قرأ الاستشراق الاسلام تاريخاً وحضارة، واندرجت صور الاسلام المتعددة ضمن تعدد سياقات الاستشراق المتنوعة، وكانت وجهة المستشرقين ايضاً متعددة في قراءتهم للإسلام، رغم القواعد المشتركة والمنطلقات المتماثلة في انبعاث الاستشراق.

فقد درس الاستشراق الادب الاسلامي والتاريخ الاسلامي والتصوف الاسلامي، وله دراسات في تاريخ الفقه الاسلامي، وتناول في متابعته العلمية تاريخ واصول المذاهب والفرق الاسلامية التي تعرضت الى كثير من الاهمال السياسي والثقافي لدى الكتاب المسلمين، ومن قبلهم علماء وفقهاء الاسلام، ثم تحولت الدراسات الاوربية في الاسلام باتجاه دراسة وبحث الاسلام ثقافة واجتماعاً بشرياً معقد التركيب، وقد تحول بذلك الى اشكالية حاضرة بقوة في دراسات المتخصصين أو شبه المتخصصين في دراسة الاسلام.

وبعد انتهاء عصر الاستشراق الكلاسيكي واستبدال مهامه المعرفية والعلمية من التاريخ والحضارة الى الثقافة والسياسة على يد المعاصرين من المهتمين الأوربيين بالإسلام، فقد سعت دراسات اوربية معاصرة الى الاحاطة بالإسلام من خلال احدى صوره المتاحة، ومن ثم حصر الاسلام في هذا الادراك الاحادي والغاء تعدده، والذي هو من رأينا تعدد يتجاوز السطح الى العمق في بنية الاسلام الفكرية والثقافية.

هذا التعدد الذي امتد الى تعدد القراءات في القرآن، النص الاول للإسلام، ولكل قراءة حجتها ودليلها اللغوي. وإتاحة القراءة الشرعية لكل مسلم بأي من هذه القراءات انما يكشف عن ايمان فقهي مضمر بتعدد صور الاسلام المستوحاة من تعدد القراءات.

لكن الاستشراق في سياقاته المتعددة كان يعبر عن نهج المستشرق ورؤيته في قراءة الاسلام، فقد تماهى الاسلام مع السلطة الرسمية في الدولة الاسلامية (السياسية والدينية) في نظر (غولدزيهر) كبير المستشرقين الاوربيين، ونظر (ماسينيون) الى الاسلام الروحي من خلال التصوف وتقييمه للروحي في الاسلام، وهو ما أنتج لديه ترجيح كفة الصوفي على كفة النبي محمد (ص)، موثقاً ان ما بلغه الصوفي الاسلامي هو أعلى مما بلغه النبي في الاسلام. وهناك من المستشرقين من يطابق فهم الاسلام مع الفكر السياسي الاسلامي الحديث، وخصوصاً الاصولي منه، وهو ما يفعله (برنارد لويس)، ولعل فوبيا الاسلام واحدة من نتاج افكاره الاستشراقية.

الملاحظة الثانية حول الاستشراق، أنه ينغرس بقوة في فضاءات اسلامية وثقافات شرقية انغراس درس وتحليل. وحين يرتدي المستشرق الزي الاسلامي، فإنما هو تعبير عن هذا الانغراس بعمق في الروح الاسلامية، لكن ليس في الذات الاسلامية. فالذات الثقافية والاجتماعية اكثر خصوصية من الروح، أو أن هذه واحدة من تجليات الروح الاسلامي.

لكن رغم ذلك فأن أصول الاستشراق ومصادر ثقافته، تخترقه كرؤية غربية امبريالية تنقله الى مواقع الحكم والتقييم من مواقع التحليل، ذلك التقييم الذي لا يخرج به الاستشراق عن آهاب ذاتيته الاوربية – الغربية.

وقد كان الاستشراق علماً وبحثاً نافعاً ومفيداً معرفياً وبقوة في ثقافتنا الاسلامية الحديثة، حين كان يمارس انتزاع ذاته العلمية عن اهابه تلك، وهي ممارسة يفترضها التخصص العلمي والمعرفي الذي يتميز به الاستشراق رغم كل ملاحظاتنا. لكن هذا التخصص بدأ يفقد اهميته في تقييمات الاسلام التي بدأ يمارسها كتاب ومستحدثون أغمار في اوربا، وتُسَوقها لنا ترجمات نأمل فيها ان تبعث فينا وفي ثقافتنا كتابات مترجمة اكثر عمقاً في فهم الاسلام وتاريخه وحضارته، او على الاقل تعيد جهود أولئك المستشرقين الكبار الذين وضعوا ثقافتنا وحضارتنا اكثر تفصيلاً أمامنا، وهو ما تخلت عنه دراسات اوربية حديثة اعقبت الاستشراق في وظيفة التخصص – الغربي في فهم الاسلام.

واحد من أولئك الدارسين الحديثين للإسلام الكاتب الالماني (ستيفان فايندر) ويغلف كتابه بعنوان مغري يترك انطباعاً لدى المتلقي في اول وهلة، انه سيعثر على خفايا الاسلام من خلال تعبير استفزازي هو (الاسئلة المخفية في الاسلام).

يلح فايندر على تحديد مفهوم الاسلام ويرى ان هناك استراتيجيتين اسلاميتين تتبنيان مفهومان مختلفان للإسلام هما استراتيجية الذاتيين الاصوليين واستراتيجية التأويليين.

استراتيجية الذاتيين تقوم على معايير محددة للإسلام، تصوغها عقائد دينية وايديولوجيات سياسية، فالذاتيون هم الحرفيون الاصوليون وهم لا يتركون مجالا للاختيار او للحرية الشخصية وهم يتصادمون في هذا المجال مع قيم الغرب الحديثة.

اما استراتيجية التأويليين فانهم يقترحون صورا من الحداثة الاسلامية التي تصدر عن العمق الاسلامي وهي تستعين بمناهج اوربية حديثة ولا تقوم على مفهوم ايديولوجي معين للإسلام. فالإسلام وفق ما يتناوله المرء في مجتمع المسلمين، لكن فايندر يُشكل على ابرز ممثل للتأويليين وهو نصر حامد ابو زيد في فهمه للإسلام فهو يقود الى تحويل الاسلام الى نطاق شخصي اكثر منه خاص وفق فايندر، وهو يتصادم ورؤية العلمانية الغربية، لكنه مجرد إشكال نظري أكثر منه عملي، اذا فكل فهم يصدر من داخل الثقافة وان كلا الاستراتيجيتين تقومان على نقض مفهوم الاسلام.

ويعلل فايندر هذا النقض وغياب مفهوم الاسلام عن الوعي المسلم بسبب غياب الوسط في الرؤية الاسلامية من كلا الاستراتيجيين. من هنا يفترض فايندر مفهوماً معيناً في الاسلام لا الى اليمين ولا الى اليسار انما هو في الوسط بين كلا المذهبين، فكلا المذهبين الذاتيين والتأويليين يقومان على تعليلات نظرية غير مطلوبة او ضرورية في تفسير مواقف الوسط، حيث تكتفي في مواقف الوسط هذه الحميمية الدينية بشكلها أو بمضمونها الداخلي بعيداً عن سياقات التداخل الحضاري والاجتماعي والسياسي في العالم الحديث. لكن الاسلام كأي دين هو دين جماعة يتشكل الداخل النفسي لها كأفراد ضمن مفهوم الجماعة الديني، وهي تتشكل بدورها ضمن السياقات الذاتية وسياقات التداخل الحضاري.

والسياقات الذاتية تفرض تشكيل الجماعة وتفرض انتماء الافراد الى هذه الجماعة في التعبير عن ذواتهم الاجتماعية. بل ان الآخر لا يغادر تفكيره انتماء هؤلاء الافراد الى هذه الجماعة-الهوية.

