كان لإبتعاد الشيعة او اقصائهم على مدى التاريخ اثرا واضحا في طبيعة التوجهات الفكرية والمنطلقات النظرية فلم يتم اشعارهم على انهم جزء اساسي وفاعل في الدولة مما رتب على ذلك توجههم نحو تغيير السلطة القائمة على قمة الهرم دائما لتحقيق حالة الخلاص من الظلم والشعور بالعزلة، وبهذا فمعظم الافكار والآراء والنظريات التي طرحت كانت تتعلق بطبيعة السلطة وشكلها ولم تتعلق بشكل الدولة وبنائها وطبيعة تنظيم المجتمع، حتى جاءت بعض الكتابات التي مثلت حينها نقطة انطلاق فكرية واضحة لمسألة بناء الدولة والمجتمع وفي طليعتها كتابات السيد محمد باقر الصدر في فلسفتنا واقتصادنا حيث اعتبرت طرحا منهجيا جديدا.

وانطلاقا من ذلك لازال الكثير في طروحاتهم أسرى التاريخ ولم يتم دراسة الواقع دراسة جديدة وجدية تقوم على اساس التأمل في المستقبل وصياغته ورسمه بما يتلائم مع المعطيات الجديدة.

وتبعا اليه غابت الاستراتيجية الواضحة المستندة الى العمق التاريخي واستلهام ما يعي المرحلة الحالية والارتكاز الى تكتيكات عالية لا تشوه مضامين الاستراتيجية ولا تسيء اليها بل تستوعب كل مدركات السياسة ومفاهيمها وآلياتها الحاضرة، بل يجب الادراك اننا لسنا في عالم صحراوي نائي بل في اسرة دولية متفاعلة.

ولو عدنا الى نشاطات المعارضة قبل عام 2003 كان جل اهتمامها مكرسا للقضاء على النظام السياسي ولم يتم التركيز على شكل الدولة القادم، نعم لقد طرحت بعض التصورات والافكار الا انها مثلت رؤى مختلفة وليست رؤية واحدة يجتمع عندها الشيعة في العراق والمثل البارز امامنا في هذا السياق هو الموقف من الفيدرالية بين رافض ومؤيد ومتردد.

وانعكس هذا لاحقا في مهمة كتابة الدستور فلم يكن واضحا شكل الدولة هل هي دولة مدنية ديمقراطية ام دينية ام مدنية بإطار ديني اسلامي ام دينية بإطار ديمقراطي، لذلك حتى الدستور جاء ملتبسا برغم الموافقة الشعبية عليه، ولذا يلحظ حاليا حالة نكوص في العلاقة مع الدستور من قبل أبرز القوى الشيعية نفسها لا بل حتى من الذين أسهموا في صياغة الدستور، بل يستشعر ان الكثيرين ينظرون الى الدستور على انه محطة مؤقتة في طريق الانتقال السياسي.

وعلى الرغم من ان الشيعة كانوا يؤدون اداءا فاعلا طيلة الحقب الماضية استنادا الى موروثهم العقائدي والفكري الا ان هذا الاداء شابه الكثير من الاختلالات والتشوهات بعد عام 2003 ولم يتم الاستفادة من موروث الدولة العراقية والشيعة هم بناة هذه الدولة، وكان الخطأ الاستراتيجي الذي وقع فيه البعض هو تطور مخرجات ومنتجات الدولة منذ تشكيلها عام 1921 وكأنها ارثا لصدام حسين وتم التعامل معها على هذا الاساس حيث تم هيكلة الكثير من مؤسساتها وحلها كما حدث مع الجيش والاجهزة الاخرى ولم يتم استيعاب الكفاءات وظهرت اشكالية العلاقة بين الخارج والداخل وبين التشيع والتحزب الشيعي.

ان أبرز ما يمكن تأشيره في الاطار الفكري المنظم للعمل السياسي للمكون الشيعي هو عدم وجود انسجام بين المنظومة الفكرية والممارسة السياسية وعدم وجود رؤية مشتركة وغياب الانسجام الواضح بين رؤية المرجعية الدينية والاداء السياسي المعبر عن ذلك من قبل النخب السياسية.

وان انعكاس ذلك بات واضحا في غياب المنظومة التي تصنع القرار السياسي، فاذا كان التحالف الوطني أقرب الى ما يكون مؤسسة لصنع القرار السياسي الشيعي بات هذا التحالف ضعيفا الان وأقرب الى التفكك ولا يمر اي قرار دون خلاف واضح بل أصبح هذا الخلاف يمتد الى رئاسة التحالف واحقية من يقوم بأدائها.

ومن المشاكل التي تسجل في هذا السياق هو غياب التكنوقراط الشيعي او تغييبه عن العمل السياسي بمختلف مجالاته استنادا الى المعادلة غير المتوازنة بين التشيع والتحزب الشيعي والتي حالت في ذلك لصالح التحزب الشيعي.

ولابد من التأشير ايضا على مسألة غياب خطاب سياسي واضح يستند الى الأيدلوجية المعنية بالحكم وبناء الدولة فأصبحنا امام خطابات سياسية متعددة مثلت ألوان وصور متعددة للطيف الشيعي ولم نكن امام رؤية مشتركة ولون واحد وصورة ثابتة وانعكس هذا في طبيعة الخطاب الاعلامي الذي جاء متناثرا ومبعثرا احيانا اما ليجسد ضعف الخطاب السياسي او يبتعد عن الخطاب السياسي العقلاني المطروح.

فما يظهر عبر القنوات الفضائية لا يمثل احيانا العقلية الشيعية ومدياتها البعيدة بل يساهم في افساد البرامج السياسية التي تؤكد على الدور القيادي للشيعة بعيدا عن المماحكات والتشنجات ولغة الاستفزاز.

وقد يسهم في التشويش على الاداء السياسي والعسكري وهذا ما اشار اليه رئيس الوزراء الدكتور حيدر العبادي وألمحت اليه المرجعية الدينية في ضرورة توخي الدقة والحذر من التصريحات والخطابات التي اثرت كثيرا على المواطن.

آليات الحل والمراجعة:

لابد من مراجعة العملية السياسية مراجعة شاملة دون اي تردد بل بانفتاح وبأريحية عالية والانفتاح على الآخر ويشمل هذا المراجعة الدستورية والنظر في جملة القضايا والتفاصيل ورصد الاخطاء والسلبيات ووضع المعالجات الكفيلة وعلى اسس استراتيجية رصينة.

وان هذه الاستراتيجية لابد ان تستند الى توضيح رؤية الشيعة لشكل الدولة هل هي دولة مواطنة ام دولة مذاهب، فدولة المواطنة تستدعي استحضار منهجية جديدة ورؤية جديدة قائمة على الاستيعاب ولو على اساس (دفع المفاسد اولى من جلب المنافع).

واستتباعا لابد من عقد مؤتمر شامل لكل القوى الشيعية يتم فيه بحث كل الامور وبجدية وايجابية واريحية عالية والظهور ببرنامج سياسي يعالج اخطاء المرحلة الماضية ويضع ضمانات التصحيح ويتفاعل مع صورة المستقبل مع جميع المكونات وحين يرفض هذا البرنامج من الاخر لابد ان يصار الى رؤية استراتيجية اما الانفصال او الاقلمة او المواجهة.

ولابد من اتباع الاليات المعيارية حين المعالجة والدراسة لتحديد النسب في مديات النجاح والاخفاق وعلى اساس موضوعي مجرد من كل المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

ان يصار الى جعل التحالف الوطني مؤسسة مبنية على تفاعل جميع الاطراف ويضم في صفوفه كل فعاليات المكون الشيعي وان يتم اتخاذ القرارات على اساس جماعي مبني على المصلحة العليا وليس على اساس المصالح الحزبية وان تتبع كل الآليات والأدوات السياسية لصناعة القرار الناتجة على المنهجيات العلمية والفاعلة بعيدا عن الاجتهادات، وكذلك تحكم مسألة الربح والخسارة مع التركيز الواضح في هذه المرحلة على التكنوقراط الشيعي الفاعل، ويستند التحالف في عمله على برنامج سياسي واضح يتفاعل مع التصورات السياسية للمكونات الاخرى.

وفي هذا الصدد لابد من تدعيم موقع رئيس الوزراء كونه الشخص المؤتمن على تنفيذ البرنامج الشيعي والبرنامج السياسي للمكون ووضع آليات لتدعيم موقفه وكذلك ترصين الرقابة عليه ليكون على السكة الافضل والانسب.

لابد من الانطلاق من حقيقة مهمة لا لبس فيها، ان وحدة المكون الشيعي على الاسس المطروحة اعلاه هي الضمان لوحدة العراق والمنطلق الاساسي لهذا الامر فلا وحدة للعراق دون وحدة المكون الشيعي اولا ومن ثم التفاعل مع المكونات الاخرى.

كذلك يجب الادراك ان العراق ليس البلد الوحيد الذي يضم بين جنباته مكونات عديدة بل ما يميز العراق ان هذه المكونات فيها مايشد ربما اكثر مما يفكك.

الآليات على المستوى الخارجي:

وعلى مستوى العمل على الصعيد الخارجي لابد من تحديد الاولويات والدوائر والحلقات للعمل على المستوى العربي والاقليمي والدولي والابتعاد عن المواقف الجغرافية والعشوائية.

ومن الضروري محاكاة الواقع العربي في المرحلة الراهنة فالدول الخليجية هي مدركة لحاجتها لشيعة العراق اذا ما استطاعوا ان ينطلقوا بمنطلقات سياسية ومدركات جديدة ويستعبروا من لحظة الحاجة الخليجية وان يمسكوا جيدا بالأوراق الضاغطة تجاه دول الاقليم.

ان عدم فتح آفاق التعاون مع الآخر معناه الامعان في مسألة تقسيم العراق وزيادة الخسائر في الجانب السياسي.

ولابد من الاهتمام بمراكز البحوث التي ترصد المعلومات والافكار والحقائق وتركز على المشتركات في العلاقة وتفعيل دورها في صناعة القرار السياسي واخذ دورها لتسهيل مهمة السياسي في جعله يقرر لا يفكر.

يضاف الى اعلاه ضرورة الاهتمام بالجهد الدبلوماسي واعداد الكوادر الدبلوماسية المدربة تدريبا جيدا او المختارة على اساس الكفاءة والمهنية والموضوعية والتي تعمل على احدث الاسس في العمل الدبلوماسي.

من الضروري تفكك وتحليل ودراسة القضايا العربية والموقف منها بل اخذ موقف المبادرة لا المتفرج خصوصا (القضية السورية والقضية اليمنية).

اما على صعيد العلاقة مع الولايات المتحدة فينبغي إدراك ماهو شكل العلاقة المطلوبة مع الولايات المتحدة وعلى اي الاسس تستند.

فالامريكان يحددون ماذا يريدون ويعلنون صراحة دون الخفية ان المصلحة هي الفاعل في رسم وتحديد العلاقة مع اي طرف.

وهنا يجب ان نحدد ماهي مصالحنا مع الولايات المتحدة فإمكانية التكافؤ ممكنة في ضوء عدد من المعطيات من بينها:

- نأي الشيعة بأنفسهم دائما في جانب الفكر والممارسة عن موضوعة الارهاب وممكن ان يكونوا شركاء فاعلين في مسألة الحرب على الارهاب ومساهمين في القضاء عليه.

- التركيز على الجوانب الاقتصادية لتحديد مسارات العلاقة والاستفادة من عوامل الربح والخسارة في الجانب الاقتصادي.

- توضيح وتحليل فكري ان الآخر لا يشكل الفائدة الاستراتيجية المرجوة للولايات المتحدة وان امكانية التعاون قائمة مع كل الاطراف هي السبيل الافضل.

خصوصا ان مرحلة ما بعد عام 2003 لم تسهم في رسم علاقة متوازنة بين المكون الشيعي والولايات المتحدة فكانت قائمة اما على اساس تهاون سياسي او مقاومة عنيفة، ولابد من التركيز في المرحلة الحالية على فهم وتحديد ومعرفة ماذا تريد الولايات المتحدة من العراق؟.

- يجب الادراك ان المنطقة تعاني من صراع ومخاض شديد قد يسفر عن مجموعة من الولادات والنتائج لاسيما وان الولايات المتحدة تعمل بسيناريوهات متعددة لكي تتعامل مع تنوع النتائج وتشعبها سواءا على العلاقة مع دول المنطقة او في موضوع مكافحة الارهاب او التعامل مع الطاقة او الملف النووي الايراني.

وفي هذا الصدد لابد من العمل بكفاءة وفعالية في ترتيب وموازنة الحلقات والدوائر التي ذكرناها سابقا العربية والاقليمية والدولية فغاية النجاح تتمثل بعامل الموازنة مع عدم الابتعاد كثيرا عن الثوابت.

ومن الضروري في خضم الصراع الذي يخوضه العراق ضد داعش ان ينجح في ادارة المعركة سياسيا واعلاميا وافهام كل الدوائر والحلقات على ان العراق يقاتل نيابة عن الجميع وكشف كل المخططات.

والاهم في كل هذا هو تفكيك فكرة داعش حيث لم يتم الى الآن برغم جسامة المعركة وحجمها تفكيك داعش وماهي مرجعيتها وآلياتها في المواجهة ومن صنعها ويقف خلفها ماهي مصادر تمويلها ودعمها وهي تنتشر بهذا الانتشار الواسع.

من الضروري اعطاء الحكومة فسحة للعمل في اقامة علاقة متوازنة مع الولايات المتحدة لتتحمل هي النتائج والعواقب مع توفير فرصة للأطراف التي تختلف عقائديا مع الولايات المتحدة لتنأى بنفسها عن حراجة التعامل معها.

* ورقة بحثية قدمت في الحلقة النقاشية التي اقامها مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية والموسومة بـ(الدور السياسي للشيعة في اطار المنظومة الدولية).
http://mcsr.net

اضف تعليق