ما يتفق عليه العراقيون وبأجماع كبير هو الاعتراف بالمشكلة، وهي عدم قدرة نظام دستور عام 2005 على بناء الدولة، عدا ذلك يختلف الناس (نخبهم وعامتهم) على السؤال الذي يليه، من اين نبدأ في اصلاح الحال؟ هل ان الخلل دستوريا حتى نعيد تنقيح الدستور واعادة صياغته قانونيا وسياسيا؟...

لا ينفك العراقيون عن الانشغال بمعارك يومية حد الاقتتال بالسلاح، فمالدينا من مشكلات معقدة تعيق بناء الدولة ومؤسساتها العامة يند عن الحصر، ولو اتيح تفكيك هذه المشكلات ذات الطبيعة البنيوية لأمكن تصنيفها الى مستويات رئيسة وفرعية، أولية وثانوية.

ما يتفق عليه العراقيون وبأجماع كبير هو الاعتراف بالمشكلة، وهي عدم قدرة نظام دستور عام 2005 على بناء الدولة، عدا ذلك يختلف الناس (نخبهم وعامتهم) على السؤال الذي يليه، من اين نبدأ في اصلاح الحال؟ هل ان الخلل دستوريا حتى نعيد تنقيح الدستور واعادة صياغته قانونيا وسياسيا؟ ام ان الخلل في الادارة المؤسسية؟ لنستعير تجارب العالم اجمع في بناء المؤسسات، ونتعلم من أخر صيحات العلم والمعارف البشرية، فنلزم انفسنا بخطط ومعايير وقياسات توصلنا الى ما وصل اليه العالم؟

بعيد سقوط نظام البعث في العراق وما نتج عنه من لهيب كبير، انتبه المفكر الامريكي الشهير من اصل ياباني (فرانسيس فوكوياما) الى مشكلة الحكم والادارة في القرن الحادي والعشرين، حينما تنهار المؤسسات ويضطرب وعي المواطن وتتعارض المصالح بين الفئات الاجتماعية وتنحدر قدرة السلطات على فرض قوانينها واعرافها، قد يكون العراق نموذجا من نماذجها، وهذا ما حفز فوكوياما على كتابة كتابه (بناء الدولة)، فأعادة بناء الدولة ليست مهمة هندسية يمكن الانتهاء منها بسهولة بتركيب هياكل سياسية وسلطات عليا فحسب !، انها مهمة محفوفة بمخاطر جمة اذا ماجرت بعشوائية واستعجال وتنازع اهداف ومصالح، لذلك ما كان متصورا لدى اكثر المتفائلين ان تصل تجربة بناء الدولة الديمقراطية في العراق الى نهاياتها السعيدة، السبب الذي يحول دون ذلك هو غياب الرؤية لدى جيل (التأسيس)، والتي كان من نتائجها ان عجزت الهياكل الدستورية والقانونية والادارية عن استيعاب التحديات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لمجتمع لم يتفق على تعريف نفسه وهويته وأهدافه!

فسقوط النظام لم يكن زوال سلطة فوقية غاشمة، بل انهيار للدولة التسلطية ومقوماتها وانطلاق كل المكبوتات الثقافية والنفسية التي قمعتها دولة الاكراه والقمع والانتقام.

مفترق الطريق الذي وصلنا اليه يلزم القوى السياسية والتيارات الاجتماعية ان تعيد التفكير بجدية وجرأة وعمق، بثمانية عشر عاما من سياسة التجربة والخطأ، والتي اوصلت مشروع بناء الدولة الجديدة الى نهايته المخيفة، أو كما يسميه الشركاء الكرد بانتهاء عمر المرحلة الانتقالية، مع ما يستدعي ذلك من تقويم واعادة بناء وفق رؤية اصلاحية جادة.

ما يبعث على الريبة والشكوك العميقة، هو استمرار القوى السياسية بمنهج يقارب المشكلة سطحيا وأجرائيا، فيكون الحل مثلا بوصول رئيس وزراء من صفوفها ليكون هو (اديناور) العراق، أو يكون حل الازمة المعقدة بمشروع الاغلبية السياسية او الاغلبية الوطنية أو تحالف الفائزين أو معارضة الخاسرين!، هذه الحلول تبدو علاجا لمشكلة التنازع على السلطة والصلاحيات والمكاسب المتحصلة منها، لكن ماذا عن أزمة الهوية وازمة الاقتصاد، وازمة ادارة المؤسسات ،وازمة بسط القانون وانفاذه على المواطنين، وازمة المصالح المتعارضة للمكونات العراقية !!؟؟

المشكلة في العراق ليست ازمة حكم يتم التغلب عليها خلال فترة انتقالية تستمر ربع قرن مثلا، الازمة في تشييد اركان الدولة، من سلطات فعالة وهوية وطنية واضحة ووعي بالمصالح المشتركة وقدرة على الانجاز ومواطن يعي مسؤولياته وادواره، وقوى سياسية تمتلك رؤية اجمالية عن الاهداف ومراحل بلوغها.

بغياب هذه الرؤية سيشتعل الفضاء العراقي العام بمعارك سياسية وادبية واعلامية، هي تعبيرات عن معركة (استغفال) المواطن وتحفيزه شعوريا وغرائزيا ليذهب الى الانتخابات مقترعا لصالح هذه الجهة الحزبية او تلك، فالانتخابات ليس مفاضلة بين مشاريع سياسية ومنهج اداري واقتصادي وخدمي، يمثل برنامج انقاذ، بل بين من ينجح في تسويق شعاراته، اغماضا لاصل المشكلة وجذر الازمة، فما يثير المخاوف حقا هو ان تستمر القوى السياسية في استخدام العاب الطائفية والحزبية والمفاهيم المقدسة، ويتم اشغال الرأي العام بمعارك ليست من الاولويات الوطنية الملحة، ويجعل ذلك مرتكزا لحملته الانتخابية، وهو لا يدرك ان بناء الدول وتمكين المؤسسات اخطر بكثير من الانشغال بالمعارك السياسية الخارجية. فيما ناسه يرتعون بالفقر، ويرون بأعينهم مظاهر انتهاب الدولة، وثراء قوم واستقواء اخرين، ويشاهدون يوميا جعجعة السلاح في الشوارع، كأن العراق يكرر النموذج اللبناني غداة حروبه الاهلية.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق