التيار الصدري بين هدفين

شمولية الاحتجاجات والتغيير السياسي

بعد اكثر من 295 يوم على اجراء الانتخابات النيابية المبكرة في تشرين الاول 2021، لم تتشكل الحكومة العراقية. فإصرار التيار الصدري على تغيير النهج التوافقي في تشكيل الحكومة، كما كان معتمدا في تشكيل الحكومات الخمس السابقة، اربك معادلة الحكم في العراق، كما اربك تكتيكات المتغير الخارجي وابرزهم المتغير الايراني الذي يكافح بين ازمات داخلية (اتساع حالة الرفض الشعبي، والاوضاع الاقتصادية المتردية بفعل تزايد المستوى العام للاسعار، والاختراقات الاسرائيلية للأمن الداخلي الايراني وغيرها)، وبين ازمات خارجية تتمثل ي فشل جهود احياء الاتفاق النووي، والمتغيرات الاقليمية وطبيعة المتغيرات السياسية الاقليمية واهمها اتفاق ابراهام الذي بث الحياة بالعلاقات الاسرائيلية مع بلدان مهمة في المنطقة كالإمارات والبحرين).

وبسبب مواجهة الصدر والتصدي لجهوده من قبل "القوى الشيعية" في تجمع الاطار التنسيقي، وفشل كل المحاولات التي يمكن ان تقوده الى مبتغاه، قرر زعيم الكتلة الصدرية السيد مقتدى الصدر استقالة اعضاء الكتلة الصدرية من مجلس النواب. وبعد استبدال الاعضاء حصل تغيير نحو زيادة مقاعد اطراف الاطار التنسيقي الشيعي، الامر الذي مكن ان يعلو صوت تلك القوى للبدء بخطوات تشكيل الحكومة التوافقية. وبعد عدة ايام ووعود كثيرة وخلافات بين قواه، توصل الاطار التنسيقي الى اعلان مرشحهم لتشكيل الحكومة وهو السيد محمد شياع السوداني، وتحديد يوم السبت الموافق 30 تموز لانعقاد مجلس النواب لانتخاب رئيس الجمهورية.

الذي حصل ان جماهير التيار الصدري اقتحمت المنطقة الرئاسية ودخلت مجلس النواب مرتين خلال 72 ساعة احتجاجا على مرشح الاطار التنسيقي وتحركاته لتشكيل الحكومة. وهنا تريد قيادة التيار الصدري ان تمنع تشكيل حكومية توافقية، كما حصل في منعها من تشكيل حكومة اغلبية وطنية من خلال قرار المحكمة الاتحادية القاضي بتحقق الثلثين لانتخاب رئيس الجمهورية، ولهذا تبدوا الحركة قريبة من ان تتحول الى اعتصام داخل المنطقة الخضراء وداخل بناية مجلس النواب.

الحركة الاحتجاجية الحالية هي الثانية من حيث التصنيف، اذ سبقها احتجاجات اتباع قوى الاطار التنسيقي امام بوابات المنطقة الخضراء رفضا لنتائج الانتخابات التي وصفوها بالمزورة وتدخل اطراف اقليمية فيها. وكلا الحركتين فئوية ومطالبها سياسية، كما ان كلاهما اعتمدت على الشارع لتحقيق اهداف سياسية. وما يميز حركة جماهير التيار الصدري الحالية انها جاءت بشعارات وطنية اشمل، وتكاد ترتقي الى ما يفكر به عامة الشعب العراقي بمكوناته المختلفة.

السؤال، هل تكفي هذه المطالب لتتحول الى حركة شعبية وتضم في صفوفها مختلف مكونات وتوجهات الشعب السياسية والدينية والعرقية لتحقيق هدف الغاء التوافقية والتغانمية في تشكيل الحكومة؟

الجواب على ذلك، تُثار اشكاليات عدة على التيار الصدري من كل الاطراف السياسية والجماهيرية. فالاطراف السياسية الكردية لازالت تعاني الانقسام، كما انها لا يمكن ان ترتضي بأي حركة احتجاجية شعبية على مستوى محافظات الاقليم. كما ان مصالحها مع السلطة الاتحادية تقتصر على اتاحة الفرصة لتصدير النفط، والحصول على الاموال من بغداد لتمويل الرواتب، وستكون الى الجانب الذي يضمن لها هذين الامرين.

على مستوى المناطق ذات الاغلبية السنية، فالأوضاع الامنية والاتهام الجاهز، واوضاع النزوح والمشاكل الاجتماعية، وسيطرة الجماعات المسلحة، ونمط الولاء القبلي والعشائري للأحزاب والشخصيات المشتركة في السلطة، يمكن ان تشيطن اي نشاط احتجاجي بل لا تسمح به مطلقا.

اشكاليتان اخريتان، الاولى: ان الشعب في عموم العراق يرى ان التيار الصدري شريك بشكل أو بآخر في الحكومات السابقة ولديه من المناصب ما للأحزاب الاخرى. وهذا ما تظهره "القوى السياسية" المناوئة للصدر لإجهاض مشروعه.

اما الثانية: ففي نظر الكثيرين، ان معطيات الحركة الاحتجاجية الصدرية الحالية، وان كانت مطالبها وطنية، الا ان السلوكيات والشعارات وفي المجلس الحسيني كانت بعضها مذهبية وتقدم المذهب على الوطن، وهذا ما يجعل المكونات الاخرى في تخوف من دعمها لما ستكون عليه الاحوال في المستقبل، وان الهدف من الحركة الاحتجاجية هو ترسيخ النظام الطائفي بسيطرة صدرية. اذ ان هدف الجميع اليوم التخلص من النظام الطائفي، فكيف اذا سيطرت جهات دينية طائفية سياسية معينة؟ وهذا الامر ادركته القيادة الصدرية اذ دعا حساب (وزير القائد) في التواصل الاجتماعي يوم 31 تموز، وبعد تغريدة السيد مقتدى الصدر مباشرة، المتظاهرين الى التوقف عن الشعارات الطائفية.

على مستوى القوى سياسية الناشئة او الجديدة والمستقلين وجماهيرهم، فكل الاشكاليات المذكورة في الاعلى حاضرة لديهم، فضلا عن اشكالية اساسية اخرى، وهي انهم ينظرون للتيار الصدري على انه شريك في القضاء على انتفاضة تشرين في الوقت الذي وعدوا جماهيرهم في متابعة ملف محاسبة قتلة المتظاهرين في تشرين ومحاسبة المسؤولين عن عمليات الخطف والاغتيال والمغيبين. وبالتالي عدم اكتراث الصدريين بهذا الموضوع ربما يصعب من انضمام هذه الفئات الى الحركة الاحتجاجية الصدرية.

هذه الاشكاليات ربما ادركتها القيادة الصدرية، اذ تمثل دعوة الصدر في اول تغريدة له عقب الاعتصام في مجلس النواب والمؤرخة في 31 تموز ادراكا منه بضرورة تجاوز تلك الاشكاليات وطرح مطالب اكثر شمولية من ناحية المصالح الوطنية. فالمطالب والخطوات التي طرحها السيد الصدر سبق وان رفعتها تظاهرات تشرين.

الموقف الذي ابداه الصدر اوصد الابواب امام دعوات الحوار التي انطلقت على المستوى المحلي، فضلا عن دعوة الامم المتحدة. وما اسماها بالخطوة الاولى باتجاه التغيير السياسي والدستوري ستتبعها خطوات اخرى. وهذا ربما يدفع اطراف الاطار التنسيقي الى الدعوة الى تظاهرات مضادة.

التغيير السياسي لن يكون قريب المنال، كما لن يكون الطريق معبدا امام مريديه، فالمعوق الابرز هنا الخطوات القادمة وخارطة الطريق لمرحلة انتقالية ذات اهداف مرحلية متتالية. والاشكالية هنا انه التيار الصدري لا يمكنه رسم تلك الخارطة بمفرده. ولهذا نرى ان عودة السيد الصدر الى مناصرة تحركاته ربما احد اهدافها جذب قوى سياسية يمكن ان تسانده في رؤيته السياسية في التغيير.

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2022
www.fcdrs.com

اضف تعليق