ومن اجل التخلص من ذلك الحس الجماعي في الدين، فأن فايندر يلجأ الى مناقشته او تنميطه في الحيز الثقافي الذي يتشكل عن تراث قديم تتشارك الجماعة في رمزيته او انتمائه الرمزي، وبهذا فالمسلم من وجهة نظره، لا يحتاج في تعريف مفهوم الاسلام كضرورة في الدين او الحياة، وهو لم يدرك هذا التراث القديم للجماعة المسلمة كمستشرق يتقن قراءة تاريخ الاسلام، بل هو يوظف الرمزية القابلة للتأويلات الفردية بغض النظر عن عمق ولاداتها التاريخية. فالرمز تعبير مكثف عن هذه التولدات الثقافية، لكنه عند فايندر يتحول الى إختزال فج ومؤذي للبحث والدرس. ويشكل الاختزال اسلوبا مفهوميا لدى المركزية الاوربية في نظرتها الى هوامش العالم التي تختزل الكل-الاخر الانساني، والاختزال هو منطق القوة الذي تركّبت عليه إرادة أوربا- إرادة القوة- بإمتياز التي تمنح اوربا صلاحية البقاء في تطورات الداروينية الاجتماعية.

وينبعث تصور فايندر من خلال هذا الاختزال والتصور السائد لدى الكتاب الاوربيين، او على الاقل لدى النسبة الغالب منهم وهم المعنيون بشؤون وثقافات المجتمعات الاخرى، من ان الغرب او حضارته الحديثة هو العالم الوحيد القابل للبقاء، إضافة الى صلاحية البقاء، او هو ما يشكل نهاية التاريخ البشري. ويراهن فايندر على فوز الغرب بهذه النهاية، بل وقدرته على تفريغ عالم الاخر من اي مفهوم.

ومثال فايندر هو امكانية تفريغ الاسلام من كل مفهوم، فالإسلام من وجهة نظره لايشكل ضرورة في الحياة لأنه فارغ من كل مفهوم في تصور فايندر، لكن الغريب انه حين يناقش افراغ الاسلام من كل مضمون يتناسب وحياتنا الحديثة التي استوعبتها قيم الغرب الحديثة من خلال مبدأ القوة الضاغطة على كل صور الحياة الحديثة، حين يناقش مشكلة الجيل الثالث من الاتراك في المانيا – موطنه- فانه حين يحيلها الى وضعهم الاجتماعي كمهاجرين، نراه يبخل بمثل هذا التفسير في مناقشة مشاكل المسلمين في بلادهم وفي ازماتهم مع الغرب الامبريالي، بإحالة ذلك الى الاسلام الفارغ من كل مفهوم او غير القابل للبقاء وفق فايندر.

وهو حين يناقش صموئيل هنتنغتون في صلابة الاسلام او جمودية قيمه ويكشف عن عدم رضاه عن تفسيرات هنتنغتون، فأنه يرى ان تفتيت صلابة الاسلام ممكنة عن طريق استيعاب قيم وثقافة الغرب كحل وحيد، وعلى الاسلام (بعد إفراغه طبعا مفهوميا) ان يتخذ المسيحية انموذجاً له في دخول عالم هذه القيم، وهو ما يشكل شرطاً نافذا في دخول مراكز هذا العالم الحديث، او بتحقيق النفي له الى هوامش هذا العالم – الغرب، الذي تصفه احدى الرؤى الاسلامية بأنه عالم اليوم، عالم الحضارة والثقافة، اما عالمنا فهو عالم الامس، عالم الثقافة الراسبة عن الحضارة في الامس الاسلامي" محمد خاتمي". وهي لغة القوة الحضارية في الاختزال التي يدين بها المثقف الاوربي ويسانده المثقف الحديث.

لكن الى اي مدى يستطيع الاسلام ان يتخذ المسيحية انموذجاً له بينما يمارس فايندر افراغاً مفهومياً له؟، هل نمذجة المسيحية بالنسبة للإسلام تكون على مستوى المفاهيم بعد ان شرط فايندر افراغ كل مفهوم للاسلام من داخل الاسلام، ام نمذجة المسيحية تكون على مستوى آليات التعامل مع الحداثة والاستجابة الى تطورات العصر؟ لكننا نكتشف إصرار فايندر على الغاء الاسلام قبل ان يطرح المسيحية انموذجاً ممكناً للاسلام، وهو ما يحيلنا الى نقاش المستوى المعرفي والتخصصي لكاتب اوربي غير متخصص مثل فايندر في حلقة قادمة.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق