وبرغم مرور ١٧ سنة فان مجلس النواب في دوراته التشريعية السابقة لم يشرّع قانون مجلس الاتحاد وظل يمارس السلطة التشريعية لوحده، ما يعني ان السلطة التشريعية العراقية تسير برجل واحدة، اي انها سلطة عرجاء. وهذه هي الخلطة الثانية، اما الخلطة الثالثة فقد تمثلت بعدم وعي النواب...

"خلطة العطار" عبارة يستخدمها السيد مقتدى الصدر في وصف الحكومات التي يشارك فيها الجميع، وهي في مقابل حكومة الاغلبية الوطنية السياسية التي ينادي بها، وانا استعير هذا التعبير الجميل منه لوصف واقع الحال في مجلس النواب، لكي اشير الى الخلط في الصلاحيات وفي ممارسات مجلس النواب وبخاصة بالنسبة لرئاسته.

مجلس النواب، وحسب الدستور، هو الفرع الاول للسلطة التشريعية في البلاد، وذلك حسب نص المادة (48) التي تقول: "تكون السلطة التشريعية الاتحادية من مجلس النواب ومجلس الاتحاد.

الفرع الاول: مجلس النواب".

اما الفرع الثاني فهو مجلس الاتحاد الذي تنص عليه المادة (65) التي تقول: "يتم انشاء مجلسٍ تشريعي يُدعى بـ (مجلس الاتحاد) يضم ممثلين عن الاقاليم والمحافظات غير المنتظمة في إقليم، وينظم تكوينه، وشروط العضوية فيه، واختصاصاته، وكل ما يتعلق به، بقانونٍ يسن بأغلبية أعضاء مجلس النواب.". وهذا يعني ان مجلس الاتحاد هو مجلس الاقاليم والمحافظات غير المنتظمة في اقليم. وبهذه الهيكلية تكون السلطة التشريعية عندنا شبيهة بالسلطة التشريعية في الولايات المتحدة المؤلفة من مجلس النواب، ومجلس الشيوخ، ويطلق عليهما معا اسم "الكونغرس" وذلك حسب نص الفقرة الأولى من المادة الاولى من الدستور الاميركي الصادر عام ١٧٨٩ التي تقول: "تناط جميع السلطات التشريعية الممنوحة هنا إلى كونغرس الولايات المتحدة، والذي يتألف من مجلس للشيوخ ومجلس للنواب".

لكن هناك فرق جوهري بين الحالتين العراقية والاميركية. ففي الدستور الاميركي يكون مجلس النواب ومجلس الشيوخ متساويين من الناحية الدستورية، اما في الدستور العراقي فان مجلس الاتحاد ادنى درجة من مجلس النواب. وبالتالي فان فرعي السلطة التشريعية في الدولة العراقية الهجينة ليسا متعادلين. ذلك ان مجلس النواب العراقي هو الذي سوف يحدد صلاحيات واختصاصات مجلس الاتحاد بقانون يصدره النواب، وذلك حسب المادة ٦٥ المذكورة اعلاه. وهذه هي الخلطة الاولى.

ومع ذلك، وبرغم مرور ١٧ سنة فان مجلس النواب في دوراته التشريعية السابقة لم يشرّع قانون مجلس الاتحاد وظل يمارس السلطة التشريعية لوحده، ما يعني ان السلطة التشريعية العراقية تسير برجل واحدة، اي انها سلطة عرجاء. وهذه هي الخلطة الثانية.

اما الخلطة الثالثة فقد تمثلت بعدم وعي النواب، وبخاصة رئاسته، لحدود صلاحياتهم واختصاصاتهم الدستورية. لقد حددت وحصرت المادة (61) صلاحيات مجلس النواب بجملة: "يختص مجلس النواب بما يأتي"، ثم عددت هذه الاختصاصات على سبيل البيان والحصر، وليس على سبيل المثال والتشبيه ما يعني ان اي اجراء يتخذه البرلمان خارج اطار هذه الاختصاصات، اي خارج ما نص عليه الدستور، يكون اجراءً غير دستوري. ومن هذه الاجراءات، على سبيل المثال، صلاحيات رئيس البرلمان. صحيح ان المادة (55) قالت: "ينتخب مجلس النواب في أول جلسةٍ له رئيساً، ثم نائباً أول ونائباً ثانياً، بالأغلبية المطلقة لعدد اعضاء المجلس، بالانتخاب السري المباشر"، لكن هذه المادة لم تمنح رئيس البرلمان ونائبيه اية سلطات وصلاحيات، واما المادة (63/ اولاً) فقد تحدثت عن "حقوق وامتيازات رئيس مجلس النواب ونائبيه واعضاء المجلس" التي يجب ان تحدد "بقانون". وليس في الدستور اية مادة اخرى تمنح النواب ورئيس مجلسهم صلاحيات اخرى.

وهنا يتعين القول ان لقب "رئيس البرلمان" لا يشبه لقب رئيس الجمهورية او لقب "رئيس مجلس الوزراء" اللذين حدد الدستور صلاحياتهما. على الاقل نقول ان رئيس مجلس النواب ليس رئيسا للنواب، ولا يملك اية سلطة لاتخاذ قرار يخص عمل الدولة. فليس من صلاحياته مثلا فتح باب الترشيح لانتخابات رئيس الجمهورية. في بريطانيا يحمل هذا الموقع لقب speaker وليس head او chief او president لان ايا من هذه الالقاب لا ينطبق على موقع رئيس البرلمان الذي لا تتعدى مهمته ترؤس جلسات البرلمان وادارتها. لكن عزاؤنا اننا في دولة "خلطة العطار"!

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق