بعد إقدام السعودية على إعدام عالم الدين الشيخ (نمر باقر النمر) في 2 كانون الثاني 2016، ولأسباب سياسية، إذ إن السعودية أقدمت على إعدام الشيخ النمر بعد إن طفح الكيل السعودي، خاصة بعد عقد الاتفاق النووي مع إيران، واعتقادها إن أمريكا والغرب يخنع لإيران في مجموعة من القضايا في الشرق الأوسط في سوريا والعراق، وعدم اتخاذ أي موقف من إيران وهي تطور مشاريع للصواريخ الباليستية، لهذا بدأت السعودية تتحرك وتثير الزوابع في الشرق الأوسط.

وبعد عملية الإعدام تصاعد الخلاف الإيراني السعودي، بشكل سريع، فقد انطلقت المظاهرات في إيران المنددة بإعدام الشيخ النمر، وتطورت إلى اقتحام السفارة والقنصلية السعودية في إيران، تبعها قيام السعودية بقطع علاقاتها الدبلوماسية مع إيران، تبعتها عدد من الدول العربية مثل السودان والبحرين، وتخفيض الإمارات لتمثيلها الدبلوماسي، تصاعد التوتر بين إيران والسعودية بدأ يأخذ أبعادا دولية، وهو ربما يكون له تأثير بشكل مباشر على خطط السلام في سوريا، حيث أن البلدين هما واجهتا الخلاف الإقليميتان بشان سوريا.

إن المتابع للإحداث في سوريا منذ انطلاقتها عام 2011، يرى إن اغلب الصراع فيها هو بين مجموعات واتجاهات هما واجهات لدول عالمية وإقليمية تتصارع في سوريا، ومن هذه الدول إيران والسعودية، ففي الوقت الذي تدعم فيه إيران الحكومة السورية بقيادة الرئيس (بشار الأسد)، تقوم السعودية بتقديم الدعم للمجموعات المسلحة ذات التوجهات السلفية والتكفيرية، سواء كان دعما مباشرا لهذه المجموعات مثل ( النصرة وجيش الإسلام وجيش الفتح وأحرار الشام)، أو دعم غير مباشر عن طريق طرف ثاني، مثل دعمها لتنظيم داعش عن طريق تركيا، ولكن بعد أكثر من خمس سنوات من القتال في سوريا، وثبات النظام السوري، وفشل كل المحاولات لإسقاطه، وبعد تدخل روسيا المباشر في الحرب في سوريا إلى جانب النظام، انطلقت المبادرات والتوافقات الدولية بين القوى الكبرى من اجل وضع حل لهذه الأزمة، من خلال عقد صفقات بين أمريكا وروسيا، تتبعها الدول الإقليمية، وعقد مؤتمر نيويورك من اجل وضع حل لازمة سوريا، من خلال عقد مؤتمر بين النظام والمعارضة السورية – بعد تحديد هذه المعارضة- ثم تتبعها انتخابات بعد 18 شهرا.

إذ إن الموفد الخاص للأمم المتحدة في سوريا (ديمستورا) أعلن عن أمله بعقد مؤتمر جنيف في 25 كانون الثاني بين الحكومة السورية والمعارضة، فقد أعلنت سوريا أنها توافق على عقد مؤتمر السلام حول سوريا، وطلبت من ممثل الأمم المتحدة تحديد وفد المعارضة المشارك في المفاوضات، كما إن المعارضة هي الأخرى توافق على هذا المؤتمر، ولكن المشكلة الأساسية هي تتعلق بمصير الرئيس بشار الأسد، إذ تصر بعض الدول مثل روسيا وإيران على قيادته للمرحلة الانتقالية، بينما تصر المعارضة والسعودية وأمريكا على إن لا يكون للرئيس الأسد أي دور في هذه المرحلة.

ولكن السؤال الملح في هذا الوقت هو، هل يمكن أن تؤثر الأزمة الحالية على مساعي السلام في سوريا؟

إن الأزمة بين إيران والسعودية ربما في رأي البعض قد تـؤثر على مسيرة السلام في سوريا، وهذا جزء من المشهد الدولي والداخلي المختلف بشان سوريا، إلا إن هناك عدد من الحقائق التي ظهرت على الساحة الإقليمية والتي سوف تضغط على كل الإطراف من اجل الاستمرار بالتسوية وعدم وضع العراقيل إمامها، أن الوضع العسكري الميداني في سوريا يخضع بالأساس لصراع إقليمي ـ دولي حاد، يكاد يصل إلى نهايته القصوى، ولن تؤثر أية أزمة إقليمية أو دولية على مسار الصراع العسكري، كما أن المسار السياسي المقرر إطلاقه قريبا، يخضع لاعتبارات دولية تتجاوز الدولتين الإقليميتين (السعودية، إيران)، فهو مسار مرتبط بروسيا والولايات المتحدة مباشرة، طبعا دون إغفال التأثير الإقليمي الذي لن يصل بالمقابل إلى حد إحداث خلخلة في هذا المسار، إضافة إلى أسباب أخرى هي:

1- عدم رغبة الإدارة الأمريكية في تصعيد الموقف في الشرق الأوسط، إذ تخشى إدارة الرئيس باراك أوباما من أن يؤثر تأزم العلاقات السعودية الإيرانية على الحرب ضد تنظيم "داعش" في سورية والعراق، وعلى الجهود الدبلوماسية لإيجاد حل ينهي الحرب الأهلية في سورية.

هذا ما أكدته بعض وسائل الإعلام بان أعضاء من الإدارة الأميركية " انتقدوا، بطريقة غير معلنة، استفزاز السعودية للشيعة" من خلال تنفيذ الإعدام على عالم الدين الشيعي (نمر النمر)، الذي اعتقل قبل سنتين وحكم عليه بالإعدام وأكد مسؤولون في الإدارة الأميركية قولهم "إنهم يلعبون لعبة خطرة"، في إشارة إلى الساسة في السعودية، وتعبر الإدارة الأميركية، من جهتها، في كثير من الأحيان عن مخاوف بشأن الممارسات القضائية السعودية، خاصة في قمع المعارضة السياسية السلمية، ويقول مسؤولون في الإدارة الأميركية إن تصرفات السعودية ستكون لها تداعيات في المنطقة وفي جميع أنحاء العالم الإسلامي، وبهذا فان هذه المواقف ستكون عائقا بوجه أي توجه سعودي لعرقلة الحل في سوريا، فقد أعلن السفير السعودي لدى الأمم المتحدة (عبد الله المعلمي) أنّ الأزمة مع إيران لن يكون لها تأثير على جهود السلام في سوريا واليمن، وأنّ الرياض لن تقاطع محادثات السلام المقبلة حول سوريا المقررة مبدئيا اعتبارا من 25 كانون الثاني في جنيف برعاية الأمم المتحدة.

2- على الرغم من إن الموقف الإيراني كان دائما يعتبر بقاء (بشار الأسد) في السلطة خطا احمر، ويعتبر أنّ كل المعارضة السورية تقريبا، وخصوصا المقيمة منها في الخارج لا يمكن أن تتجاوب مع مصالحه في سوريا والمنطقة، وانه من الداعمين الأساسيين لخط المقاومة، إلا إن موقف الحكومة الإيرانية لا يرتبط بسوريا ومصير الأسد فقط، بل يرتبط بوضعها الجديد بعد الاتفاق الدولي بشان ملفها النووي، والى ذلك تذهب اغلب التحليلات إلى أنّ الموقف الرسمي الإيراني من التسوية في سوريا يرتبط إلى حد كبير بالقوى الفاعلة في إيران، هل سيحدد التيار البراغماتي الذي يمثله الرئيس روحاني الموقف الإيراني لوحده أم سيستحوذ التيار الثوري الأيديولوجي على صياغة القرار لحل الأزمة في سوريا؟، أعتقد أن الحكومة الإيرانية ستبذل كل ما في وسعها لتجاوز حالة العزلة الإقليمية التي تحاول السعودية الآن فرضها من جديد وستحاول أيضا العودة إلى المجتمع الدولي من بوابة الصفقة النووية، هذه هي الأولوية الكبرى حاليا لطهران، حتى وان كانت إيران غير معنية كثيرا بالعلاقة المباشرة مع السعودية، لكنها تدرك مدى التأثير السعودي في المنطقة التي بدت ملامحه واضحة إذ إن (البحرين والسودان وجيبوتي يسحبون سفراءهم من طهران، الأردن والكويت وقطر يستدعون السفراء الإيرانيين)، ويمكن أن تتوسع الأمور إلى أكثر من ذلك.

3- إن اغلب الدول العربية غير راغبة في إثارة التوتر مع إيران، أو قطع العلاقات معها، فاغلب الدول العربية المهمة في المنطقة لها سياساتها الخاصة البعيدة عن السعودية، مثل مصر والجزائر والعراق، حتى دول الخليج العربية لم تكن موحدة ضد إيران، فباستثناء البحرين التي قطعت علاقاتها بإيران، علما إن علاقاتهما شبه مقطوعة منذ الانتفاضة في البحرين عام 2011، فان اغلب دول الخليج غير راغبة بزيادة التوتر مع إيران، خاصة وان بعضها لها علاقات اقتصادية قوية مع إيران مثل الإمارات وقطر والكويت التي اكتفت باستدعاء سفيرها فقط، وسياسية وأمنية مثل وعمان، كذلك ضغط العديد من هذه الدول على السعودية بعدم زيادة التوتر مع إيران خوفا على دخول المنطقة في مرحلة من عدم الاستقرار، لهذا فان السعودية تدرك خطورة الموقف في المنطقة.

4- أما روسيا، فتدافع عن آخر قواعدها في الشرق الأوسط، وهي قاعدة طرطوس في سوريا، وبالتالي فإن تحالفها مع بشار الأسد تحالف مصيري يرتبط بالمصالح الروسية، لذلك فان عقد صفقة مع واشنطن على ضمان مصالحها في المنطقة، فانه سوف يجعل من روسيا تقبل بالحلول السياسية في سوريا، وتقف ضد كل من يحاول عرقلة الحل في سوريا، حتى لو كان من اقرب حلفاءها وهو إيران.

5- ظهور أصوات من داخل التحالف الغربي في التأثير على المواقف السعودية الإيرانية من مسيرة التسوية في سوريا، وما ظهر منها تحديدا هو أصوات في أحزاب الائتلاف الحاكم والمعارضة في ألمانيا تعالت مطالبة بوقف توريد الأسلحة للرياض، وفي هذا الصدد، قال خبير شؤون التسليح في الحزب المسيحي الاجتماعي البافاري، هانز- بيتر أول، في تصريحات لصحيفة (أوغسبورغر ألغماينه) نقلتها وكالة الأنباء الألمانية "من البديهي إعادة التفكير الآن في مستقبل العلاقات مع السعودية، التي كانت تعتبر لفترة طويلة عامل استقرار في منطقة غير مستقرة"، رئيس الكتلة البرلمانية لحزب الخضر الألماني المعارض (أنطون هوفرايتر) طالب هو الآخر الحكومة الألمانية بمراجعة العلاقات مع السعودية وقال في تصريحات لصحيفة (نويه أوسنابروكر تسايتونغ) الألمانية " أنه لا يتعين على الحكومة الألمانية الاستمرار في دعم مثل هذا النظام الاستبدادي في الرياض"، كما إن هناك انتقادات واسعة في الصحف الأوربية لتصرفات ولي ولي العهد السعودي (محمد بن سلمان)، وان سياساته ستقود المنطقة إلى الفوضى.

6- إن جهود الأمم المتحدة منصبة على إيجاد حل للازمة في سوريا، فقد أعرب المبعوث الاممي إلى سوريا ستيفان دي ميستورا خلال زيارته للرياض وطهران قبل مؤتمر جنيف في 25 كانون الثاني عن عزمه العمل على ألا تؤثر التوترات الأخيرة التي طالت المنطقة سلبا علي حل الأزمة في سوريا وفقا لاتفاق فيينا أو على مسار الحل السياسي الذي تعمل الأمم المتحدة بجانب مجموعة الدعم الدولية على تحقيقه في جنيف قريبا.

على الرغم من التصعيد الظاهر في المواقف بين إيران والسعودية بعد إعدام الشيخ النمر، إلا إن كلا الطرفين يدركان خطورة الإقدام على مواجهة مفتوحة، فالعلاقات بين الطرفين لم تكن على أحسن حال قبل ألان، فالنظام السعودي كان ولا زال يريد إن يورط إيران في إحداث المنطقة بصورة مباشرة، ليثير عليها الدول الغربية، إلا انه في نفس الوقت يخشى الدخول في مواجهة مباشرة معها.

لقد مر الموقف الإيراني منذ إعدام النمر بمرحلتين: الأولى تصعيد إيراني واضح من أعلى مستويات الدولة، تزامن مع تصريحات من حلفاء إيران في لبنان وسوريا، وحتى من شخصيات سياسية في العراق، أما المرحلة الثانية فجاءت بعيد قطع الرياض لعلاقاتها الدبلوماسية مع إيران، في هذه المرحلة اختلفت النبرة الإيرانية وبدت الموضوعية السياسية تحكم السلوك الإيراني.

ثم تغير الرد الإيراني على هذه التطورات، وكان في غاية الذكاء، ويعكس مهارة اللاعب الإيراني، حيث قامت طهران فورا بسحب الذرائع التي سببت الأزمة (اقتحام السفارة)، ومحاولة إعادة الأمور إلى نصابها قبيل الانفجار السياسي الأخير، فكتبت رسالة اعتذار عن اقتحام السفارة والقنصلية إلى الأمم المتحدة، وتعهّدت بحماية البعثات الدبلوماسية، كما شجب الرئيس الإيراني، حسن روحاني، عملية الاقتحام، وطالب بمحاكمة سريعة للمشتبه بهم في اقتحام السفارة السعودية، وتم عزل نائب قائد شرطة طهران على خلفية الأحداث.

* باحث مشارك في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية
www.fcdrs.com

اضف تعليق