اصدرت المحكمة الاتحادية العليا في العراق عدد من التفسيرات بعد انتخابات تشرين الأول عام 2021 التي تخص مسائل إشكالية بين الواقع السياسي والنص الدستوري، والملاحظ ان دور المحكمة الاتحادية بدأ يتضخم بعد انتخابات تشرين الأول عام2021 في ضوء المشاكل والطعون إضافة الى مسألة مهمة تتعلق بغموض الدستور، وقابلية العديد من مواده الى احتمالية اكثر من تفسير او حمالة أوجه.

فلنتذكر في البدء ان المحكمة الاتحادية العليا في العراق مؤسسة دستورية بموجب المادة (93) من الدستور العراقي لعام 2005، وينظم عملها وصلاحياتها قانون رقم (30) لسنة 2005 وتعديلاته، ومن صلاحياتها: الرقابة على دستورية القوانين والانظمة النافذة، تفسير نصوص الدستور، الفصل في القضايا التي تنشأ عن تطبيق القوانين الاتحادية، والقرارات والانظمة والتعليمات والاجراءات الصادرة عن السلطة الاتحادية، ويكفل القانون لكل من مجلس الوزراء، وذوي الشأن من الافراد وغيرهم، وحق الطعن المباشر لدى المحكمة، والفصل في المنازعات التي تحصل بين الحكومة الاتحادية وحكومات الاقاليم والمحافظات والبلديات والادارات المحلية، والفصل في المنازعات التي تحصل بين حكومات الاقاليم أو المحافظات، والفصل في الاتهامات الموجهة إلى رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء والوزراء، والتصديق على النتائج النهائية للانتخابات العامة لعضوية مجلس النواب، والفصل في تنازع الاختصاص بين القضاء الاتحادي والهيئات القضائية للأقاليم ولمحافظات غير المنتظمة في إقليم، والفصل في تنازع الاختصاص فيما بين الهيئات القضائية للأقاليم أو المحافظات غير المنتظمة في إقليم، وأخيرا النظر بالطعن في قرار مجلس النواب.

ومع هذه الصلاحيات يتشابك القانوني- الدستوري بالجانب السياسي او على الأقل يكون له تداعيات واثارا سياسية، ففي تفسيرات المحكمة الاتحادية للطعون او الإجراءات ما بعد انتخابات تشرين الأول عام 2021 ذهبت المحكمة الاتحادية العليا الى رد الطعون المقدمة من قوى الاطار التنسيقي الشيعي الخاصة برفض نتائج الانتخابات وذهب المحكمة في (٢٧ كانون الأول ٢٠٢١) برد الدعوى المقدمة من الاطار التنسيقي، مشيرة الى ان مجلس القضاء يمتلك السلطة الحصرية لحل المشاكل الناجمة عن الانتخابات، والهيئة القضائية نظرت بكل دعاوى وطعون القوى الخاسرة والتي رفضت نتائج الانتخابات، ومع ذلك ذهبت المحكمة الى تحديد خيارات فنية مستقبلية مثل العد والفرز اليدوي، وتغيير قانون الانتخابات في الدورة الانتخابية القادمة، وهو ما ينسجم ورغبة القوى الخاسرة في الانتخابات في حين كانت القوى الفائزة من كل الاتجاهات قد أبدت ارتياحها لقانون الانتخابات وبإجراءات المفوضية العليا المستقلة للانتخابات.

وبعد انعقاد اول جلسة لمجلس النواب الجديد حدث اضطراب داخل مجلس النواب مما دعا نقل رئيس السن محمود المشهداني الى المستشفى، وهناك من يقول انه مشهد مفتعل من اجل رفع الجلسة اذا ما كان هناك عارض او عدم اكتمال النصاب بعمل مدروس ما بين رئيس السن، وقوى الاطار التنسيقي الرافض لمسألة إدارة الدولة بتحالف ثلاثي يقوده الصدر، والحلبوسي، وبرزاني، وخلاف الاطار مع الكتلة الصدرية حول أولوية الكتلة الاكثر عددا، وبعد بيان رأي القانونية النيابية اكمل الاحتياط الأول لرئيس السن الجلسة، وتم انتخابات رئيس ونائبيه، مما دعا اطراف عديدة مقربة من الاطار التنسيقي ومنه المشهداني ذاته الى رفع دعوى الى المحكمة الاتحادية ترفض انتخاب رئيس ونائبيه بعد غياب الرئيس السن لدواعي صحية مثلما ادعى لكن المحكمة ردت الدعوى في (25 كانون الثاني 2022) وبكتابها المرقم (6 اتحادية 2022) بعد ان صدر الأمر الولائي من المحكمة الاتحادية العليا بإيقاف كافة الإجراءات التي اتخذها ويتخذها مجلس النواب ورئيس المجلس ونائبيه.

وجل الإشكالية هنا تكمن في جانبين: الجانب الأول هو ان الاطار التنسيقي والقوى الخاسرة الأخرى اردت تمرير مشروع تسجيل الكتلة الأكثر عددا من خلال رئيس السن قبل ان تنسحب، حتى تصبح الكتلة المسجلة بموجب تفسير المحكمة الاتحادية السابق في عام 2010 لكن من خلال رئيس السن، في حين يتمثل الجانب الاخر ان هناك شخصيات الى جانب قوى الاطار التنسيقي لم تكن راغبة في انتخابات هيئة الرئاسة بشخوصها الحاليين خصوصا الحلبوسي.

عموما أمضت الجلسة وتقدمت الكتلة الصدرية قائمة من بأسماء نواب وتواقعيهم قالت انها تمثل الكتلة الأكثر عددا، ولم تمض الا أياما حتى تقدم نواب من تكتل نوري المالكي الى المحكمة الاتحادية يبتغون تفسيرا وبيانا حول تحالفهم ككتلة اكبر، وفي ذات السياق فتح باب الترشيح لانتخاب رئيس الجمهورية وكان من ابرز المرشحين رئيس الجمهورية الحالي برهم صالح القيادي في حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، والقيادي في الحزب الديمقراطي الكردستاني هوشيار زيباري، وقد تقدم نواب عن الحزب الاتحاد الكردستاني بطعن حول أهلية ترشيح هوشيار زيباري المنافس الأقوى لبرهم صالح في ظل إصرار حزب الديمقراطي الكردستاني على تقديم مرشح خاص بالحزب لرئاسة الجمهورية او قبول حزب الاتحاد بطرح مرشح اخر غير برهم صالح.

وقد سارت المحكمة الاتحادية في بيان معالم الكتلة الأكثر انها ذهبت الى تمديد الفترة الزمنية اكثر من تحديد الشكل الفني للكتلة حيث قالت ان الكتلة الأكثر عددا تتشكل من غاية انتخاب رئيس المجلس ونائبيه ولغاية انتخاب رئيسا للجمهورية في حين كانت تفسيراتها السابقة وخاصة بجلستها المنعقدة بتاريخ 22/12/2019 وتوصلت تفسيرها لحكم المادة (76) من دستور وذلك بموجب قرارها الصادر بتاريخ 25/3/2010 بالعدد (25/ اتحادية/ 2010) والذي اكدته بموجب قرارها الصادر بتاريخ 11/8/2014 بالعدد (45/ ت. ق/ 2014) ومضمونه، ان تعبير (الكتلة النيابية الاكثر عدداً) الواردة في المادة (76) من الدستور تعني اما الكتلة التي تكونت بعد الانتخابات من خلال قائمة انتخابية واحدة، او الكتلة التي تكونت بعد الانتخابات من قائمتين او اكثر من القوائم الانتخابية ودخلت مجلس النواب واصبحت مقاعدها بعد دخولها المجلس وحلف اعضاؤها اليمين الدستورية في الجلسة الاولى الاكثر عدداً من بقية الكتل، عند ذاك يتولى رئيس الجمهورية المنتخب تكليف مرشحها بتشكيل مجلس الوزراء طبقاً لأحكام المادة (76) من الدستور وخلال المدة المحددة فيها.

وهنا الإشكالية تكمن في ان قوى الاطار التنسيقي بعدما شعرت ان الكتلة الأكبر ستتجه صوب مشروع الأغلبية الوطنية اذا ما كان التفسير على النحو السابق خصوصا وان قوى الاطار التنسيقي قدم نفسه ككتلة اكثر عددا الى رئيس السن، وهو ما قد يشكل مخالفة دستورية اذا ما علمنا ان رئيس السن ليس من صلاحيته تحديد الكتلة الأكثر عددا بموجب الدستور والنظام الداخلي لمجلس النواب، صحيح ان المحكمة الاتحادية العليا ردت دعوى الاطار التنسيقي ونواب المالكي لكن أعطت تفسيرا مغايرا هذه المرة وهو ما يشكل فسحة أخرى في المفاوضات والاتفاقات بالنسبة لقوى الاطار التنسيقي في المشاركة في تشكيل رئاسات والوزارة.

وفي سياق بذي صلة قدم نواب عن حزب الاتحاد الوطني الكردستاني تفسيرا حول المادة (70) من الدستور العراقي النافذ، والنصاب الواجب توفره لانتخاب رئيس الجمهورية، وفي معرض تفسيرها للمادة المذكورة ذهبت المحكمة الاتحادية بانه "ينتخب مجلس النواب رئيسا للجمهورية من بين المرشحين لرئاسة الجمهورية بأغلبية ثلثي مجموع عدد اعضاء مجلس النواب الكلي ويتحقق النصاب بحضور ثلثي مجموع عدد اعضاء مجلس النواب الكلي".

ووفقا لخبراء فان التفسير الجديد للمادة (70) وفي زحمة المطالبة بالتوافقية او الذهاب الى تداعيات خطيرة، جعل مشروع الأغلبية الوطنية الذي ينادي به التيار الصدري والتحالف الثلاثي بحاجة الى كسب المزيد من الحلفاء، حيث يتطلب توفر ما لا يقل عن (219) نائبا من أعضاء مجلس النواب الكلي (329) نائبا، وهو ما يجعل من قوى الاطار التنسيقي ان تطرح مشروع الثلث المعطل في قبال مشروع الأغلبية الوطنية، والمشكلة ان الفريقان يحتاجان الى استقطاب كتل أخرى او نواب مستقلين حيث ان التحالف الثلاثي وان كان له القدرة على ان يصل عدد أعضاء مجلس النواب الى (200) وهو ما تم فعلا مع انتخاب رئيس مجلس النواب ونائبيه لكن يحتاج الى الكتل الصغيرة والمستقلين على الأقل، وعلى الأقل لتوفير نصاب الثلثين، في حين ان فريق الثلث المعطل تكون عنده المسألة اعقد كونه ليس لديه الا ما يقارب (80) نائبا على اقوى الاحتمالات، في حين ان افشال عقد الجلسة بالثلثين يحتاج الى ما يقارب (110) على الأقل.

لذا فان تفسير المحكمة الاتحادية للمادة (70) من الدستور، عقد من انبثاق حكومة الأغلبية الوطنية في هذه الفترة، وربما يرجح الذهاب الى الحالة التوافقية او أي مضمون من مضامينها مثل المحاصصة او التقاسم المكوناتي والسياسي والحزبي.

مما زاد في تعقيد مشروع التحالف الثلاثي الشكوى المقدمة من قبل برلمانيين من حزب الاتحاد الوطني الكردستاني امام المحكمة الاتحادية ضد ترشيح زيباري، وبعد إيقاف ترشيح هوشيار زيباري مؤقتا من قبل المحكمة الاتحادية بكتابها بذي العدد (3/ اتحادية/أمر ولائي/2022) "قررت المحكمة الاتحادية العليا إيقاف إجراءات انتخاب هوشيار محمود محمد زيباري لمنصب رئيس الجمهورية مؤقتاً إلى حين حسم الدعوى (17/ اتحادية/ 2022)". وفي (13 شباط 2022) رفضت المحكمة الاتحادية العليا ترشيح هوشيار زيباري لمنصب رئيس الجمهورية لضلوعه في أعمال فساد عندما كان وزيرا يأتي ذلك بعد ان اجتاز زيباري المؤسسات المختصة في النزاهة والقضاء الجنائي، والنزاهة، وصادقت هيئة مجلس النواب ترشيحه إضافة الى الاخرون، مما مثل انتكاسة بالنسبة للحزب الديمقراطي الكردستاني، يأتي ذلك بعد تحذير الصدر للأعضاء مجلس النواب من انتخاب زيباري اذا ما كان مدانا ومن ثم تجميد المفاوضات وعدم حضور جلسة انتخاب رئيس الجمهورية، وهو ما زاد المشهد السياسي العراقي تعقيدا، فيما يزال حزب الاتحاد الوطني الكردستاني مصرا على مرشحه لدورة ثانية، يقابله رفض من الحزب الديمقراطي الكردستاني.

وفيما مثل تفسير المحكمة الاتحادية لنصاب انتخاب رئيس الجمهورية القاضي بانعقاد مجلس النواب بثلثي عدد أعضاء مجلس النواب، فرصة اكبر للقوى الاطار التنسيقي وحزب الاتحاد الكردستاني في ممارسة الضغوط السياسية والإعلامية وحتى الإقليمية على التحالف الثالث، وهو ما يضع العملية السياسية امام تداعيات كثيرة في ظل سخونة المشهد السياسي يوم بعد آخر وتصعيد واضح من قبل القوى الرافضة لإدارة الدولة من غير المنهجية التوافقية.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية/ 2001 – 2022 Ⓒ
http://mcsr.net

اضف تعليق