كل عام وأنتم بخير بمناسبة العام الميلادي الجديد، وكم يتمنى المرء أن يكون حال العرب أفضل وأكثر إشراقاً في العام الجديد مما كانت عليه في سابقه، وأن تجري الريح بما تشتهي السفن، ولكن لسوء الحظ لا يبدو أن الأوضاع سوف تسير نحو الأفضل على الأقل سياسياً.

مع رحيل عام 2014 ربما يجد المرء نفسه أمام تساؤل واستحقاق لحصاد العام السابق وهل سار فيه العالم العربي قدما نحو ما كان يبغيه ولا يزال من حرية وكرامة وعدالة اجتماعية أم أن المشهد لا يزال متكلساً عند حدود الشعارات لا يبارحها إلى تحقيق المنجزات التي تلقى قبولاً حقيقياً عند الشعوب العربية التي طال بها الانتظار؟

السؤال في حد ذاته مركب وليس بسيطاً، فعلام نتساءل على وجه التحديد؟ هل عن رفعة شأن المواطن العربي في وطنه، وعلو ثمنه في عيون العالم، وارتفاع قدره لدى الدول الأجنبية؟ أم نتساءل عن ما أطلق عليه ثورات الربيع العربي، والذي تكاد تمر عليه أربع سنوات هذه الأيام دون حصاد حقيقي، اللهم إلا المزيد من تقسيم المقسم وتجزئة المجزأ؟

لعله أكثر الأعوام وضوحاً في ما رتبه من متغيرات وما سيترتب عليه من نتائج، فعام 2014 كان فاجعة عربية بكل ما في الكلمة من معنى... كان تذكرة بأن العرب مشكلة إن ناموا ومشكلة أدهى إن قاموا... النوم وسيلتهم الوحيدة لاستئجار الذات في منابع العالم، وعندما يصحون تكون العلل قد ركبتهم والآخر قد اخترق جلودهم وأفكارهم وعقولهم، وثبت حتى الآن بما لا يقبل الشك، أن الدول العربية التي غيرت رئيسها أو نظامها إن أحسن التعبير، ما زالت في طور التقاتل الذاتي كما في ليبيا التي قد لا يهدأ فيها قتال أهل السلاح، أو في طور البحث عن عقول تدير السلطة بما هي معنى السلطة من مقومات وإدارة ومؤسسات ومشاريع وأمن وغيره.

إنه عام التعذيب الشعبي الذي اتخذ شكلا درامياً سيتجاوز بمئات المرات أي ملحمة قد تكتب عن عام بلغ فيه الضجيج أقصاه، ووصلت الحرائق فيه إلى النفوس قبل أن تبلغ أي مكان آخر، وأن هذه النفوس التي تستعيد اليوم أنفاسها ستجد نفسها بعد مدة ليست بقصيرة أن ما دفعته من أجل غدها وما وعدت به لم يحصل وقد لا يحصل، حيث جميع العوامل تؤكد المسيرة السائرة نحو غايات مختلفة، لأن من خطط وموَّل أراد شيئاً آخر لتلك الشعوب المسكينة التي صدقت الدعوات، بعدما اخترقها الإعلام مثل رصاصة مرت قرب الرأس لم تقتل صاحبه لكنها خلخلته.

فمن بلاد الشام إلى بلاد الروهينقا، مروراً بالعراق وأفغانستان وفلسطين ولبنان وسوريا واليمن ومصر وليبيا وتونس... يغص المشهد بألوان الدم والدخان، وبالقتل والحرائق وبيارق الفرق المتناحرة... وتضج الأنفس بالشكوى من أشكال الظلم والقهر والجوع والرعب، ومن انحطاط أخذ يتفشى ويتفتق عن مكائد وسموم في سياسات وكتابات ووسائل إعلام بلغ بعضُها درجات من التحلل والانحلال والتهافت والتهالك على الصغائر والمهالك...

وربما يكون مفيداً أن نقول: إن الذين ركبوا قطار الربيع قادمين من تونس فمصر فليبيا، فاليمن فسوريا، كانوا جميعاً في قطار واحد. هذا صحيح لكن لم يكن الجميع على هدف واحد، ومن مرجعية واحدة، ومن أمة واحدة، ولذلك جاؤوا على قطار لعبة الأمم بأمتهم، وأهداف الأعداء بثروات بلادهم، وموقعها الجيوإستراتيجي وهكذا فقد كانوا مرتهنين لمن يقود القطار وليس بإمكانهم أن يفعلوا غير ما يؤمرون.

واليوم، فالخراب الذي ينتشر في دول ما يسمى الربيع العربي يوضح أن ما شهدته وتشهده ليس بثورات وإنما تآمر مفضوح يهدف إلى تهديم المجتمعات العربية وتفكيك روابطها، والعودة بها إلى الدرك الأسفل من مراحل تطور البشرية، ومن ثم تكريس الاستباحة الأمريكية والإسرائيلية، سياسياً واقتصادياً وعسكرياً.

وضوح العام الذي مر يأخذنا إلى مرحلة أخرى، أعتقد أنها تخطت الممولين والمخططين والمراهنين، وهو أن قادة سقطوا لكن شعوباً لم تسقط، فهل المطلوب في مرحلة لاحقة إسقاط الشعوب كي نأمن التاريخ بكل أبعاده المقبلة، ثم إن هنالك قادة وشعوباً لم يسقطوا، فهل بإمكانهم إسقاط التاريخ والحاضر والمستقبل؟ هل يمكن الاعتداء على التاريخ كي نسقطهم جميعاً لتحقيق غاية أو غايات؟

ولعل المتابع الجيد لأحوال العالم العربي منذ نهايات 2010 وتحديداً في أغسطس منه، عندما صدر أمر تنفيذي عال، وعلى أعلى المستويات من الرئيس الأمريكي باراك أوباما لكافة الإدارات الأمريكية باليقظة والانتباه لجهة ما سيجري في العالم العربي والشرق الأوسط، يستدعي علامة استفهام من عينة: هل بدأ بالفعل زمن تقسيم أو إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط والعالم العربي فيما اصطلح على تسميته سايكس بيكو 2؟

بمعنى هل العالم العربي يسير إلى تقسيم جديد سيمتد ويتبلور بشكل ما ولو جزئياً في الأعوام القادمة؟

عند الكثير من المفكرين الليبراليين العرب، أن الأمر ليس إلا حديث المؤامرة الذي يدور في المخيال العربي منذ زمان طويل، لكن الوثائق تقول بعكس ذلك... هل أتاك حديث برنارد لويس لتقسيم العالم العربي ووثيقته الشهيرة؟

في عام 1980 والحرب العراقية الإيرانية مستعرة، صرح مستشار الأمن القومي الأمريكي بريجنسكي بقوله: إن المعضلة التي ستعاني منها الولايات المتحدة من الآن (1980م) هي كيف يمكن تنشيط حرب خليجية ثانية تقوم على هامش الخليجية الأولي التي حدثت بين العراق وإيران وتركيا وأفغانستان... وباكستان والسعودية ودول الخليج ودول الشمال الأفريقي... وتفتيت كل منها إلى مجموعة من الكانتونات والدويلات العرقية والدينية والمذهبية والطائفية، وقد أرفق بمشروعه المفصل مجموعة من الخرائط المرسومة تحت إشرافه تشمل جميع الدول العربية الإسلامية المرشحة للتفتيت بوحي من مضمون تصريح بريجنسكي الخاص بتسعير حرب خليجية ثانية تستطيع الولايات المتحدة الأمريكية من خلالها تصحيح حدود سايكس بيكو، بحيث يكون هذا التصحيح متسقاً مع المصالح الإسرائيلية الأمريكية.

والشاهد أن هناك الكثير من الإشارات والدلالات التي تؤكد أنه في عام 1983، وافق الكونجرس الأمريكي بالإجماع في جلسة سرية على مشروع الدكتور برنارد لويس المعروف بأنه ربيب الاستخبارات البريطانية، والذي يحمل عداء شديداً لا يوفر أن يخفيه أو تخفيه قراءاته وكتبه ومحاضراته حول العالم، وبذلك تم تقنين هذا المشروع واعتماده وإدراجه في ملفات السياسة الأمريكية الاستراتيجية لسنوات مقبلة... هل هذا الحديث أضغاث أحلام؟

عبر صفحات الشبكة العنكبوتية الانترنت يجد المرء نسخاً من تلك الخرائط تحت عنوان إعادة رسم الشرق الأوسط، والمثير أنها تتسق مع ما تجري به الأحداث في العراق من تفكيك على أسس عرقية ودينية ومذهبية على النحو الذي حدث في سوريا في عهد العثمانيين، وذلك عبر ثلاث دويلات، دويلة شيعية في الجنوب حول البصرة، ودويلة سنية في وسط العراق حول بغداد، ودويلة كردية في الشمال والشمال الشرقي حول الموصل (كردستان) تقوم على أجزاء من الأراضي العراقية والإيرانية والسورية والتركية بل والسوفيتية (سابقاً).

إن ما يجري هو خطة لويس شكلا وموضوعاً بل أن ما جري في عام 2007 في مجلس الشيوخ الأمريكي، أكد للعالم من أدناه إلى أقصاه أن مخطط التقسيم ماض على قدم وساق وأن الأمر ليس إلا أدوار مرتبة على الأجندة العالمية ورأس رمحها الولايات المتحدة الأمريكية... ما الذي حدث على نحو التحديد؟

الذي جرى أنه في 29/9/2007 صوت مجلس الشيوخ الأمريكي كشرط انسحاب القوات الأمريكية من العراق، على تقسيم بلد الرشيد إلى الثلاث دويلات المذكورة أعلاه، وطالب مسعود البرزاني بعمل استفتاء لتقرير مصير إقليم كردستان العراق، واعتبار عاصمته محافظة كركوك الغنية بالنفط محافظة كردية، ونال مباركة عراقية أمريكية في أكتوبر 2010، والمعروف أن دستور بريمر وحلفاءه من العراقيين قد أقر الفيدرالية التي تشمل الدويلات الثلاث على أسس طائفية، شيعية في الجنوب، سنية في الوسط، كردية في الشمال، عقب احتلال العراق في مارس ـ إبريل 2003.

عام 2014 كان في غاية الوضوح بحيث تجلى فيه من يخطط، ومن يدفع المال، ومن يراهن، ومن يفترض سقوطه... فالذين دفعوا وما زالوا الأموال على إسقاط الأنظمة، حجبوا بكل أسف ولو جزءا منها عن إمكانية التنمية في العالم العربي... والذين خططوا، هم من كانت لديهم الأفكار القديمة باغتيال العالم العربي في كل مرة تنمو فيه رغبة في التغيير، إعطاؤه جرعة من التغيير لكن تحت الكنترول.

وليس من الغريب أن تبدو السياسات الصهيوأميركية الدافعة لأعراب الجنسية المعنيين واضحة، فالسياسة لا تزال هي السياسة، والعمالة عند الأعراب لا تزال هي العمالة، وتشعر أمام هكذا واقع، أن عالمنا العربي على الخصوص وبعض جواره الإسلامي لم يعد فيه سوى هذه المستويات المتدنية من السقم الفكري والسفاهة اللفظية والانحدار ورسوم الأدعياء وعملقة الدعاة من كل نوع: من دعاة الحروب المذهبية والطائفية والعرقية إلى دعاة الاستعمار والصهيونية والحزبيات الضيقة والأيديولوجيات الغريبة المريبة، ومن دعاة الشرذمة والتقسيم السكاني والجغرافي، والفيدراليات السياسية الهزلية... وكل من ذلك وأولئك يعيدنا عهود ـ ما قبل عقلانية وما قبل جاهلية وما قبل حضارية..؟! .

وهذا السطح الذي يظهر للعالمين اليوم ويتلامع ربما دل على قمة جبل الجليد من مآسينا المتعددة الألوان والأسباب، وعلى عمق الانحطاط والانحلال والانفلات الذي بلغناه وأوصلتنا إليه سياسات ومؤامرات ومصالح وثقافات ووسائل إعلام ومشيخات ودعاة.

أما المراهنون فهم الصامتون الذين لا نفهم منهم إذا كانوا يقبلون بدور الممولين على المديين القريب والبعيد، ولكن، يجب التنبه له، أن الولايات المتحدة وكل أذرعها الإسرائيلية والغربية، لا تقبل نظاماً له كل هذه المهمات كي يخرج بأقوى مما تتحمل المنطقة مع أنه أصغر من خرم إبرة.

لقد كان الدور الغربي حاسماً في تسريع وتيرة الفوضى حيث وجد من الناحية الاجتماعية أو ما يعرف بالمجتمع المدني الذي كانت مكوناته يملأ أفئدتها الحنق والغضب من مظاهر الظلم والفساد، وتركز الثروة بيد طبقة وسيطرة ذوي السلطة والمناصب على مقدرات الدولة وثرواتها، وجد البيئة خصبة والطريق مفتوحاً ليضع رجله على دواسة الوقود حتى آخرها، نتج عنها بروز أحزاب وجماعات كانت تنتظر مثل هذه اللحظة التاريخية لتتسيد المشهد الذي ملامحه الحالية تؤكد أنه مشهد مرسوم منذ البداية ليكون القادمون الجدد أو المتسيدون للمشهد هم الرقم الصعب في معادلة تحقيق الأهداف من الفوضى الخلاقة، سواء كان هؤلاء القادمون الجدد أو الراكبون لموجة الأحداث مدركين أو مغيبي الوعي أنهم تقع عليهم التزامات يجب الوفاء كضريبة لحالة التمكين.

مضى عام 2014، وبقي لنا ما نحن فيه، وما علينا أن نتجرع صابه ونعاني عذابه، نسوّغ حلوه ومره، فمر حلو بذوق فريق وحلوه مر بذوق آخر، ومصائب قوم عند قوم فوائد؟!

وهكذا هم الخلق في الحروب يتساقون كؤوس الردى ويتبادلون سداد ثارات الدم والأيام دول يوم لك ويوم عليك... ولكنها بمجملها أيام ترتد علينا نحن العرب والمسلمين وبالاً وضعفاً ونكالاً، وترتد كذلك على بلداننا وأمتنا الإسلامية وعلى الدين الإسلام، وعلى القيم وما قد يتبقى للأجيال العربية القادمة على الخصوص من وجود وحقوق وأمل.

لكن ماذا عن عام 2015؟

بحسب قراءة المشهد العالمي يخشى المرء أن يكون حاملا معه خسائر استراتيجية للعرب المنقسمين على أنفسهم، وعلى عدد كبير من دولهم المهددة من داخلها بانفصالات عرقية وطائفية قاتلة، ثم إن السلعة الاستراتيجية الأهم لديهم أي النفط لم تعد ـ في الأمد المتوسط والبعيد على الأقل ـ لها ذات المكانة التي كانت قبل ستة عقود.

هل يستدعي الأمر تنادياً عربياً من المحيط إلى الخليج، أم أن رياح التغيير قادتنا في ضبابيتها إلى حيث لا نريد الذهاب عوضاً عن التئام الشمل وتدبر الأمر في مواجهة الأسوأ الذي لم يأت بعده.

وإذا كان لنا أن نطمع في التمنيات ونحن نستقبل العام الجديد، فلنا أن نقف عند التمني الذي يحرر الأسرى الفلسطينيين، ويعيد الياسمين إلى دمشق، ويزيل كآبة الشحة والضمور من أنهار دجلة والليطاني والنيل وكل الأنهار العربية التي بدأت تشيخ جفافاً، وأن تكون تونس خضراء بالعفوية والانسجام، وأن يجد لبنان طريقه إلى وحدة وطنية بعيدة عن الإقصاء السياسي، وأن يعرف العراق اتجاهاً واضحاً للديمقراطية، لا يكون بالضرورة قائماً على زحام الأحزاب والكيانات المتشرذمة.

..........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق