ربما كثير منا لم يسمع بأن للشعر يوما عالميا يحتفى به أقرته الأمم المتحدة في الحادي والعشرين من آذار من كل عام، تقديرا واعترافا بقدرة الشعر على تصوير الواقع في أدق تفاصيله واحتوائه لآمال وآلام أبناء الأمة، فهو ينطق بصوتهم وينبض بتطلعاتهم...‏

إنّ سبر أغوار الشعر في هذه المرحلة يعدّ ضرورياً، فديوان العرب لا يخلو من العثرات وربما الاختناقات! كيف نحتفي بسجل فخرنا وأحلامنا وأوهامنا في آن؟ هل يكفي أن نشحذ الكلمات على نحو تكون فيه أشد مضاء وقدرة على العبور؟ هل يمكن أن تنقلب القصيدة في المراحل القادمة بشكل جذري عما ألفناه في مدونات الرواد والأجداد؟ الشعر، أو هذا الكائن الانفعالي الجميل والغاضب والمتمرد، إلى أين يسير بنا وعلى أي ضفاف يمكن أن تستقر القصيدة التي لم تتوقف عن طرق أرواح كتّابها... كأنها إسفين؟

علينا أن نعترف، يوم كان للشعر آلهة وشياطين، وقلاع ووديان، وكان له أساطيره وطقوسه ومريدوه، كان كلّ شيء من حواليه عيداً له، وكان هو عيد الأعياد في الطبيعة، وفي الوجوه والاحتفالات والأخيلة، أقصد كان الشعر هو الحياة في مجدها وأسرارها، وفي مواعيدها المنتظرة، ولهذا لم يكن ثمة حاجة ليوم محدّد كي نقول: مرحباً بالشعر في يومه العالمي، غير أننا نحن اليوم في القرية المتفجّرة التي هي وجودنا كله، في القرية التي تأكلها شركات الدم والنفط والأسلحة... أصبحنا أحوج إلى الشعر كي يقول لنا، ولو في يوم محدّد: مرحباً يا بشر...

نعم من واجب الشعر علينا أن نحتفي به، ومن واجبه أن يحتفي بنا أيضاً، ويردّ التحية بأحسن منها، وليس احتفاؤنا أو احتفاؤه من باب سدّ الذرائع، نحن دون الشعر، أي الفنّ، أي الجمال مجرّد ضحايا للقباحة المستشرية، مجرّد كائنات لاهثة وراء بطونها، أو هاربة من عبوات الإرهاب والاستباحة، وما الشعر بأحسن حالٍ منا، فهو يعرف جيداً أنّه من دوننا لا مجد له ولا وجود.

إنّ استحضار هموم الشعر في يومه العالمي مسألة ضرورية، والشعراء سيحتفلون به كلٌّ على طريقته، الشعراء سيندبون حظهم والشعر والحال التي وصلوا إليها، سيلمِّحون إلى استباحة دم النص الشعري على الطرقات وفي المنتديات وعلى المنابر وعلى صفحات المجلات المتخصصة والعامة، أما ما ظهر من شعراء شباب جدد يحاولون الكتابة لأسبابهم الخاصة والمتعددة، وبغض النظر عن القيمة الفنية والشعرية والجديدة والمتجددة لما يكتبونه، سيرمون الشعراء الآخرين بوابل من رصاص اتهاماتهم الشعرية والإلغائية والتقصير الحاصل في قراءتهم والاهتمام بهم..

مشهد اليوم يؤكد تحوّل القراء إلى شعراء، والهواة إلى محترفين، وذلك بمؤازرة قوية ومتفاقمة من تقنيات الاتصالات الجديدة بكل تفرعاتها حيث شجعت هذه الأدوات على انتشار الهشاشة بشكل ما، الأمر الذي فاقم أزمة الشعر ووسّع حجم الأسئلة المهمة والخطيرة التي عليها الإجابة عنها بخاصة من ناحية الحساسية والذائقة والأسلوبية وطبيعة العلاقة مع النص القديم الذي بات غير قادر على الاستمرار بالشكل السابق الأمر الذي يثير حفيظة المتعاطفين مع التراث بعجزه وبجره ويتسبب بنشوء خلافات وجدال لا يبقي للصلح مطرحاً بين الطرفين!

ومن يتابع إصدارات الشعر اليوم، يكتشف بلا عناء ميل الأغلبية العظمى من الكتاب إلى كتابة قصيدة النثر على حساب قصيدة التفعيلة، وفي حين تكاد القصيدة العمودية تغيب نهائياً عن ذائقة الكتاب الشعراء الشباب، فإن هوس التجريب والبحث عن تقنيات وأساليب جديدة في الكتابة تحول إلى مبرر هو الآخر ليمارس أياً كان الكتابة بذريعة التجريب والبحث، وذلك يبدو أمراً طبيعياً في مرحلة ما زالت فيها الأمور تتبلور في ظل الأسئلة المعرفية الكبرى المتصلة بالعلاقة مع التراث وأفكاره بشكل عام، فلا أحد يختلف اليوم من الكتاب الشباب على مغادرة أسلوب الكتابة القديم نهائياً، والدليل الأهم على ذلك هو ندرة الشباب الذين يكتبون بتلك الأشكال العمودية والتفعيلة وبالتالي فإن ما يصدر من شعر اليوم هو في صفته الغالبة مندرج في إطار قصيدة النثر.

الثقافات التقليدية كانت دوما ًتزهد بالمعاصر، ويمكننا بكل بساطة أن نحافظ على التواصل مع الميراث الشعري ومع الشعراء القدامى والجدد في الوقت نفسه، شريطة أن ندرك قيمة الشعر وفائدته الروحية العامة، وأن ندرك أن شعور الشاعر بالاهتمام سيجعله يتعامل مع ذاته ومع فنه بجدية أكبر وبمسؤولية. ‏

هنا أريد أن أوضح، أنّ ليس صحيحاً أن الشعر الجديد كله ضعيف، وأنّ الشعر الضعيف لا قيمة له، نحن اليوم نقرأ شعراء من تراثنا، مثل: أبي الشمقمق، وأبي العبر، وماني الموسوس، وغيرهم، هؤلاء كانوا ضعفاء إذا ما قستهم بأبي تمام والبحتري والمتنبي، لكننا اليوم نستمتع بهذياناتهم، ونعدها اختراقاً! ‏وأذكر هنا أنني قرأت منذ سنوات خبراً ثقافياً يفيد أن أكاديمياً اجتماعياً قام بتدوين ما يكتبه الطلبة في دورات المياه في الجامعة "الإسرائيلية"، وعثر على كتابات عدها ذات دلالة، أذكر منها، ومن الذاكرة أن أحدهم كتب: "فليذهب الفلسطينيون إلى الصحراء أو إلى الجحيم، وليعد اليهود إلى أوروبا... وليأخذ الله أرضه التي وعد بها الكثيرين". وأنّ هذا الأكاديمي فرز من بين هذه الكتابات مجموعة من القصائد على أنها ذات قيمة. ‏إن الاستماع للصوت الخافت والضعيف في الفن والشعر، أمر غير مستغرب في ثقافة (ما بعد الحداثة)، ‏كيف إذا عرفنا أن شعراء كباراً من أمثال بودلير ورامبو وفرلين ومالارميه، لم يجدوا بسهولة من يطبع دواوينهم، ولم يطبع منها آنذاك سوى عشرات النسخ! ‏

الأكيد أننا أمة شعر، كانت دوماً حتى وقت قريب تمجد شعراءها وتضعهم في المكان اللائق باعتبارهم المعبرين الحقيقيين عن الوجدان العام! لكن، ما الذي جرى اليوم، حتى صرنا نزهد بالشعر وبالشعراء؟! إن ما يعصف بالشعر من أسئلة وجودية أصبح غير قابل للتردد ولاسيما في هذه المرحلة التي تصعد فيها كل الأسئلة المعرفية إلى واجهة الاهتمامات بالنسبة للثقافة العربية التي تواجه أسئلة خطرة تتعلق بمفهوم الانتماء والمجتمع والجغرافيا والعلاقة مع الاقتصاد والدين والتراث بشكل عام! وأعتقد أن هناك خلل في معرفة قيمة الشعر، ومن المعيب أن يبقى هذا الخلل دون معالجة. الشاعر اليوم، يطبع قصائده على حسابه، ولا يجد من يكترث به، يتجاهله القراء والإعلام، وتسخر منه المؤسسات المعنية! والبعض يقول: لقد ولّى زمن الشعر، واليوم زمن الرواية! ‏ليس الشعر فناً طارئاً، بل هو الكلمة الأسمى للكائن، وهو فعل معرفي بامتياز ولا أعتقد أنّ بالإمكان وجود روائي جيد لا يقرأ الشعر، ولن يكون ثمة فيلسوف جيد لا يقرأ الشعر.

إنّ البعض يتندر، ويسخر من الشعراء! وإنّ الدعوة لحضور أمسية شعرية لشاعر أو مجموعة شعراء، لا يحضرها سوى أقارب الشعراء ومعارفهم! وهل هذا شيء صحي؟! لماذا؟! هل وقتنا ثمين؟ لا يتسع لسماع نصف ساعة، ولو من باب الفضول؟! ‏ لماذا لا تكون القاعة ملأى بالحضور، وفي مقدمتهم الكتاّب والفنانون؟! ‏إنّ هذا الجحود والنكران، محبط ومخّيب، أهكذا نرعى ثقافتنا المعاصرة؟ لابدّ من رعاية الشعر واحتضان الشعراء، وإذا كانت الحاجة إلى ازدهار الفنون كلهّا، فالحاجة مضاعفة مع الشعر،‏ لا يجوز أن يخنق فن بالتجاهل والنكران، فكيف إذا كان هذا الفن هو الشعر؟! أين هو الحرص الذي نتشدق به عن رعاية الإبداع؟!

* كاتب صحفي من المغرب

اضف تعليق