بروكسل (رويترز) - قصيرة.. خاطفة .. اهتمامها منصب على أولويتين هما إنعاش الاستثمار المتراجع في أوروبا والوقوف بحسم في وجه روسيا. كان هذا ما اتسمت به أول قمة يعقدها الاتحاد الأوروبي في ظل قيادة جديدة فجاء الاجتماع في صورة تخالف بوضوح القمم السابقة.

دونالد توسك رئيس وزراء بولندا السابق الذي تولى هذا الشهر رئاسة المجلس الأوروبي المؤلف من 28 دولة وضع بصمته المميزة على اجتماع زعماء الاتحاد الأوروبي الذي أنهى أعماله قبل يوم من الموعد المقرر بعد استعراض للوحدة وإجماع على الهدف.

في شهر عمله الأول.. أظهر توسك عزما على أن يكون لاعبا رئيسيا في سياسة الاتحاد الأوروبي الخارجية وقاد مسيرة العمل على جدول أعمال أطلسي الطابع يشتمل على التجارة الحرة مع الولايات المتحدة والشراكة مع حلف شمال الأطلسي والتوتر القائم مع روسيا والتعاون الحذر مع الصين.

وسعدت مستشارة ألمانيا أنجيلا ميركل التي تمثل أقوى زعامة بالاتحاد بالخطوات الأولى لربيبها.. وهو مثلها شخص محافظ من بلد نبذ الهيمنة الشيوعية السوفيتية في 1989 تماما مثلما نبذتها ألمانيا الشرقية حيث نشأت المستشارة.

كالت ميركل الثناء على "اجتماع المجلس الأكثر قصرا واقتضابا والمنظم جيدا تحت زعامة رئيسنا الجديد دونالد توسك". بل إن مشاركين في المؤتمر قالوا إن توسك افتتح القمة دون حضور ميركل والرئيس الفرنسي فرانسوا أولوند بعد أن انتظرهما بقية الزعماء لفترة بينما كانا هما في اجتماع ثنائي.

وعلى النقيض من أسلوب سلفه البلجيكي هيرمان فان رومبوي الذي كان صوته الشخصي مطموسا مع ميله لموافقة آراء الغير.. أوضح توسك علانية مقدما أنه يريد نهجا حازما فيما يتعلق بالإبقاء على العقوبات الاقتصادية على روسيا التي وصفها بأنها "مشكلتنا الاستراتيجية".

توسك -النشط في لاتحاد طلاب حركة تضامن السابقة ومنظم الأحداث السياسية المناهضة للشيوعية في بولندا- قال إن الأوروبيين يجب أن يستعيدوا ثقتهم بالنفس ويدركوا نقاط قوتهم.

وقال "أكبر تحد اليوم هو النهج الروسي.. ليس فقط بالنسبة لأوكرانيا بل أيضا بالنسبة للاتحاد الأوروبي."

أحد المسؤولين بالاتحاد الأوروبي وصف التضاد بين فان رومبوي وتوسك بالتضاد بين "مدرسة قديمة ومدرسة لتجارة الأعمال" رغم أن توسك أقرب إلى الملاكم السياسي منه إلى الاقتصادي.

وعندما اجتمع سفراء الدول صباح اليوم التالي لمراجعة البنية الجديدة للقمة كان هناك ثناء جماعي على رئاسة توسك الحازمة التي أعادت إلى المجلس الأوروبي دوره المأمول في توجيه الاتحاد استراتيجيا فيما يتعلق بمجموعة محدودة من القضايا الرئيسية لا مجرد إعطائه قائمة بالمشاكل التي تحتاج لحل.

ومنع توسك الزعماء من الإدلاء بخطب طويلة أو اشتراكهم في إعادة كتابة البيان الختامي كما يحدث عادة.

وقال دبلوماسي بالاتحاد الأوروبي "كانوا سعداء بترك مهمة كتابة المسودة للموظفين ولم يطلبوا أن يشاركوا في الأمر."

أما إن كان هذا النظام سيستمر عندما تتعلق المسألة بقضايا خطيرة كالمال والسلطة فأمر سيتكشف في حينه.

خط توسك الواضح بشأن روسيا أخفى خلافا بين صقور يريدون إبقاء العقوبات أو تشديدها وحمائم من أمثال فرنسا وإيطاليا تحرص على تخفيفها لدى أول دلالة على تعاون روسي لإشاعة الاستقرار في شرق أوكرانيا.

هوة الخلاف هذه قد تتسع في منتصف 2015 عندما يضطر الاتحاد الأوروبي لمراجعة القيود على التمويل ومبيعات السلاح ونقل التكنولوجيا التي اتفق في البداية على فرضها 12 شهرا.

وحرص توسك على تجنب المبالغة في الترويج لمبادرة تحفيز الاستثمار الخاص في الاقتصاد الأوروبي الراكد التي اقترحها رئيس المفوضية الأوروبية الجديد جون كلود يونكر قائلا إنها ليست "حلا سحريا" لكنها خطوة أولى نحو استعادة الثقة.

ووافق زعماء الاتحاد على خطة لاستثمار 315 مليار يورو في قطاعات النقل والطاقة والبحث والمشروعات الصغيرة لكن البعض طالب بأخذ رأيه بشأن المشروعات التي سيتقرر تمويلها. وتريد بروكسل -بالاتفاق مع المستثمرين- أن تظل القرارات في يد البنك الأوروبي للاستثمار لتفادي تمويل الخطط التي تخدم مصالح السياسيين الوطنية.

وقد يكون هذا أول اختبار لما إذا كانت القيادة الأوروبية الجديدة ستتمكن من مقاومة ضغوط إعادة تأميم عملية صنع القرار.

كانت أزمة منطقة اليورو التي امتدت من عام 2010 إلى 2013 قد غيرت ميزان القوى داخل الاتحاد الأوروبي وأعطت صوتا أعلى لحكومات الدول التي تمسك بمفاتيح خزائن النقود بينما خفت صوت المفوضية التي اضمحل دورها شيئا فشيئا في تحريك التشريعات الأوروبية.

وانحنى يونكر أمام رياح التشكك إزاء الاتحاد الأوروبي وأعلن الأسبوع الماضي عن برنامج عمل سيرفع منه 80 بندا كان مقررا بينها قواعد تتعلق بنظافة الهواء وإدارة النفايات وسيقترح 25 مبادرة جديدة فقط العام القادم.

فقد حبذ هو وتوسك الاستغناء عن القضايا التي يدركان أن فرصة الاتفاق عليها ضئيلة.

وستكون بداية أوروبا الجديدة محل اختبار عام 2015 لدى مناقشة السياسات النقدية واحتمالات الاضطراب السياسي والركود الاقتصادي.

ربما يكون توسك ويونكر قد نالا استحسانا في أسابيع عملهما الأولى.. لكن الاختبار الحقيقي لم يحل بعد.

 

اضف تعليق