عندما يتم التحدث عن المتقاعدين عن العمل، دائماً ما يتبادر إلى الذهن أن من يتحدث عنه لابد وأن يكون في منتصف العمر، إذا لم يكن في خريفه (هذا في الدول الغربية...) يوجد في المغرب قرابة المليون ونصف المليون متقاعد مغربي، وفقا لتصريحات رسمية، تشمل قطاعات عمومية وخصوصية وشبه عمومية، في القطبين المدني والعسكري، يتأرجح المتوسط العام لمعاشاتهم بين أربع مائة درهم وخمسة وثلاثين ألف درهم شهريا، كما تكاد نسب أغلفة المعاشات الأكثر استهلاكا لأرصدة التقاعد تنحصر في 70 في المائة، وتضم الفئات ذات الدخل المتراوح بين 2.5 ألف حتى 8 آلاف درهم شهريا.

"مت وأنت قاعد" هذه الجملة تختصر آهات وزفرات وشروحات ودفاعات المتقاعدين، فقد أجمع المتقاعدون الذين حاورناهم، على أن ما قبل يوم التقاعد ليس كما بعده، الزوجة تغيرت، وكذلك الأولاد والزملاء والجيران، وحتى البقال، وكل من حولنا وكأن علاقة الجميع معنا كانت خاضعة للمصلحة، الزوجات يطلبن منا الخروج خارج البيت، ولا يهم إن كانت تمطر أو شمساً حارقة أو فجراً أو مساءاً المهم أن نخرج بحجة التسلية، أما الأولاد فلا يعيروننا أي اهتمام ولا يسمعون لنا رأي وإن تحدثنا قمعونا، وإن أحببنا مجالستهم يجلسون لوحدهم، وإذا سهرنا معهم يطلبون منا الذهاب إلى النوم، وإذا أبدينا رأينا يقال عنا إننا خرفنا، وإذا صادف وتمت مسايرتنا فهو مؤشر على أن هناك طلباً يراد منا تنفيذه حتى نتنازل عن بطاقة الصراف مثلاً أو أي أملاك أو مقتنيات مازالت بأسمائنا، ومتى حصل ذلك يصبح الأب والأم المتقاعدين مثل أي قطعة أثاث عتيقة، سوف يأتي عليها يوم وترمى أمام باب البناية ليأتي عامل التنظيفات ويأخذها، ونحن مثل خيل الحكومة كما يقول المثل الشعبي عندما تهرم أو تمرض يطلق عليها الرصاص.

للأسف المأسوف على شبابه، لم يكن يدري الكثير من هؤلاء المتقاعدين بان السنين تمر بسرعة، فالزمن قد تغير... والكبر قد لاح بظلاله وظهر... والشباب قد ولى واحتضر... والشيب قد غطى الرأس وغزر... والشعر لم يعد له من أثر... حيث لم يعد على ألسنتهم غير ذكر الشاعر حين قال في الأثر: “ليت الشباب يعود يوماً... فأخبره بما فعل المشيب”. إنهم ببساطة رجال سلموا راية الكد والعمل، واستسلموا لمصير التقاعد. والسؤال المطروح: هل التقاعد نهاية القدرة على العطاء؟ يقال أن لكل بداية نهاية، شعار تعتبره شريحة واسعة من المتقاعدين عندنا عنواناً لحقيقة مفادها أن زمن الشباب بكل ما تحمله الكلمة من معاني القوة والعمل قد مضى وانتهى بلا رجعة حاملاً معه جميع الذكريات الجميلة منها والتعيسة، لأن العمر قد تقدم بهم إلى درجة عدم القدرة على العطاء، وليؤرخ لبداية مرحلة الفراغ والملل وتوقيف عقارب الساعة لأن كل الأيام القادمة ستكون متشابهة، والسؤال الجوهري الذي يطرح نفسه لماذا تعتبر الساحات العمومية والمقاهي الملجأ أو الملاذ الوحيد لفئة كبيرة من المتقاعدين بالمغرب؟ وهل حقيقة أن دور المتقاعد في الحياة ينتهي بمجرد وصوله إلى سن التقاعد؟ ولماذا تهمل هذه الخبرة الطويلة والطاقة البشرية الهائلة لهاته الشريحة الواسعة من مجتمعنا التي من الممكن استغلالها في مختلف مناحي الحياة؟

"بوابة أفريقيا الإخبارية” حملت هذه التساؤلات والتقت عدداً من المتقاعدين ورصدت آراءهم."

"إدريس" صرح متألما: منذ أن تقاعدت أعيش في حالة "لا ترضي عدواً ولا صديقاً" على حد تعبيره: ففي أول سنة تقاعد جلست أراقب كل صغيرة وكبيرة في البيت، إلى أن ملّ الجميع مني، بل حتى نفسي ملّت من حالتي وأصبت بالضغط والسكري جراء هذه المراقبة: إن الوظيفة نعمة فقد كانت تبعدني عن أشياء في المنزل لم أكن أشاهدها أو إنني كنت أشاهدها ولكنها لم تكن تشغل بالي أشعر بغربة كبيرة، وأشعر أن المجتمع غريب عليّ، لم أكن أتصور أن العلاقات التي تربطني بالآخرين هي من أجل المصلحة، ومع هذا علينا أن نتصالح مع أنفسنا حتى نعيش باقي الأيام التي بقيت وكلما ازداد نكدنا وطلباتنا ازداد النفور والعزلة.

أما مفتاح” مدرس متقاعد منذ أكثر من 15 عاماً يقول بأن التقاعد يظلم صاحبه ويقضي على كثير من الصداقات والعلاقات الاجتماعية والتي قد بناها خلال مسيرة حياته المهنية، وهنا المشكلة حينما يرى المتقاعد نفسه وحيداً ضعيفا، وهنا تبدأ مرحلة جديدة في حياته من الكآبة والتعاسة بخاصة أن معظم الناس المحيطين به يتغيرون ويتحولون عما كانوا فيه من اهتمام ومعاملة حسنة، لذلك فقد يتحول الحب للآخرين في قلب المتقاعد على كره ورغبة في البعد عن المحيط .‏

أما “عبد الكريم" فقد أنهى سنوات عمله الوظيفية الطويلة في مديرية المالية وكان محباً لعمله ومتعلقاً به حتى الشغف، لذلك فالتقاعد كان كارثة حقيقية بالنسبة له، وقد تسبب ذلك بالكثير من المشاكل والمصائب، والتي حولت حياته إلى صفحة سوداء من الصعب تبييضها، فأفراد أسرته لم يعودوا كما كانوا في السابق وزوجته كما يقول أصبحت غير إيجابية على الإطلاق، وتحاسب على الشاردة والواردة، وكأنه ولد من أولادها وليس رب أسرة، والجميع من حوله يعتبره عبئاً على العائلة، حتى أن الأصوات والمشاجرات داخل المنزل تكاد لا تنتهي والخلافات فيما بينهم تنشأ لأتفه الأسباب، ويضيف "عبد الكريم" بأنه حاول مراراً وتكراراً البحث عن العمل ولكن دون فائدة فهو كما يقول لم يعد مرغوباً به كونه أصبح كبيراً في السن ولا يصلح لشيء لذلك فإنه ينتظر حفرة القبر ليتخلص مما هو فيه.

وثمة رأي آخر حول التقاعد صرح لنا به "ابراهيم" حيث روى لنا أنّ التقاعد بالنسبة له، لم يكن إلا نهاية مرحلة وبداية مرحلة جديدة له ولأفراد أسرته معاً، وقد كان يضع خططه المستقبلية ويعد العدة لما بعد العمل الوظيفي، ورغم أنه شغل منصب مدير بمؤسسة حكومية لعدة سنوات، وكان سعيداً في عمله، إلا أنه سعيد الآن أكثر ودخله أصبح أكبر بكثير مما كان عليه أثناء العمل الوظيفي، فقد افتتح مع بعض أقاربه مدرسة للتدريب على السياقة، وهو ما يزال يذهب إلى عمله الجديد بشكل يومي ومنتظم، وله علاقاته الاجتماعية وصداقاته الكثيرة، وبرأيه الإنسان هو من يصنع ويحدد الواقع والحالة التي يعيشها، ومن الطبيعي كما يقول أن يعيش المتقاعد في حالة من الإحباط واليأس في حال استسلم لواقعه وقضى معظم أوقاته في المنزل ليتشاجر مع الصغير والكبير ويتدخل في الشاردة والواردة.

أما "حسن" الذي تقاعد منذ أكثر من عشر سنوات بعد أن وجدناه يتصفح إحدى الجرائد بساحة الجيش الملكي بالدار البيضاء، حيث خصنا معه في دردشة قصيرة حول حياته ويومياته مع التقاعد. قال لنا: “الحق أن عدداً كبيراً من المتقاعدين يستسلمون ببساطة إلى الروتين والملل الذي ينتابهم مباشرة بعد إحالتهم على التقاعد، حيث تصبح الأيام كلها متشابهة بالنسبة إليهم، وإن عدداً قليلاً فقط يفكر ويخطط لما بعد التقاعد وكيف يستثمر وقته عوضاً عن الشعور بالملل والضيق والفراغ... أما عن نفسي فهذه حالي منذ السنوات الأولى التي تلت إحالتي على التقاعد، ليس لي أنيس سوى هذا المكان الذي أجده متنفساً لي، أو متابعة بعض برامج التلفزيون، وكلما شعرت بالضيق أعرج نحو أحد منازل أبنائي المتزوجين لاستأنس بأحفادي الذين اعتبرهم خير أنيس وأمتع جليس للتخفيف من وحدتي”.

أما “علي” الذي أحيل على التقاعد مؤخراً، فيقول ”أصدقكم القول أنني شعرت بتغير كبير على سلوكي بعد الأشهر الأولى من إحالتي على التقاعد حيث أصبحت أتعصب وأغضب لأبسط الأمور نتيجة الفراغ الرهيب، وصار ينتابني إحساس بالوحدة جراء ابتعادي عن أصدقاء العمل، والآن بعد مرور سنة ونصف تقريباً عن وضعي الجديد هذا أفكر ملياً في العودة مجدداً إلى ميدان العمل، حيث تقدمت بطلب عمل إلى إحدى الشركات الخاصة للعمل كسائق لأبتعد عن هذا الروتين لأنني لازلت أحس بقدرتي على العطاء”.

الدكتور "عدناني" أخصائي الأمراض النفسية والعصبية يقول عن هذه الظاهرة: سن التقاعد يشكل نقطة فارقة وعلامة بارزة في حياة الإنسان، بخاصة لموظفي الوظيفة الحكومية، وللتقاعد آثار سلبية على صاحبه، إذ يسبب في الغالب حالة من عدم الرضا والتعاسة تنعكس سلبياً على الصحة النفسية للمتقاعد، كما قد يؤدي إلى الإصابة بأمراض الاكتئاب، فالعمل يمد المرء بالعديد من المزايا كتنظيم الوقت والعلاقات الاجتماعية الموسعة التي لا تلبث أن تتأثر بانقطاع المرء عن العمل، ناهيك عما يسببه التقاعد من تقليص لمورد رزق قد يكون الوحيد المتاح لصاحبه، وشعور الفرد بأنه لم يعد ذا قيمة في الأسرة أو المجتمع. ولا يبتعد علم الاجتماع كثيراً عما أشار إليه علم النفس، فبعض المتقاعدين ينعزلون عن المجتمع ولا يشاركون في الأنشطة الاجتماعية، وهذا سبب أصاب بعضهم بأعراض الاكتئاب من انخفاض في المزاج، والشعور بالدونية، وعدم وجود دور للشخص في الحياة الفعلية للمجتمع، وهذا يجعله ينعزل عن المجتمع والنشاطات الاجتماعية، وكذلك يشعر بأن لا أحد يُقدّره نظراً لأنه أصبح خارج نطاق العمل الحكومي، وتكثر هذه عند بعض المتقاعدين الذين كانوا في مواقع مسؤولية مرموقة وذات سلطة تفيد في مساعدة الآخرين من الأقارب والأصدقاء، وبتركهم لوظائفهم المميزة يشعرون بأن الآخرين لم يعودوا يقدرونهم بالقدر نفسه الذي كانوا يقومون به عندما كان مثل هؤلاء المتقاعدين في مراكزهم، وهؤلاء ببساطة قد يصابون بالكآبة، بخاصة عندما يفقدون الكثير من المميزات التي كانوا يحصلون عليها بحكم طبيعة عملهم مثل مميزات مالية، أو مميزات عينية مثل سيارات، أو الحصول على مميزات أخرى لأفراد عائلاتهم، وفي مثل هذه الحالات يصاب بعشرات الأمراض، لأن الحالة النفسية وراء كل الأمراض الجسدية.

لقد تحدث الكثيرون عن المتقاعدين وتناولت الأقلام أحوالهم وضيق العيش الذي يعانونه، بعد أن أمضوا عمراً في خدمة بلادهم ومجتمعهم، ولأنهم يمثلون شريحة من المجتمع نجد من الضرورة بمكان دراسة أوضاعهم على الدوام في ظل المتغيرات الطارئة عليهم معيشياً وصحياً وضرورة تحريك الراتب التقاعدي بحيث لا يدخل في ثبات شتوي... فقد أصبحت شريحة كبيرة من المتقاعدين بالمغرب، كالآلات الصدئة التي عفا عنها الزمن، لأنهم لم يجدوا من يمد لهم يد العون والمساعدة لانتشالهم من بؤرة الفقر.

هم عينة من المتقاعدين الذين ربما وجدوا في المقاهي والساحات سبيلاً ليشغلوا بها أنفسهم، غير أنه كان من الأفضل إيجاد بدائل أخرى لهذه الفئة من خلال إنشاء نواد يمارس فيها المتقاعدون مختلف النشاطات والهوايات، حيث يكون النادي فضاء للاستفادة من خبرات هؤلاء المتقاعدين للمساهمة في صقل خبرات الجيل الجديد، حينها يمكن القول أنه من الممكن أن يكون التقاعد بداية وليس نهاية.

وإذا كنا لا نستطيع أن نؤمن لهذه الشريحة الهامة من المتقاعدين الراحة والرفاهية ولا نستطيع أيضاً عمل استراتيجية للتقاعد، فعلى الأقل علينا أن نحفظ لهم كرامة البقاء وتوفير مقومات العيش الكريم ونجنبهم الإذلال ونحفظ لهم شموخهم وكبريائهم... مجرد مقترحات مشروعة نضعها برسم اهتمام المعنيين للنظر في وضع هذه الشريحة وإنصافها... فهم السابقون وأنتم اللاحقون.

اضف تعليق