ولأن التعارف بين شعوب وقبائل أي بين جماعات ومجتمعات وليس بين أفراد، جاز انطباقه على الحضارات التي هي أكبر أشكال الجماعات الإنسانية، من هنا جاء انبثاق مفهوم “تعارف الحضارات” وتثبت ضبطا وإحكاما. ومن الناحية التطبيقية يظهر هذا المفهوم ويتجلى بالإشارة إلى نموذجين تاريخيين لهما علاقة بالحضارة الإسلامية تصادما وتعارفا...

يتقوَّم مفهوم تعارف الحضارات من ركنين متلازمين هما: رفع الجهل من جهة، وتمكين التعارف من جهة أخرى، متحددا على مستوى العلاقات بين الحضارات الإنسانية. رفع الجهل يمثل الدور السلبي، وتمكين التعارف يمثل الدور الإيجابي، والعلاقة بينهما هي علاقة بين هدم وبناء، فلا يكفي الهدم برفع الجهل، وإنما لا بد من أن تتمم هذه الخطوة بالبناء عن طريق إحلال التعارف مكان الجهل في العلاقات بين الحضارات.

هذا المفهوم يستند إلى أصل قرآني متين، متمثلا في آية التعارف بسورة الحجرات في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا). وقد تضمنت هذه الآية الكريمة على مبادئ إنسانية كلية وعامة، تحددت في توجيه الخطاب إلى الناس كافة وليس لأمة بعينها ولا للمؤمنين خاصة، وجاءت بلسان: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ)، وذكَّرت بالأصل الإنساني المشترك بين الناس كافة بلسان: (إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى)، وأقرت مبدأ التنوع الإنساني بلسان: (وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ)، ودعت إلى التعارف بلسان: (لِتَعَارَفُوا)، وجاءت هذه الكلمة بصيغة الفعل المضارع لتأكيد ديمومة التعارف بوصفه فعلا مستمرا لا يتوقف ولا ينقطع في ظل وجود المجتمع الإنساني وبقاء التجربة الإنسانية.

ولأن التعارف بين شعوب وقبائل أي بين جماعات ومجتمعات وليس بين أفراد، جاز انطباقه على الحضارات التي هي أكبر أشكال الجماعات الإنسانية، من هنا جاء انبثاق مفهوم “تعارف الحضارات” وتثبت ضبطا وإحكاما.

ومن الناحية التطبيقية يظهر هذا المفهوم ويتجلى بالإشارة إلى نموذجين تاريخيين لهما علاقة بالحضارة الإسلامية تصادما وتعارفا، مبينين كيف أن الجهل يقود إلى العداء والنزاع، ومع التعارف ينقلب الوضع إلى التقارب والتفاهم ونزع فتيل النزاع ورفع مسببات العداء والصدام.

النموذج الأول يتعلق بعلاقة الحضارة الإسلامية والمجتمع المغولي، وكيف أن الجهل قاد هؤلاء المغول إلى النزاع والحرب والتعارف قادهم إلى التفاهم والسلام. والنموذج الثاني يتعلق بعلاقة الحضارة الإسلامية والأمم الأوروبية المسيحية، وكيف أن الجهل قاد هؤلاء الأوروبيون إلى النزاع والحرب مع ما عرف في أدبياتهم بالحروب الصليبية، والتعارف قادهم إلى مسلك آخر تمثل في النهوض بأكبر عملية استكشافية عرفت في أدبياتهم بحركة الاستشراق.

بشأن النموذج الأول، مثَّل المغول في علاقتهم بالحضارة الإسلامية أقوى نموذج يقاس به علاقة الجهل بالعداء، وعلاقة التعارف بالسلام. فالجهل قادهم في النصف الثاني من القرن السابع الهجري، النصف الثاني من القرن الثالث عشر الميلادي إلى القيام بأكبر عملية تدمير تعرضت لها الحضارة الإسلامية في عصرها، وصفت هذه العملية في كتب التاريخ القديمة والحديثة بأوصاف الوحشية والبربرية والهمجية، قضت على مراكز العلم والفن والثقافة في حضارة المسلمين.

والمدهش في سيرة هذه الجماعة التي وصفت بالبدائية والبربرية، أنها بعد أن أحكمت سيطرتها على أجزاء كبيرة من أقطار الحضارة الإسلامية وضمتها إلى إمبراطوريتها الواسعة، وبعد فترة من التوطن في هذه الديار الإسلامية، حدث تحول عظيم لم يكن في الحسبان، فقد انقلبت هذه الجماعة على ذاتها، واعتنق حكامها الإسلام، واندمجوا في حضارة المسلمين، ومثلوا عصرا بات يؤرخ له في تاريخ عصور الحضارة الإسلامية. ولا شك أن التعارف الذي تهيأت لهم أرضياته في الديار الإسلامية هو الذي قادهم إلى هذا التحول العظيم.

أما النموذج الثاني، فإن الجهل بالحضارة الإسلامية هو الذي قاد الأمم الأوروبية المسيحية في أواخر القرن الحادي عشر الميلادي إلى تبني خيار الحرب، والقيام بتلك الحروب الموصوفة في أدبياتهم بالصليبية، لكنهم بعد هذا الاحتكاك، وما صاحبهم من إخفاقات، اكتشفوا أن الحضارة الإسلامية لم تكن بتلك الصورة التي تخيلوها في أذهانهم، وشعروا بالحاجة إلى التعرف إليها، وقد مثَّل هذا الأمر باعثا قويا لتلك الحركة الاستكشافية الضخمة الموصوفة في أدبياتهم بحركة الاستشراق.

هذه الحركة الاستشراقية كان من الممكن لها أن تسهم في تحقيق تقارب أو تفاهم بين الحضارتين الإسلامية والأوروبية، لكن منطق المصلحة تفوق على منطق المعرفة عند الأوروبيين، فخرجت المعرفة عن مسارها الأخلاقي التعارفي، إلى مسار استعماري ينزع نحو الصدام والنزاع ويكرس التباعد بين الحضارتين.

* الأستاذ زكي الميلاد، باحث في الفكر الإسلامي والإسلاميات المعاصرة-رئيس تحرير مجلة الكلمة
http://www.almilad.org

اضف تعليق