آراء وافكار - مقالات الكتاب

ازمة الرئاسة في اقليم كردستان العراق

قراءة في المشاهد المحتملة

في خضم تصاعد حدة خلاف القوى السياسية الكردية حول منصب رئاسة اقليم كردستان، تبدو الأوضاع باعثة للقلق داخل الإقليم، لاسيما وانه يواجه في الوقت ذاته تحديات على الصعد الاقتصادية والأمنية.

فعلى الرغم من تماهي تجربة اقليم كردستان مع تجربة بغداد فيما يخص المحاصصة في اقتسام المناصب، وان كانت ذو طابع حزبي، وتحديداً بين الحزبين الرئيسين (الحزب الديمقراطي الكردستاني) و(الاتحاد الوطني الكردستاني) وما حققه ذلك من استقرار نسبي للإقليم، الا ان انتهاء المدد المقررة قانوناً لتولي المناصب ومنها منصب رئاسة الاقليم، فضلاً عن صعود قوى حزبية جديدة على الساحة السياسية الكردية فرضت نفسها بقوة على ارض الواقع افضت الى ضرورة تغيير خارطة التوافقات السياسية، وتبني اسلوب مغاير في الادارة والحكم يتماشى مع رغبة مختلف الاطراف –او على الاقل اغلبها- ويجنب الاقليم الوقوع في ازمات والانجرار خلفها.

يتمحور الخلاف بين الطرفين الرئيسين الاول هو الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يرى الاولوية في بقاء زعيمه (مسعود البرزاني) رئيساً للإقليم، او ان يتم عرض اسمه للانتخاب مباشرة من قبل الشعب، كون الاخير يمثل الزعيم الروحي للامة الكردية خلفا لوالده (الملا مصطفى البرزاني)، فضلا عن ان تعقيدات الوضع الحالي والتهديدات التي يتعرض لها الاقليم والبلد برمته من طرف (تنظيم داعش الارهابي) يحتم بقاءه في المنصب، لا بل إنه ((يحمل نوعا من الحصانة، التي تضعه بمكانة تفوق حتى كرسي رئاسة الاقليم)) بحسب ما يزعم انصاره.

اما الطرف الثاني والمتمثل بالأحزاب الاربعة: (الاتحاد الوطني الكردستاني) بزعامة الرئيس العراقي السابق (جلال الطالباني) و(حركة التغيير) و(التجمع الاسلامي) و(الاتحاد الاسلامي الكردستاني)، والتي تطالب بإنهاء احتكار رئاسة الاقليم من قبل السيد (مسعود البرزاني)، وتحويل نظام الحكم من رئاسي الى برلماني لكي يتم انتخاب رئيس الاقليم من داخل قبة البرلمان مع منحه صلاحيات شرفية كتلك التي يتمتع بها الرئيس في النظام البرلماني.

يأتي ذلك، بعد ان تبنى برلمان اقليم كردستان هذا المشروع في جلسته الاعتيادية المنعقدة بتاريخ 23/6/2015 والتي جاءت ردا على إصدار رئيس الاقليم (مسعود البرزاني) مرسومه الاقليمي رقم (91) بتاريخ 13/6/2015 والقاضي بإجراء الاقتراع العام المباشر لمنصب رئيس اقليم كردستان الذي حدده في (20 اب الماضي) (والذي لم يجر بالطبع) مستفيدا من إرث والده التاريخي، و"شرعيته الشعبية" (إن صح التعبير) التي اكتسبها بفعل كونه القائد العام لقوات البيشمركة التي تواجه (تنظيم داعش الارهابي) على الحدود الشمالية والتي تمتد بطول (1050 كم) بدءا من محافظة ديالى شمال بغداد وصولا الى مدينة سنجار، فضلا عن عدم اتفاق القوى السياسية المنافسة على ترشيح شخصية تنافس على هذا المنصب.

ومما تجدر الاشارة اليه، ان قانون انتخابات اقليم كردستان رقم (1) لسنة 2005 نص على ان مدة ولاية الرئيس هي (4) سنوات، ويحق له إعادة انتخابه لولايتين فقط. في حين كان الرئيس (مسعود البرزاني) قد امضى عشر سنوات في منصبه، بعد ان اختاره البرلمان كأول مرة رئيسا للإقليم عام 2005،

ثم اجريت انتخابات لاختيار رئيس جديد تنافس فيها عدد من المرشحين وفاز فيها البرزاني مجددا عام 2009.ومع انتهاء ولايته الثانية عام 2013 وإنشغال برلمان كردستان بوضع (مشروع دستور للاقليم يطرح للاستفتاء عليه)، دون تحقيق أي تقدم يسمح بالبت بإجراء انتخابات جديدة لرئاسة الاقليم، إذ تم التوافق على تمديد ولاية الرئيس لعامين اضافيين بإقتراح من الاتحاد الوطني الكردستاني، الامر الذي اثار حفيظة حلفائه (حركة التغيير) و(التجمع الاسلامي) و(الاتحاد الاسلامي الكردستاني) الذين اعتبروه ((إنقلابا على الديمقراطية))، وتكريسا لسلطة البرزاني، لا سيما وان الاخير بصفته رئيسا للاقليم يعد المقرر الاخير للقوانين الصادرة عن الاقليم، فضلا عن كونه القائد العام لقوات البيشمركة، ما يعني مزيدا من الحرمان للشركاء/الفرقاء السياسيين للحزب الديمقراطي الكردستاني في صناعة او التأثير على القرار السياسي والاقتصادي والعسكري.

ومما زاد الامور تعقيدا اكثر، هو عدم إقرار مشروع الدستور بسبب عدم حصول التوافق عليه، وكذلك بسبب إنشغال الاقليم في حربه ضد تنظيم داعش الارهابي، إذ كانت الكتل السياسية (عدا الحزب الديمقراطي طبعا) تعول على تبني النظام البرلماني (دستوريا) لحل إشكالية انتخاب رئيس الاقليم وجعلها من اختصاص البرلمان (حصرا)، في حين يشير قانون انتخابات الاقليم في فقرته (الثانية) المادة (عاشرا) الى إجراء انتخابات (البرلمان) وانتخابات (الرئاسة) في التوقيت نفسه، أي انه يشير ضمنا الى ان النظام الرئاسي هو المعتمد في انتخابات رئاسة الاقليم، الامر الذي اثار استياء وانزعاج الاحزاب والكتل الكردية الاخرى.

من جهتها، وردا على دعوة (مسعود البرزاني) لإجراء الانتخابات الرئاسية اعلنت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات وعلى لسان مقرر مجلس المفوضين عن عدم قدرة المفوضية في الوقت الحالي على إجراء الانتخابات كون الاستعدادات تتطلب من الوقت ما لا يقل عن (6 اشهر)، وبمبالغ مالية تفوق قيمتها الـ (60 مليون دولار) في الوقت الذي يعاني فيه الاقليم والعراق بأكمله من ازمة اقتصادية خانقة بفعل تدني اسعار النفط الى ادنى مستوياته، مما جعل الامور شائكة بشكل اكبر.

مشاهد الحل المتوقعة

المشهد الاول: اتباع الاسلوب الديمقراطي

يشير هذا المشهد الى قبول الحزب الديمقراطي الكردستاني وزعيمه السيد (مسعود البرزاني) بقواعد اللعبة الديمقراطية والعمل بالنظام البرلماني المزمع إقراره في الدستور والاحتكام لقواعده، ما يعني بشكل وباخر كسر احتكار (مسعود البرزاني) بل وحزبه ربما لمنصب رئاسة الاقليم، كون الاحزاب المعارضة مجتمعة ترفض التجديد له وتعتبره مخالفة دستورية.

المشهد الثاني: اتباع الاسلوب الدكتاتوري

يرجح هذا المشهد ان يقوم رئيس الاقليم وزعيم الحزب الديمقراطي (مسعود البرزاني) بضرب مطالب الاحزاب المعارضة عرض الحائط، واللجوء الى الشارع الكردي لإجراء الاقتراع العام المباشر على منصب رئيس الاقليم للحصول على ولاية رئاسية ثالثة تواليا معولا على القاعدة الشعبية لحزبه، فضلا عن عدم وجود مرشح صريح متفق عليه من قبل بقية الاحزاب لتولي هذا المنصب.

وفي هذا الصدد، هدد رئيس حكومة الاقليم (نجيرفان البرزاني)، ومستشار مجلس امن الاقليم (مسرور البرزاني) باللجوء الى (استفتاء شعبي) على منصب الرئيس في حالة فشل الاحزاب الاخرى بالتوصل الى صيغة حل (تكون مقبولة من جانب الحزب الديمقراطي الكردستاني)، الامر الذي سيدخل الاقليم في دوامة تشنجات سياسية وامنية، وسيكون عرضة للدخول في اتون حرب اهلية.

المشهد الثالث: العودة للعمل بنظام الادارتين

يقوم هذا المشهد على اقتسام الادارة، او بالأحرى انقسامها، بين السليمانية من جهة، واربيل ودهوك من جهة اخرى، أي ان يتم العمل بنظام الادارتين ما يعرض وحدة الاقليم للتفكك والتقسيم. فقد خرجت الاصوات المنادية بذلك من داخل السليمانية، وكان على رأسها رئيس مجلس محافظة السليمانية (هفال ابو بكر) الذي هدد بجعل المحافظة اقليما مستقلا عن حكومة الاقليم في اربيل نظرا لما تعانيه المدينة من إقصاء وتهميش بحسب وصفه.

وتعتبر مدينة السليمانية القاعدة الاساسية لجماهير كل من (الاتحاد الوطني الكردستاني) و(جماعة التغيير) و(الاتحاد الاسلامي الكردستاني)، خلافا لمدينتي (اربيل) و(دهوك) التي يتمتع فيهما الحزب الديمقراطي الكردستاني بأغلبية النفوذ.

ومما عزز من هذا التوجه في الانقسام إنقسام اخر ذو بعد ايديولوجي اجتماعي وهو ان (الاتحاد الوطني الكردستاني) يعد حزبا يساريا علمانيا يمثل (الطبقة البرجوازية في المجتمع)، ويرتبط بعلاقات وطيدة مع ايران، في حين يعد (الحزب الديمقراطي الكردستاني) حزبا ريفيا قبليا (يمثل الاقطاع وارستقراطية القبيلة) مع تقارب واضح مع (حزب العدالة والتنمية التركي) والرئيس (رجب طيب اردوغان)، على الرغم من وجود خلافات بين الطرفين تتعلق بحزب العمال الكردستاني والتوغل التركي في المناطق الشمالية للعراق.

مقابل تلك الدعوات حذر (مسعود البرزاني) من مغبة نتائجها، وداعيا كل من مثل هذه التوجه الى ((اختيار مكان اخر يعيش فيه غير الاقليم))، كما شدد البرزاني في تصريحات صحفية على انه ((ليس بمقدور أي شخص ان يقسم الاقليم، ويجب ان لا يفكروا فيه حتى في الخيال)).

ويبدو ان تبني مثل هذا الطرح لا يشكل سوى ورقة ضغط على (الحزب الديمقراطي الكردستاني) لكي يذعن لمطالب الاحزاب الاخرى، والا فإن الاقليم سيدخل في دوامة الحرب الاهلية في ظل هذا الانقسام، وفي ظل وجود ادارتين تسعى كلا منهما لان تكون ممثلة للاقليم.

يذكر ان الاقليم قد عاش مرحلة حرب اهلية داخلية للفترة بين عامي (1994-1998) بين الحزبين الرئيسين (الديمقراطي الكردستاني) و(الاتحاد الوطني الكردستاني)، إذ انبثقت حكومتين مختلفتين ناتجة عن ادارتين مختلفتين احداها في السليمانية تمثل (الاتحاد الوطني الكردستاني) والاخرى في اربيل تمثل (الحزب الديمقراطي الكردستاني)، قبل ان يتم توحيد الادارتين بعد الاتفاقية التاريخية في كانون الثاني 2006.

المشهد الرابع: اعتماد الاسلوب التوافقي

وهو المشهد الاكثر قربا للواقع بحكم المعطيات المتوافرة، إذ سيتم من خلال هذا المشهد البقاء على (مسعود البرزاني) رئيسا للاقليم مع سحب بعض الصلاحيات منه، او البقاء عليه مع صلاحيات كاملة على ان يتم تحديده بمدة زمنية اقصاها نهاية الدورة التشريعية الحالية ولا يحق له الترشيح مجددا. ولا يستبعد ضمن هذا المشهد ان يتم انتخاب الرئيس من داخل قبة البرلمان ومن الاحزاب المعارضة نفسها إذا ما تم التوصل الى حلول توافقية ترضي جميع الاطراف.

اما عن اهم الاسباب التي تدفعنا الى ترجيح هذا الخيار فيمكن تمثيلها بالآتي:

1. يواجه الاقليم هجمة شرسة من قبل (تنظيم داعش) الارهابي، وبالتالي ليس من مصلحته تشتيت جبهته الداخلية بخلافات سياسية، لا سيما وان رئيس الاقليم الحالي هو نفسه القائد العام لقوات البيشمركة التي تخوض هذا القتال.

2. لا تمتلك الاحزاب المعارضة لتولي (مسعود البرزاني) مرشحا صريحا لتولي منصب رئاسة الاقليم، فالأحزاب الاسلامية الكردية اوضحت علنا عن عدم وجود مرشح لها لشغر هذا المنصب، في حين لم يتفق الاتحاد الوطني الكردستاني على ايجاد مرشح بديل للسيد (جلال الطالباني) الذي انهكه المرض.

وبات موضوع ايجاد خليفة له في رئاسة الحزب غير محسوم ومتأرجح بين (هيرو احمد زوجة الرئيس) و(قباد الطالباني ابن الرئيس) و(برهم صالح الشخصية الثانية في الحزب).

3. لعل الصيغة التوافقية لإدارة حكم العراق والتي اصبحت بمثابة (العرف الدستوري) قد كان لها انعكاس بشكل وباخر على منصب رئيس الاقليم، فطالما كان رئيس جمهورية العراق كردي ومن حزب (الاتحاد الوطني الكردستاني)، فإن منصب رئيس الاقليم سيكون من حصة الحزب الديمقراطي الكردستاني، وتحديدا لشخص السيد (مسعود البرزاني) (على الاقل في الفترة القليلة القادمة).

4. في خضم الصراع الدائر بين الحكومة الاتحادية وحكومة الاقليم بخصوص مواضيع عدة اهمها قانون النفط والغاز، وتصدير النفط، وقوات البيشمركة، وصلاحيات الاقليم، فإن ليس من مصلحة الاقليم في الوقت الحاضر إثارة إشكالات من شأنها ان تضعف وحدة الصف الكردي او ان تثير الشارع الكردي حيال حكومته، وبالتالي فبقاء (مسعود البرزاني) في منصبه، او على الاقل تجنب إثارة مشكلة رئاسة الاقليم في الوقت الحاضر يشكل عامل قوة للطرف الكردي في المفاوضات، لحين حل الاشكاليات العالقة مع المركز.

5. واخيرا، وبحسب ما تم ذكره من مصادر كردية، فإن الادارة الاميركية راغبة في إبقاء (مسعود البرزاني) في منصبه على الاقل حتى انتهاء الدورة التشريعية الحالية، وذلك لتجنب إثارة القلاقل الداخلية، ما يعرض مشروعها برمته للخطر.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية
http://mcsr.net

اضف تعليق