويات وعدم التعامل بإنتقائية وحزبية مع هذه الفئات الفاعلة، وعدم استبعاد المعارضين والمنتقدين لسياسة الحكم وتهميشهم لمجرد أنهم يختلفون بالرأي أو الفكر أو التوّجه.

* باحث في مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث

اضف تعليق


التعليقات

محمد مصطفى
عراق
السلام عليكم المقال روعة ومنبثقة من الواقع2015-01-15