أعادت الحرب الروسية - الأوكرانية، النقاش حول مفهوم «الحرب الإلكترونية»، التي شهدت تطوراً كبيراً خلال العقود الأخيرة. وبيّنت وقائع الحرب الجوانب غير المرئية والقدرات غير المنظورة في الحروب الحديثة أهمية ذلك، وهو ما اعتمد عليه الطرفان علماً بأن هذا الاستخدام ظلّ خارج دائرة الضوء، وبعيداً عن التغطية الإعلامية...

أعادت الحرب الروسية - الأوكرانية، النقاش حول مفهوم «الحرب الإلكترونية»، التي شهدت تطوراً كبيراً خلال العقود الأخيرة. وبيّنت وقائع الحرب الجوانب غير المرئية والقدرات غير المنظورة في الحروب الحديثة أهمية ذلك، وهو ما اعتمد عليه الطرفان علماً بأن هذا الاستخدام ظلّ خارج دائرة الضوء، وبعيداً عن التغطية الإعلامية.

وإذا كانت استخدامات الحرب الإلكترونية محدودة ومقتصرة على الدول الكبرى في الماضي، فإن القوّة الإلكترونية اليوم لدى دول صغيرة، جعلتها تبدو بقدرات أكبر على ممارسة نفوذها عبر استراتيجيات «القوّة الإلكترونية»، بما يُعدّ تطوراً في الحروب من جهة، وفي العلاقات الدولية من جهة أخرى، خصوصاً ما يُطلق عليه القوّة الناعمة.

والحرب الإلكترونية هي حرب افتراضية أو تخيّلية، تتلخّص أدواتها بالمواجهات الإلكترونية والبرامج التكنولوجية، باستخدام ما أنجزته البشرية من تقدّم في ميادين العلم، خصوصاً بتوفير المعلومات وسهولة الوصول إليها واستخدامها لتحقيق أهداف الدول.

وتصوّب الحرب الإلكترونية نيرانها نحو الأهداف الإلكترونية والرقمية والمعلوماتية، خصوصاً الاختراق والتجسّس للتأثير على العدو، وشلّ قدراته وإرباك خططه، فضلاً عن إضعاف معنوياته، من خلال معلومات كاذبة أو غير صحيحة أو مبالغ فيها عنه، وهو ما استخدمته الولايات المتحدة في غزو العراق العام 2003، عبر ما عُرف بالصدمة والترويع، وذلك بعد حصاره وتجويعه وشيطنته بزعم علاقته بالإرهاب الدولي وامتلاك أسلحة الدمار الشامل، وهو ما اتّضح زيفه.

لم تعد الحروب الحديثة تقتصر على الصراع المسلّح بين دولتين أو أكثر، بل أصبحت أكثر تعقيداً.

وحسب مفهوم المنظّر العسكري كارل فون كلاوزفيتز «إنها امتداد للسياسة بوسائل أخرى»، وهي صراع إرادات وصراع رغبات وصراع مصالح بوسائل عنفية، ولكن تطوّر وسائل الحروب وفنون إدارتها وتنوّع وسائلها وتشعّب أساليبها، بسبب الاكتشافات العلمية، جعل منها حروباً متنوّعة ومختلفةً، تتجاوز الجوانب العسكرية لتمتدّ إلى الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعلمية والتكنولوجية والبيئية والبيولوجية والنفسية وغيرها.

والحرب الإلكترونية هي شكل من أشكال الحرب، وإنْ كنّا لا نرى أسلحتها أو نسمع أصواتها، فهي تعتمد على طاقة فائقة لتعطيل أجهزة العدو بطريقة إلكترونية، وهي مثل الحروب الكلاسيكية تنقسم إلى ثلاثة أقسام؛ أولها - الهجوم، والمقصود به التشويش على أجهزة العدو عبر موجات خاصة، وشلّ قدرته ورصد أهدافه؛ وثانيها - الحماية، حماية أجهزة الدولة عبر الاستشعار عن بُعد لزيادة قدرتها وفاعليتها على المواجهة؛ وثالثها - الدعم في محاولة الاعتراض تمهيداً للمواجهة.

ومن يستطيع اليوم أن يدير الحرب الإلكترونية بنجاح؛ فإنه يستطيع أن يفرض هيمنته على الآخر، خصوصاً إذا توفّرت عناصر قوّة أخرى، بل يمكن القول أن التفوّق في امتلاك واستخدام وإدارة أدوات الحرب الإلكترونية بمهارة ودقّة واقتدار، يجعل من يستخدمها يتفوّق على عدوّه.

وإذا قيل في الحرب العالمية الأولى من يمتلك النفط يستطيع السيطرة على العالم من خلال وقود العربات وتشغيل المحركات وبنزين الطائرات، فإن هذا القول يصحّ اليوم على امتلاك القدرة الإلكترونية. ولهذا السبب فإن الولايات المتحدة تشعر بالقلق من تطوير روسيا والصين منصّات حرب إلكترونية هجومية، بحيث يمكنها الوصول إلى أهدافها بواسطتها.

وبالمختصر، فالحرب الإلكترونية باستطاعتها تدمير إمكانات العدو وشلّ حركته دون الحاجة إلى استخدام أسلحة مدمّرة، وذلك عبر التشويش الراداري واستخدام الخداع العسكري الإلكتروني، واختراق أجهزة العدو وتسريب معلومات مغلوطة له لإرباك استراتيجيته.

وإذا كانت الحرب الروسية - الأوكرانية أقرب إلى حرب إقليمية، خصوصاً بتداخلها مع حلف الناتو الداعم لأوكرانيا، إلّا أن استمرارها وتعقيداتها، خصوصاً باستخدام وسائل الحرب الإلكترونية المتطوّرة جعلها تطول وقد تتّسع رقعتها لتصبح حرباً كونية بصورة مباشرة أو غير مباشرة، علماً بأن عملية الحسم فيها تبدو مستحيلة، فهي أقرب إلى حرب على طريقة المصارعة الرومانية، وحتى لو تمكن أحد الأطراف من الفوز على عدوّه، فإنه يصل إلى درجة الإعياء التي تقترب من حالة عدوه، لأنها تمثّل صراع إرادات ومصالح وفائض قوّة بين الناتو والولايات المتحدة من جهة، وبين روسيا ودول البريكس من جهة أخرى، حتى وإن لم تُعلن الأخيرة انضمامها إلى روسيا، لكنها تسعى لمواجهة الهيمنة الأمريكية، وذلك ما تستفيد منه روسيا في مواجهتها للناتو وواشنطن في أوكرانيا.

........................................................................................................................
* الاراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق