نحن بازاء اعادة هندسة المشهد السياسي وترتيب أوزان اللاعبين بين كبار ومتوسطي حجوم وصغار وآخرون يستخدمون المفرقعات، وحتى يرضى هؤلاء بحجومهم سيكون لضغط الخارج دور في التسليم بهذه القسمة، وهنا يحضر الدور الايراني باعتباره المؤثر الاكبر والفائز في مباريات التنافس مع اميركا، ستخرج الهندسة السياسية بنتائج فعالة...

اعتاد العراقيون بعد كل انتخابات، التعايش مع العاب سياسية خطيرة قبل ان تولد حكوماتهم العتيدة، يجرب الساسة العراقيون انواعا من التفاوض المباشر وغير المباشر، يلجأوون الى الرأي العام بافكار تعكس اهدافهم ومشاريعهم القريبة، يخاطبون الجمهور برسائل سياسية، لكن اخطر الرسائل ماكان مصحوبا بجرعة تهديد عالية وتمارين صاروخية مسلحة، سرعان ما يتم نسبتها الى طرف ثالث معجب دائما بـ(خلط الاوراق) فيصبح تتبع هذا الطرف من مسؤولية الاجهزة المخابراتية والامنية لكشفه وتبديد سوء الفهم!!؟.

منذ اول حكومة دائمة تشكلت بعد حكومة اياد علاوي الانتقالية كان الشيعة (الاخ الاكبر) يتعلمون اساليب جديدة في العمل السياسي الديمقراطي، من بينها اللجوء الى التصويت الداخلي لحسم مرشح الكتلة الاكبر لرئاسة الوزراء، كان الاختلاف حينها على شخص رئيس الوزراء، انتماؤه، مواصفاته، ميوله واتجاهاته، جرى ذلك بين مرشح حزب الدعوة الاسلامية ومرشح المجلس الاعلى، ثم تتالت طرق حسم المرشح عبر وسائل اخرى من بينها الاستعانة بنصيحة المرجعية العليا، ثم بلغ (النضج) اعلى مساراته عندما تشكلت حكومة القوى الصاعدة الى عالم السياسة عام 2018، يومها لم يتحدث احد عن توافق ضمني غير مباشر بين طهران وواشنطن، بلغ قيل ان امريكا خسرت اللعبة على طريقة كرة القدم بنتيجة 3-0، اطلق هذا الكلام دبلوماسي مخضرم في ذروة ضغط الرئيس الامريكي السابق دونالد ترامب على ايران بعد الانسحاب الامريكي من الاتفاق النووي.

اليوم يعيش العراق محنة تسمية وتشكيل الكتلة الاكبر ومرشحها لرئاسة الوزراء، الخلاف اليوم على من يقود الدولة تفصيلا، من له الامر والنهي غير رئيس مجلس الوزراء والوزراء، من له السيطرة على ملف الامن والاقتصاد، من له سلطة ترشيح الوزراء والموكلاء والمدراء، ولان ابناء البيت الشيعي ماعادوا حريصين على بقاء البيت موحدا، فقد ضاقت البدائل والخيارات، واضحى الدفاع عن (المصلحة العليا) لكل طرف هي العقدة التي ستدخل العراق في مرحلة وخروجه من اخرى. فالطرف الاطاري يخشى التسليم بضياع سيطرته الجزئية على الملف الامني وعلى حضوره في الملفات الاخرى، انه يخاف من سيطرة التيار على كافة المقدرات ولهذا تبدو الامور شائكة وحلولها معقدة مالم يتم الاتفاق بين طرفي النزاع على اقتسام السيطرة وتحقيق شكل من اشكال التوازن أو الذهاب الى النهايات القصوى السيئة.

المتزعمان الرئيسيان لهذه المرحلة هما زعيم التيار الصدري وزعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني وكلاهما لديه رؤية لا تتكامل مع الاخر بل يتقاطعان في الاهداف الاخيرة لمشروعيهما، وتفاهمهما في هذه المرحلة يستهدف تجاوز معوقات مرحلية بما يستدعي تطويع ارادة منافسين وخصوم ونقل قطار السياسة العراقية من سكة الى اخرى، السيد مقتدى الصدر يريد تصميم حكومة اغلبية وطنية بمقاسات حددها بنفسه، يُدخل فيها من يشاء ويقصي من يشاء، ولا تريد الاطراف الاخرى السماح له بذلك لانها تخشى تزعمه لقرار (الطائفة) وعندذاك ستجد نفسها ثانوية التأثير أو بلا تأثير.

بينما لا يجد السيد غضاضة في ذلك، فصناديق الاقتراع هي من فوضته هذه الزعامة غير المكتملة، انه في عجلة من امره لتأكيد هذه السطوة والزعامة، ومن لا يريد التسليم بمآلات هذا المشروع يلجأ بطبيعة الحال الى اساليب تعطيل، من بينها خلطة الطرف الثالث المسلحة، السيد البارزاني يعاني هو الاخر من عدم تسليم شركاء محليين بزعامته وهو يستخدم تحالفات جديدة مع شركاء الوطن لتحييد شركاء القومية، في حين تم حسم موضوع الزعامة السنية برعاية عربية-تركية حيث جاء المخرج من التنافس بتاسيس شركة مساهمة وانتخاب مجلس ادارتها عبر توزيع المهام والوظائف، لأنه لا مشروع كبير يعطل الاتفاق على هذه الزعامة، انما الحصول على الحصة بموجب الاستحقاق الطائفي والتقسيم المكوناتي.

نحن بازاء اعادة هندسة المشهد السياسي وترتيب أوزان اللاعبين بين كبار ومتوسطي حجوم وصغار وآخرون يستخدمون المفرقعات، وحتى يرضى هؤلاء بحجومهم سيكون لضغط الخارج دور في التسليم بهذه القسمة، وهنا يحضر الدور الايراني باعتباره المؤثر الاكبر والفائز في مباريات التنافس مع اميركا، ستخرج الهندسة السياسية بنتائج فعالة اذا اقتنعت طهران بان مرحلة جديدة هي قيد التشكل في العراق، اما اذا اريد لصيغة الحكم العراقية ان تستمر وفق نموذج مشاركة الجميع في الادارة فان الامر يحتاج شهورا لتنجح عمليات الترويض وفق مبدأ حافة الهاوية.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق