هل ثمة إرادة سياسية عراقية فعلية لمكافحة الفساد وغلق الأبواب الدوارة لخروج ودخول المال السياسي والسلاح المنفلت عبر الجهاز الحكومي، أجد في الانسداد الذي طال العملية السياسية ما بعد الانتخابات الأخيرة مثال واضح على عدم توفر مثل هذه الإرادة السياسية في عموم عوائل أحزاب مفاسد المحاصصة...

اثار مقالي السابق عن 200 ترليون دينار عراقي اهتمام الدكتورة ماجدة التميمي النائبة السابقة، مؤكدة في اتصال هاتفي تشرفت به انها كانت اول المحذرين من هذا الملف ولها مخاطبات موثقة مع وزارة المالية قدمتها لرئيس الوزراء السابق الدكتور حيدر العبادي فضلا عن اللجنة المالية التي كانت عضوة فيها، تذكرت خلال دقائق مكالمتها الهاتفية احاديث المرحوم الدكتور احمد الجلبي عن ملفات الفساد والإمكانات المتاحة لاسترجاع المال العراقي المسلوب، ناهيك عن كون كل قيادات الطيف السياسي العراقي تتحدث عبر مختلف القنوات الإعلامية عن أهمية الإصلاح، السؤال: الإصلاح المطلوب لمكافحة الفساد بالأقوال ام بالأفعال؟؟

ما زلت اعتقد ان الفساد السياسي المدعوم بالسلاح المنفلت أساس شرعنه أفعال الفساد في عراق اليوم، واي مواجهة مباشرة تتطلب تعديل اليات عمل النظام السياسي برمته، فالحديث عن 200 ترليون دينار أكبر مما وصف بجريمة العصر في سرقة امانات الضريبة البالغة بضعة تريليونات دينار، وأيضا ما كان يكرره الدكتور الجلبي عن إمكانية استعادة 350 مليار دولار من الناهبين للمال العام، أكبر من هذه الجريمة، وعودة للسؤال، فالإجابة ليه تكون في الاتي:

أولا: القانون النافذ والهيئات الرقابية كقيلة بنقل ملفات معروفة الى القضاء، بدلا من تكرار استغلالها في منصات إعلامية في كل موسم انتخابي وعلى القضاء العراقي ان يقول كلمته الفصل فيها، ولعلي اليوم اكرر ان هذا المقال بلاغا رسميا للجهات الرقابية والادعاء العام عن 200 تريلون دينار عراقي مطلوب التحقق منها بانتظار ما يمكن ان تفعله السيدة طيف سامي وهي اليوم على كرسي وزارة المالية لإغلاق هذا (الثقب الأسود) في السياسات المالية.

ثانيا: ليس دفاعا عن هيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية، فكل منهما يقوم بأعماله حسبما انيط بهما القانون وتعديلاته ما بعد 2003، وفي ملفات الفساد، يمكن ان يعدل قانون هيئة النزاهة بالكشف عن الذمة المالية لكل القيادات السياسية والدرجات الخاصة ما قبل 2003 وما بعدها، واعتبار ذلك من شروط قبول الترشيح للانتخابات المقبلة، وهذا الكشف يشمل قيادات التيارات السياسية بمختلف العناوين، ومثل هذا التعديل يمكن كلا الجهازين الرقابيين فرز تضخم الأموال عند المرشحين لتمثيل الشعب في الانتخابات المقبلة ومن يمسك اليوم بدفة الجهاز الحكومي من موظفي الدرجات الخاصة.

ثالثا: اشرت الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد (2021-2024) أسبابه الى فساد سياسي ومجتمعي، ولكن هذه الاستراتيجية التي مر عليها عام وأكثر لم تعلن حتى اليوم عن تلك البرامج التي طبقتها للحد من اثر كلا النمطين من الفساد على الجهاز الحكومي ولم نسمع كصحفيين عن أي برامج نفذت لمواجهة من توجه لهم مزاعم الفساد سياسيا ومجتمعيا، فهل وضعت الاستراتيجية فقط لتأشير الأسباب ام لمعالجتها وإظهار ذلك للراي العام العراقي ؟؟

رابعا: في أي مراجعة لأدلة العمل المرفقة باتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة العراق التي اشترك فيها العراق بموجب قانون رقم (35) في 2007 ولعل ابرزها الدليل التشريعي ودليل الامتثال الذي يصب في محور مقياس مدركات الفساد الذي تصدره منظمة الشفافية الدولية والذي ما زال العراق في ذيل قائمته، هذه المراجعة مطلوبة من البرلمانيين الجدد للتعريف بأهمية تعديل قانون اشتراك العراق بهذه الاتفاقية الى اعتبار نصها وادلة العمل المرفقة معها منهجا استرشاديا للقضاء والدوائر القانونية في الجهاز الحكومي حينما لا تكون هناك نصوص في القوانين العراقية تتطابق مع نصوص الاتفاقية ريثما يتم غلق هذه الفجوة في تشريعات جديدة لمجلس النواب، اعتقد مهمة قسم الحوكمة في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي للعامين المقبلين قائما على اليات تقريب التشريعات العراقية مع احكام اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد.

ما بين هذا وذاك، تبقى الإجابة على السؤال المركزي، هل ثمة إرادة سياسية عراقية فعلية لمكافحة الفساد وغلق الأبواب الدوارة لخروج ودخول المال السياسي والسلاح المنفلت عبر الجهاز الحكومي.. أجد في الانسداد الذي طال العملية السياسية ما بعد الانتخابات الأخيرة مثال واضح على عدم توفر مثل هذه الإرادة السياسية في عموم عوائل أحزاب مفاسد المحاصصة لذلك لا يمكن تحميل الأجهزة الرقابية تلك المسؤوليات الجسيمة من دون وجود قرار توافقي من امراء الطوائف في غرناطة عراق اليوم على عدم حماية الفاسدين واغلاق لجانهم الاقتصادية التي تتربح من المال العام... فهل يصلح الملح بعد فساده؟؟.. لذلك تبقى مكافحة الفساد في الاقوال وليس الأفعال ولله في خلقه شؤون!!

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق