آراء وافكار - مقالات الكتاب

حرب الثقافات أين نمضي؟

فلسفة المثلية وتفسير (الميمية)

حاولت في الحلقات الثمانية السابقة تقديم تفسيرات واجابات علمية محايدة لعدد من الاسئلة التي تدور في أذهان الكثيرين عن أبعاد ما أسميته بالظاهرة الميمية، وسر قوتها وبروزها انتشارها السريعَين، ومن هي الجهات الني تدعم الحركات المناصرة لهذه الظاهرة وأسباب دعمها، سأخصص الحلقات القادمة للاجابة على سؤال كثير ما يطرح اليوم وهو: هل هناك مؤامرة عالمية على ثقافة العالم الاجتماعية...

حاولت في الحلقات الثمانية السابقة تقديم تفسيرات واجابات علمية محايدة لعدد من الاسئلة التي تدور في أذهان الكثيرين عن أبعاد ما أسميته بالظاهرة الميمية، وسر قوتها وبروزها انتشارها السريعَين، ومن هي الجهات الني تدعم الحركات المناصرة لهذه الظاهرة وأسباب دعمها.

سأخصص الحلقات القادمة للاجابة على سؤال كثير ما يطرح اليوم وهو: هل هناك مؤامرة عالمية على ثقافة العالم الاجتماعية، وبخاصة على مجتمعاتنا؟ بصراحة تامة فقد كنت أحد الميّالين للاجابة بنعم عن هذا السؤال ولذلك اصطحبت القارىء معي عبر هذه السلسلة من المقالات لنصل الى اجابة موضوعية لهذا التساؤل.

والحق فأن هذا التساؤل ليس مطروحاً عندنا فقط، بل أنه مطروح وبقوة في كل أنحاء العالم حتى تلك التي تتمتع بها (الميمية) بقوة ونفوذ ينافسان قوة ونفوذ أقوى اللوبيات في العالم. لقد قرأت كثير من المقالات (بالانكليزية) التي تتحدث عن مؤامرة عالمية (شيطانية) ضد القيم والمجتمعات والأديان تريد ضرب كل التقاليد والمعايير الاجتماعية التي تبنتها المجتمعات الى الآن.

مع ذلك فقد فشلت كل تلك المقالات والنظريات التي تبنتها عن تقديم دليل علمي على وجود مثل هذه المؤامرة ومن يقف ورائها، أو على الأقل لم أقتنع شخصياً بموضوعية تلك الأدلة. من جانب آخر فلا يمكن أنكار وجود حركة اجتماعية-سياسية-اقتصادية- فكرية داعمة بقوة لهذا التوجه الانساني.

ان قوة الحركة وتنظيمها وتمويلها وزخمها، كما تم عرضه هنا، لا تدع مجال للشك بأن هناك من له على الأقل مصلحة جدية في رعايتها ودفعها نحو آفاق جديدة. ففي الوقت الذي لم ينمو تمويل كل المنظمات غير الحكومية في أمريكا بأكثر من 50 بالمئة خلال العشرين سنة الماضية، فأن تمويل المنظمات الداعمة للمجاميع الميمية زاد بمعدل 400 بالمئة خلال نفس المدة!

ان تفسير المؤامرة هو أريح وأسهل التفسيرات التي يمكن تقديمها لمعالجة الظاهرة الميمية، كما أنه تفسير شعبوي رائج يتفق مع كثير من المؤامرات الموصوفة تاريخياً. ان مراجعة بسيطة لتاريخ المؤامرات في العالم سيظهر بوضوح أن هناك كثير من نظريات المؤامرة التي كانت تروج خلال كل فترة من فترات التغير الاجتماعي والتكنولوجي.

مثلا، يقول مدير المركز الوطني للفضاء في أمريكا أن هناك على الأقل 5 نظريات مؤامرة تم تداولها وتبنيها خلال الخمسين سنة الماضية عن زيف حقيقة الوصول للقمر. وفي التسعينات راجت كثير من نظريات المؤامرة بخصوص مجموعة النخب الاقتصادية، أو الدول الامبريالية التي تقف وراء ظهور وانتشار العولمة.

وفي العراق مثلاً ذكر علماء الاجتماع ما كان يشاع من مؤامرة ضد الدين بسبب دخول نظام التعليم بالمدارس ثم من بعد ذلك بسبب فتح مدارس للبنات. لكن يجب التشديد هنا أن هذا لا يعني أن (الميمية) هي نتاج تطور اقتصادي أو سياسي أو اجتماعي أو تكنولوجي، بقدر ما هي أحد افرازات التغيير الذي فرضته التكنولوجيا على مجتمعاتنا.

وقبل أن أتوسع في هذا المفهوم، لا بد أن أجيب عن سؤال قد يرد في أذهان الكثيرين وهو: أذا لم تكن هناك مؤامرة على الثقافات الاجتماعية الانسانية بضمنها الأديان والقيم والمُثُل والمعايير الاجتماعية التي تبناها البشر في مختلف مجتمعاتهم، واذا لم تكن هناك مؤامرة لفناء البشرية عن طريق منع التكاثر المبني على ارتباط الرجل بالمرأة، فما هي الأسباب التي تقف وراء هذا التنامي الذي وصفته لقوة الظاهرة الميمية؟

ان النفعية pragmatism، بشتى تعريفاتها ومفاهيمها وصورها، هي التي تقف وراء هذه الثقافة الاجتماعية الجديدة، نعم، ان الميمية كما وصفتها تفصيلاً في الحلقتين الأوليين من هذه السلسلة تمثل مُنتَجاً مغرياً يمكن اقتناءه للترويج للحداثة والتحرر بكل ما يمكن أن يحمل ذلك من سمات ايجابية مرغوبة كالعدالة الاجتماعية، وعدم التمييز والتطور.

ان تبني مفاهيم الميمية ودعمها بات كارتداء أحدث الملابس واقتناء أحدث التكنولوجيا في الاتصالات دلالة على تحضّر الشخص وتطوره. هنا لا بد للاشارة الى مثل مهم جداً يمكن أن يعكس هذه المقاربة بين الحداثة وبين الميمية حدث في اسرائيل قبل ثلاث سنوات ويعكس قدرة هذه الحركة على لعب دور الرسالة المرغوب أرسالها للآخرين.

هذا المثال يمكن أن يبرز ما أسميه التخادم بين الميمية والداعمين لها والذين قد لا يؤمنون بأهدافها أو متبنياتها بالضرورة.

فلسفة المثلية

مثل أي حركة اجتماعية جديدة تحاول المثلية ومجتمعها الأوسع (الميميون) أيجاد مقاربة فلسفية-أخلاقية تدعم توجهاتهم الفكرية وتبرر سلوكياتهم الاجتماعية. ولكي نفهم فلسفة الميميين لا بد أولا من فهم فلسفة الرافضين لهم. تستند فلسفة الرافضين للحركات الميمية الى ما يسمى بالقانون الطبيعي natural low التي أستند لها أفلاطون في كل كتاباته بخصوص المثلية إذ هناك ذكر وأنثى فقط في هذه الطبيعة.

بالتالي لا وجود لأي مثلية كون الاختلاف (لا التماثل) الجنسي هو الطبيعي وهو الذي يديم الحياة. بمعنى أن التماثل (او المثلية) هي حالة غير طبيعية ناتجة عن خلل أو مرض. وقد أيد أرسطو ذلك معتبراً الأنسان جزء من الطبيعة التي لا يوجد فيها سوى الذكر والأنثى. ثم جاء توماس الاكويني في القرن 13 ليضيف للقانون الطبيعي بعداً توكيدياً يفيد بأن الوظيفة الأساسية لأي عمل جنسي هو التكاثر. هذه الاضافة جعلت الزواج المثلي محرم دينياً حتى لو كان هذا الزواج (كما يدعي مؤيدو المثلية) مؤطراً بالحب والعاطفة لأنه غير قادر على الأنجاب. هذا القانون الطبيعي هو الذي أستند له منطق المدرسة الجوهرية essentialism في الاجتماع والتي أناطت أدوار اجتماعية معينة لكل من الجنسين وأن هذه الأدوار والقيم والعادات يجب تناقلها وتعليمها للأجيال.

فمثلاً، تقسيم العمل على أساس ان الرجل هو المسؤول عن العمل خارج المنزل والقيام بالصيد أو الزراعة أو سواها من الاعمال المدرّة للدخل، مقابل تفرغ المرأة للانجاب ورعاية الأسرة والقيام بالأعمال المنزلية، هو توزيع لادوار اجتماعية فرضتها ثقافة المجتمع كما يعتقد منتقدو الجوهرية.

من هنا فقد جاء الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو Paul-Michel Foucault في النصف الثاني من القرن العشرين ليضع ما سمي فيما بعد بنظرية البناء الاجتماعي، ولينتقد بشدة في كتابه الموسوم تاريخ الجنسنة The history of sexuality هذا التوزيع الاجتماعي للأدوار ويعتقد أنه توزيع لا يستند سوى للتاريخ والثقافة الاجتماعية، وأن المجتمعات الغربية لم تعرفه الا في فترات ليست بعيدة (بعد القرن السابع عشر) نتيجة تطور الرأسمالية والبورجوازية التي استفادت من هذا التوزيع غير المنصف للأدوار الاجتماعية بين المرأة والرجل.

وقد دعا فوكو والذي توفي بالايدز عام 1984 الى حرية الحديث والممارسات الجنسية لانها تقود للمتعة والسعادة البشرية، بعيداً عن ما أسماه الكبت الجنسي الذي مارسته المجتمعات الغربية من خلال الكنيسة والقوانين.

يجادل فوكو وأنصاره (من الميميين) بأن المتعة هي الاساس في الارتباط بين البشر وبغض النظر عن الدور المطلوب منهم أجتماعياً نتيجة هذه الزيجة. فالزواج بعكس ما قاله الراهب توما الاكويني ليس وظيفته الانجاب وانما اقامة رابطة من الحب والمتعة بين الزوجين!! بالتالي فأن جنس الانسان كما هو مفروض وشائع الآن هو بناء اجتماعي وليس موروثات طبيعية.

هذا البناء الاجتماعي تم بناءه وتطويره ورعايته وفقاً لما أتفق عليه المجتمع وليس وفقاً لما يشعر به الفرد أو وُلد به. وأن المثليين ولدوا بخصائص مثلية طبيعية. وهنا نجد التشابه بين هذه الفلسفة التبريرية للمثلية وبين منطق الفلسفة الجبرية التي تعتقد أيضاً أن كل شيء مخلوق وفق ارادة الله وليس للانسان حرية الخيار فيه.

كما ظهرت مؤخراً فلسفة جديدة سميت ما بعد الانسانية Post Humanism والتي تنتقد كل الثنائيات التي ارتكزت لها الفلسفات القديمة مثل (الانسان والطبيعة أو الانسان والثقافة أو الانسان والآخر…الخ). هذه الثنائيات كما يعتقد (الماورائيون) تقوم على الاختلاف وليس التماثل في حين يدعون هم الى التماثل أو الاندماج بين الانسان والطبيعة أو المحيط.

هذه الفلسفة تنتقد سيطرة الأنسان على الطبيعة واستغلالها لصالحه وتدعو لاشكال تكاملية جديدة من العلاقات بين الأنسان وكل ما يحيط به (حتى التكنولوجيا) وبالتالي فأن اندماج الانسان مع الذكاء الصناعي وخلق أنماط جديدة من الكائنات يعد أمراً مرحباً به.

لقد سارع دعاة الميمية الى تبني هذه الفلسفة لأنها تخدم طرحهم القائم على عدم وجود اختلافات طبيعية بين الجنسين وأن هناك أجناس أخرى (كالمثليين) يمكن تقبلهم.

لم يكن الهدف من هذه الحلقة سوى القاء بعض الضوء على الفلسفة التبريرية للمثلية حتى وأن كنا لا نتفق معها. وأعترف أن الموضوع أكثر تعقيداً مما طرح هما لكن هذا ما يمكن تناوله في مقال موجه للعامة وليس للاختصاصيين.

لذا أستميح القارىء عذراً على هذا الاختصار الذي قد يكون مخل بالمعنى أحياناً لكني أردت التمهيد للفكرة التي سأناقشها في الحلقات القادمة بخصوص تفسيري لهذا التسارع في الترويج للميميين وهذه القوة التي تقف وراء هذا التسارع والترويج.

علاقة تجارية

في الحلقة السابقة، وفي سياق تفسيري للظاهرة الميمية قلت أنها باتت مثل العلامة التجارية Brand name التي تمثل منتَجاً مغرياً يمكن اقتناءه من قبل كل من يريد أن يتصف بالحداثة وعدم التمييز والتطور والليبرالية وسواها من السمات الايجابية المحببة حالياً.

لذلك فأن الكثيرين (وبضمنهم شركات ومنظمات كبرى) يهمهم أن توصف منظماتهم بأنها داعمة للمثلية أو مجموعتها الاوسع (الميمية). لا بل أني ذكرت في حلقات سابقة أن هناك كثير من الأبحاث المنشورة الآن ومن مراكز علمية مشهورة تقول بوجود علاقة بين تفوق الشخص وبين كونه(ميمي)، أو بين نجاح الشركة وربحيتها وبين تبنيها لسياسات داعمة للميمية.

وأمتد الموضوع للسياسة حتى نشرت صحيفة الغارديان Guardian مثلاً في 2010 مقالاً للكاتبة بوار Puar ذكرت فيه أنه بعد تبني دول الغرب لمفهوم حقوق المرأة كمعيار أساسي للحكم على تطور الدول ومساعدتها.

فقد تم الآن تبني مفهوم جديد للحكم على الدول هو احتضان الدولة State Pinkwashing للمثلية (تحديداً وبغض النظر عن احتضان مجاميع الميم الأخرى). وصار على الدول ان تثبت أنها من مناصري المثلية كي يحكم عليها بالحداثة والتطور وعدم التخلف.

وهناك مثل سياسي واضح لهذا الادعاء هو ما قامت به جهات في (اسرائيل) لغرض ما أسماه أحد الباحثين في رسالته لنيل الماجستير من أحدى الجامعات الايطالية بالاحتضان الاسرائيلي Israeli Pinkwashing كاستراتيجية تتبناها الدولة في المجال العالمي. ففي مقال رأي نشر في النيويورك تايمز في نوفمبر 2011 دعت ساره شولمان Sarah Schulman أسرائيل الى تبني هذا المصطلح والترويج له كدليل مضاف على أن اسرائيل هي واحة للحداثة والتطور في وسط غابة من الوحوش الذين يضطهدون النساء ويقتلون المثليين.

ونقلت خطاب نتنياهو في مايس من تلك السنة أمام الكونغرس الأمريكي والذي قال فيه “اننا نعيش في شرق أوسط ترجم فيه النساء ويشنق فيه المثليين ويضطهد فيه المسيحيين”، ولغرض تحقيق هذه الاستراتيجية فقد تم تبني حملة علاقات عامة تبنتها منظمات الدفاع عن المثليين تم خلالها صرف مبلغ 90 مليون دولار للترويج لمدينة تل أبيب بأنها “مدينة الاجازات للمثليين في العالم”. كما شجعت الدولة هناك على الترويج لواج المثليين بل أنها أنتجت فلماً تحت عنوان “رجال اسرائيل” يروج للمثلية وتم تصويره في أحدى القرى الفلسطينية السابقة بحيث تكون الرسالة واضحة (نطهر هذه الأراضي من العرب الهمج لكي نقيم عليها واحات للحداثة والتطور).

واضح أذأً أن هناك محاولة لجعل الميميين تعبير خالص عن الحداثة والليبرالية والتطور. وعلى الرغم من ضرورة التأكيد أن كثير من الليبراليين في الغرب يرفضون هذا الربط التسويقي بين مفاهيم التطور والحداثة والليبرالية وبين مفهوم المثلية لكن يجب الاعتراف أن الحملة التي قادتها المنظمات المدافعة عن هذه الظاهرة كانت ناجحة جداً في فرض هذا الربط في أذهان المتلقين وهو ما سبق أن أشرت له في الحلقة الرابعة من هذه السلسلة.

ولأن الاستثمار في النجاح هو أحد مبادىء التسويق الناجح فقد تبنت كثير من الدول والمنظمات والشركات في العالم شعارات الدفاع عن المثلية، ليس بالضرورة لأنها تخدمها، بل لأنها بالضرورة ترسل رسائل ايجابية مرغوبة للمتعاملين مع تلك المنظمات والشركات وبالتالي تجعلها عضو مشارك في العوائد الناجمة عن هذه الممارسات بما يدر عليها أرباحاً كبيرة سواء بشكل أموال نقدية أو فوائد وعوائد أخرى.

أنه تجسيد حي لما يسمى في علم النفس بنظرية العزو attribution theory حيث يقوم الادراك الانساني بالوصول الى استنتاجات أو أحكام سببية يعزو فيها حصول أحداث معينة (كالنجاح او الفشل) الى أسباب معينة، وهي الميمية في حالتنا هذه.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق