بعد الرد العنيف على عملية (طوفان الأقصى) والدمار الذي الحقته الآلة العسكرية الإسرائيليَّة بغزة، وأمام الصور الإنسانية التي تدمي القلب، علا صوت الكثيرين من العرب والمسلمين لنصرة الشعب الفلسطيني، منددين بالحكام لـ (تخاذلهم) وعدم دخولهم الحرب إلى جانب مقاتلي حماس! وراح بعض الفنانين ورسامي الكاريكاتير يوثّقون لهذا (التخاذل) برسومات مختلفة زادت من حماسة الشارع، الذي لا يعرف أغلبه لعبة السياسة وقراءة التوازنات الدولية، وكيفية التعامل مع هكذا ازمات معقدة.. بالمقابل كان الإعلام الرسمي للدول العربية، بقدر ما اظهر من تعاطف مع الشعب الفلسطيني، أبقى على مسافة بينه وبين الشارع المنفعل، وجاءت ردود الفعل الرسمية تستحضر الواقعية السياسية وتقرأ الحدث بعين مختلفة من دون أن تعلن عن موقفها غير المرحب بعملية حماس، والتي استثمرها اليمين المتطرف في إسرائيل بطريقة تجاوزت كل التوقعات.

الدرس المستخلص من كل ما جرى، هو أن غياب وحدة القرار السياسي الفلسطيني، نتيجة لرؤية حماس، التي تختلف مع السلطة الفلسطينيَّة المعترف بها دوليا والممثلة بالأمم المتحدة والجامعة العربية ومنظمة التعاون الاسلامي وغيرها، واستمرار الخلاف الذي بلغ ذروته في العام 2005 حين اقتحم عناصر حماس مبنى الأمن الوقائي الفلسطيني في غزة واعتقلوا عناصره الذين يدينون بالولاء للسلطة الشرعية في (رام الله)، لينفردوا بعد ذلك بحكم قطاع غزة، كرّس الانقسام ووضع القضية الفلسطينية امام مفترق طرق.. فحماس صارت تتخذ قرارات الحرب وغيرها وتتعامل اقتصاديا مع الدول الاخرى، وتقيم العلاقات معها بعيدا عن السلطة الفلسطينية، ما جعل غزة اشبه بإمارة اسلامية مستقلة، كون القوى الماسكة للسلطة فيها تتشكل من فصائل اسلامية اكبرها حركة المقاومة الاسلامية، التي يشار اليها اختزالا بـ (حماس).

السلطة الفلسطينية ظلت تعلن بعد كل عملية ضد إسرائيل تقوم بها حماس والفصائل التي معها في غزة، بأنها غير مسؤولة عنها، ما جعل إسرائيل تتعامل مع حماس وحكومتها في غزة على أنها لا تمثل الشعب الفلسطيني، كونها ليست جزءا من سلطة القرار الشرعي الفلسطيني، الذي يتبادل الاعتراف مع إسرائيل مع وجود خلافات على الحدود، ما زالت قيد النشاط السياسي والدبلوماسي العربي والاسلامي والأممي، بلحاظ تعنّت إسرائيل وتحديدا اليمين الديني المتشدد الذي ظل يستثمر مشاعر الناس هناك، ويتقرّب منهم مستثمرا خطاب حماس ومشروعها الساعي لمحو إسرائيل وتحرير كامل الاراضي الفلسطينية!

بقي الأمر معلقا حتى وصلت الأمور إلى ما وصلت اليه بعد عملية (طوفان الاقصى) يوم 7 تشرين أول من العام 2023، والتي تحولت إلى طوفان من الدم الفلسطيني، ووضعت الجميع امام استحقاقات حاسمة، فلا الحكومات العربية قادرة على اتخاذ قرار الحرب لغياب الغطاء السياسي الكافي بعد اعترافها بإسرائيل في مؤتمر مدريد العام 1991 واعتراف الفلسطينيين اللاحق بها والتفاهمات والاتفاقيات التي عقدوها مع الجانب الإسرائيلي، ولا الفلسطينيون موحدون ليحرجوها امام العالم، سياسيا، في الاقل.

الخلاصة، ان قرار الحرب ليس بالسهولة التي يتصورها العرب والمسلمون المتعاطفون مع الشعب الفلسطيني المظلوم، لأن وقوف القوى الكبرى وفي مقدمتها أميركا وأوروبا مع إسرائيل، يجعل تداعيات ذلك قاسية على اية دولة تتخذ قرار المواجهة العسكرية مع إسرائيل .. الدرس الفلسطيني القاسي هذا يجب ان تستفيد منه الدول العربية الاخرى، التي تنقسم فيها القوى السياسية وتنشئ كل منها ميليشيا مسلحة تدعمها، لأن النتيجة ضياع الدول والشعوب معا!

اضف تعليق