عودة الوجود الأمريكي العسكري الى العراق ما كانت لتحصل لولا احتلال داعش لمدينة الموصل. وباستعراض الأحداث منذ بداية ظهور داعش حتى اليوم نبدو وكأننا امام واحد من أفلام الخيال لهوليود. فعملية ظهورها المفاجئ وردود فعل الادارة الأمريكية والاطاحة برئيس الوزراء نوري المالكي قد حقق لأنصار الحرب والهيمنة والاحتلال من القوميين المتعصبين المهيمنين على وزارة الدفاع والخارجية ومجلسي الكونغرس أهدافا ما كان بإمكانهم تحقيقها وفق السياقات الدبلوماسية والتشريعية والعسكرية الأمريكية المعتادة. ففي فترة قياسية سجلوا الانجازات والمكاسب التالية:

أولا - عودة الوجود والنفوذ الامريكي المباشر على الحكومة العراقية مدعوما بوجود عسكري واستخباراتي كثيف.

ثانيا - اقناع الراي العام الأمريكي بأن حروب التدخل التي تنفذها الولايات المتحدة في العالم ضرورية للقضاء على خطر الارهاب الذي يهدد الأمن الداخلي للولايات المتحدة ومصالحها الاقتصادية والسياسية في منطقة الشرق الأوسط خاصة.

ثالثا - ايجاد المبررات لإقناع الشعب الأمريكي بضرورة زيادة الميزانية العسكرية بغرض الارتفاع بقدرات القوات المسلحة الذي يعتبر مطلبا ملحا لقادة قوات الجيش وصقور المحافظين الجدد المناصرين لتعزيز الهيمنة الأمريكية في العالم ولمواجهة خطر صعود روسيا والصين الشعبية كدول تنافس الولايات المتحدة كقوة عظمى وحيدة بعد ازاحة الاتحاد السوفييتي ربع قرن مضى.

ورابعا – زيادة مشتريات السلاح لتنشيط الصناعات العسكرية الأمريكية التي تعتبر مصدرا هاما لأرباح الفئة الرأسمالية الحاكمة. وبنفس الوقت ينظر الاقتصاديون الليبراليون الجدد للصناعات العسكرية بكونها واحدة من أكبر مراكز تشغيل القوى العاملة لذا فان زيادة انتاج ومن ثم مبيعات السلاح يعتبر عاملا مهما لزيادة معدلات النمو الاقتصادي المتباطئة منذ عام 2008.

خامسا – المباشرة الفعلية في تنفيذ مخطط تقسيم العراق الى ثلاثة ولايات على أسس طائفية - قومية كما ينص عليه المشروع الصهيوني العالمي. ويعتبر رئيس اقليم كردستان مسعود برزاني ثاني شخصية في منطقة الشرق الأوسط بعد رئيس مصر الأسبق انور السادات من يقيم علاقات تعاون وثيقة مع اسرائيل على حساب شعبنا ويضمن دعمها واعترافها بدولة مستقلة لكوردستان. وثانيا تشجيعه السنة العرب في بغداد وغرب العراق على اقامة دولتهم هم أيضا وقطع علاقتهم " بالحكومة الشيعية الموالية لايران"، وهو ما تؤكد عليه وسائل الاعلام الأمريكية الموالية للمحافظين الجدد واللوبي الصهيوني المؤيد لاسرائيل.

ففي اجتماع لاحدى اللجان الفرعية في الكونغرس لبحث الوضع في العراق وسوريا خرج المشاركون برأي يحبذ ارسال وحدات قتالية الى العراق لمساعدة الوحدات العسكرية المرسلة العام الماضي. وقد تحدث في الاجتماع فريدريك كاكان من معهد American Enterprise Institute قائلا:

الوضع السياسي يتأثر بما نعمله بما في ذلك التحركات العسكرية. هناك حرب وان أي حل نسعى له يجب ان يكون عسكريا وستكون حربا طويلة، لقد بدأت عام 2006 في العراق وستستمر لعقد آخر. وحول دور أكراد العراق قال كاكان: " التسليح المباشر للكرد في العراق وهو موقف يميل له بعض أعضاء الكونغرس يثير بعض المخاوف، إذ على الولايات المتحدة أن تكون حذرة حيال المبالغة في دور الكرد في مقاومة الجهاديين من السنة العرب. الكرد لن يعملوا على طرد داعش من محافظة الانبار، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى ان الاعتماد على الكرد يعطي الانطباع بأن الأمريكيين يدعمون استقلال كردستان. الحليف الذي نريده هو السنة العرب للقيام بمهمة طرد داعش". وأضاف كاكان:

"ان ما تخشاه داعش هو انتفاض السنة ضدهم كما انتفضوا ضد القاعدة في عام 2006-2007 عندما تصاعدت العمليات المسلحة ضد الامريكيين. ان ما تحتاجه الحكومة العراقية هو اشراك المزيد من السنة في المعارك ضد داعش واشراك المزيد منهم في القوات الأمنية الوطنية فهناك الآلاف ممن يرغبون قتال داعش. وبخصوص مايقال عن النفوذ الايراني على الشيعة العراقيين قال: نحن لم نقدم للشيعة العراقيين ما يكفي لخفض اعتمادهم على ايران، فالايرانيون يقدمون لهم التدريب والمعدات والقيادة، وليس من الصحيح معاملة الشيعة العراقيين بكونهم خاضعين للايرانيين."

وفي اجتماع اللجنة العسكرية للكونغرس الأمريكي عقد في يونيوحزيران الماضي شدد كلا من رئيس أركان القوات المسلحة مارتين ديمبسي ووزير الدفاع أشتون كارتر على ضرورة اعادة تقسيم العراق على أسس اثنية – طائفية وان العراق لم يعد دولة موحدة. الرئيس أوباما وقادة جيشه عندما يتحدثون عن شعبنا وبلادنا بهذا المستوى السياسي انما يعبرون عن سذاجة وضحالة في الثقافة العامة بدليل عدم المامهم بتاريخ العراق السياسي وحركة نضال شعبنا الوطنية خلال القرن المنصرم ومنذ احتلال بريطانيا للعراق. فتلك فترة شهدت نضالا جماهيريا عنيدا ضد الهيمنة البريطانية وما ارتبط بها من معاهدات سياسية واقتصادية وضد انضمام بلادنا للأحلاف العسكرية وبخاصة حلف يغداد. ولعل مرض ضعف الذاكرة من جعلهم ينسون ذلك والا فليس من المعقول أن ينسوا فشلهم في فرض هيمنتهم على بلادنا عندما احتلوه عام 2003.

ان مكونات شعبنا لم تتحارب في الماضي وليست في حرب الآن، لكنهم هم من يحاول بمختلف السبل افتعال الحروب بينها الآن، فقد أرسلوا الأسلحة بسخاء الى القوميين الاكراد حتى قبل أن تظهر داعش للوجود، واقاموا لهم قواعد عسكرية ومراكز تجسسية في كردستان. وبحسب حديث للمحلل السياسي الكردي ريبوار عبد الله ادلى به يوم الثلاثاء 30 حزيران الماضي لصحيفة الكاشف العراقية ذكر فيه انه تم افتتاح أكبر محطة تجسس دولية لـوكالة الاستخبارات المركزية "CIA" في الشرق الاوسط على مقربة من مطار محافظة اربيل. وذكر أيضا أن "حكومة الإقليم تدعي ان هذه المحطة مخصصة للمستشارين الاميركان لكن في حقيقة الأمر هي محطة تجسس دولية وافقت حكومة كردستان على انشائها طمعا بالحماية الأمريكية. وتضم المحطة ضباطا كبارا من "السي أي أي" يتواجدون فيها وتحت تصرفهم اجهزة بالغة التطور مدمجة عبر الاقمار الاصطناعية للتجسس على ايران وبغداد وسوريا.

وفي مناطق غربي العراق باشر الأمريكيون بتسليح العشائر العربية فيها وشجعوها على تشكيل ما يسمى بالحرس الوطني كنواة لجيش طائفي لدولة يضعون على رأسها شيوخ العشائر لموازنة النفوذ الايراني على الحكومة المركزية والحشد الشعبي الذي يقوده ايرانيون حسب تعبيرهم.. ويجري هذا بنفس الوقت الذي يمهد فيه لاستيعاب داعش داخل ما تعارف على تسميته بـ " الدولة السنية " التي ظهرت لأول مرة عام 2006 في خطة السيناتور الصهيوني جوزيف بايدن ( باعترافه هو شخصيا) قبل أن يرشحه أوباما نائبا له في حملته الانتخابية لولايته الأولى عام 2008.

وبنفس الوقت تضخ واشنطن الأموال والمسلحين الذين يجري تدريبهم في الأردن الى داخل سوريا لينضموا الى جبهة الحرب التي تقاتل ضد نظام الأسد ويعرفون جيدا ان المهيمنين على قوات تلك الجبهة هي المنظمات الارهابية جبهة النصرة والقاعدة وداعش. وتعمل الولايات المتحدة على تنفيذ مخطط تجريبي لتقسيم سوريا الى دويلات طائفية يكون نموذجا قابلا للتنفيذ في كل الشرق الأوسط بما فيها المملكة السعودية وتركيا وايران وباكستان وأفغانستان بنفس الوقت الذي يجري التمهيد لزرع الخلافات داخل الاتحاد الروسي الذي يضم 160 مجموعة عرقية موزعة ضمن 21 جمهورية إثنية.. النجاح في زرع الصراعات الاثنية وتشجيع رغبة الانفصال داخل تلك الكيانات هو مفتاح النجاح لزعزعة روسيا من داخلها وهو ما تسعى له الولايات المتحدة الأمريكية. فهل ستنجح بينما تفشل خططها في تقسيم العراق....؟؟

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق