اعتمادا على التجارب الكثيرة الواقعية والمنطقية لن يقوى أي نظام سياسي مهما كان دكتاتوريا أو حتى مثاليا حد الطوبائية على الصمود بشكل أبدي، نعم قد يستمر طويلا لكنه بكل تأكيد سيهرم أن للدولة (النظام السياسي في المفهوم الحديث والمعاصر) دورة حياة ما بين البداية والذروة ومن ثم النهاية...

اعتمادا على التجارب الكثيرة الواقعية والمنطقية لن يقوى أي نظام سياسي مهما كان دكتاتوريا أو حتى مثاليا حد الطوبائية على الصمود بشكل أبدي، نعم قد يستمر طويلا لكنه بكل تأكيد سيهرم وعلى حد تعبير علماء الاجتماع أن للدولة (النظام السياسي في المفهوم الحديث والمعاصر) دورة حياة ما بين البداية والذروة ومن ثم النهاية، ولا شك تختلف أشكال النهايات أيضا تبعا للظروف ومآلات الأحداث ومسببات السقوط فقد تكون داخلية أو خارجية أو كلاهما سويا.

وفقا لهذه الحقيقة التي لا تقبل التبديل، فإن النظام السياسي الحالي في العراق والذي جاء على أنقاض النظام البعثي عن طريق الاحتلال، لابد له أن يزول وإنْ اعتقد معظم القائمين عليه أن سلطتهم ممتدة ولا أحد يجرؤ على إزالتهم، فمنذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921م وحتى عام 2003 تعاقبت على حكم العراق مختلف الأنظمة ذات الإيديولوجيات المتباينة، من حكم ملكي إلى نظام شيوعي ومن ثم جمهوري شمولي بصبغة علمانية، ورغم أن بعض منها قد استطاع النهوض بالعراق وجعله في مراتب متقدمة بين الدول، إلا أنه لم يستطع الاستمرار طويلا وسرعان ما سقط، وبعضها الآخر سيء وأستمر لأكثر من ثلاثة عقود ونهايته رغم ذلك كانت محتومة بالتأكيد.

لكن كل تجارب الأنظمة السابقة التي تسلّمت السلطة في العراق تختلف اختلافا جذريا عن النظام الحالي، وبالتالي فَنهاية هذا النظام (وبلا شك سيزول مهما طال الوقت) كذلك تختلف في نتائجها عن كل ما سبق وذلك لعدة أسباب منها:

1- منذ تشكيل الدولة العراقية الحديثة حتى عام 2003، لم يتم حكم العراق وفق إيديولوجية دينية (شيعية اثنا عشرية) تؤمن في معظمها بإمتداد حكمها حتى ظهور الإمام المهدي (عج).

2- على امتداد حكم العراق، لم يكن للقوات المسلحة الرسمية أي امتداد آخر رديف لها، يوازيها في القوة أو حتى يفوقها في العدة والعدد، وهذا بالعكس تماما مما في النظام الحالي.

3- كل من حكم العراق حتى عام 2003 كان يؤمن بحقيقة الدولة وحدودها الجغرافية ونظامها الوضعي الخاص بها، في حين أن النظام العقائدي الحالي لمعظم شيعة السلطة لا يؤمن بالحدود، ويرى وفقا لهذا المنظور أن المفهوم الديني له العلوية على المفهوم الوطني، وهذه الخاصية تبرّر نقطة خطرة جدا، وهي تغليب الإرادة الدينية على الإرادة الوطنية فيما لو تعارضتا، والإرادة الدينية هنا ستكون معبرة عن مصلحة دولة أخرى على الأغلب!

4- لم تتعدد رؤوس الحكم مطلقا كما الآن، ولم يكن لمفهوم التمثيل المكوناتي في شيء، كان لون الحكم واحدا بامتياز والسلطة بيد فئة محددة، في حين أن السلطات هنا تقسمت والهويات اتسعت.

فكيف سينتهي هذا النظام وما نتائج السقوط بعد كل هذه التباينات؟

لن ينتهي بطريقة الاحتلال، فالعراق لم يزل محتلا وعلى أراضيه الكثير من القواعد الأجنبية، وما يحدث من مناوشات (ضربات صواريخ أو استهداف مقرات) إنما هي رسائل بين الدول المتصارعة ليس إلا، لكن التنفيذ والخسائر عراقية فقط، ولن ينتهي بانقلاب عسكري حيث أن الجيش الحالي لا يقوى على فعل ذلك أبدا، فالجيش منقسم الولاءات كما السياسيين تماما، لذلك لا أحد يعول عليه في إحداث أي تغيير، أما ومن يعتقد أن آلية التغيير لهذه المنظومة الفاسدة بالمعظم هي الانتخابات فهو واهم أشد الوهم رغم محاولات الإصلاح من داخل النظام ومن خارجه، انتخابات في ظل شعب يعاني الفقر والفاقه ولا يعرف من حقوقه شيئا، انتخابات يصول ويجول فيها المال السياسي والسلاح وشراء الذمم، إنها لإنتخابات بائسة لا ينتفع ولا يرتجى منها خيرا، ويتم إجراؤها لمجرد إعطاء صبغة شرعية لديمومة الطبقة السياسية الحالية.

لذا لا تتم الإطاحة بهذه العملية السياسية إلا بطريقتين لا ثالث لهما، إما الطريقة الأولى (الانهيار الأمني والعسكري) فهي تكرار لما حدث منتصف عام 2014، حيث سقطت ثلث مساحة العراق بيد داعش وانهارت المنظومة العسكرية بين ليلة وضحاها، بمعنى أن الأداة والتنفيذ ستكون خارجية بدرجة كبيرة جدا.

أو من خلال ثورة شعبية (العامل الاقتصادي)، ينتفض فيها الشارع على مغتصبي حقوقه ويثأر لحاله منهم، شعب قاموا بتجويعه وإفقاره وعملوا على إنشاء مجتمع تسوده الأمية والجهل ظنا منهم أنه بذلك سيكون أداة طيعة بيدهم ولا يقوى على رد الضيم، ولم يدركوا أن الشعب بهذه المواصفات لا يحكم إلا بالاستبداد والانقطاع عن العالم الخارجي كي يبقى راضخا مكبلا، وبما أن النظام الحالي لن يمتلك زمام القهر والكبت المطبق ولان العالم أصبح قرية صغيرة يؤثر ويتأثر، هذا يعني أن الشعب بالظروف الحالية هو إنما قنبلة موقوتة سرعان ما ستنفجر وتقتلعهم من الجذور وهذه هي الطريقة الثانية، نعم هناك أطراف خارجية ستستغل هذا المشهد وتعمد إلى تمرير مخططاتها وتنفيذ أجنداتها، ولكن المسبب سيبقى فساد السلطة وتغولها القبيح.

فما بعد السقوط؟

سقوط العملية السياسية الحالية تعني أن العراق لن يبقى موحدا، بل سيصبح مقسما بما لا يقبل الشك أو على الأقل سيعاني الفوضى والاحتراب الأهلي (المكوناتي والطائفي)، لأن الشيعة لديهم من الفصائل المسلحة ما يفوق قدرة أي نظام سياسي قادم على إنهاءهم أو حتى التقليل من أثر وجودهم وبذلك لن تسمح الطبقة السياسية بإزاحتها عن السلطة لو اضطرهم ذلك لاستخدام القوة وهذا ما يعزز فرضية الفوضى والانقسام.

أما فيما يخص الكُرد فإنهم أشد الاستعداد لإعلان دولتهم والتي تنقصها كركوك فقط، وما أن يجدوا ضعفا أو فوضى فلن يتأخروا عن ضمها وإعلان الانفصال وهذا احتمال وارد بشدة، وإعلان كركوك محافظة كردية تحت سيطرة البيشمركة بشكل كامل أثناء دخول داعش للعراق، إنما هو خير شاهد على هذه النوايا السيئة التي يحملها القادة الكُرد.

في حين أن المناطق السنّية لا تربطهم بالحكومة المركزية إلا المصالح الشخصية والمنافع الحزبية ليس أكثر، ولذا بمجرد انتهاء هذا النظام أو ضعفه وانتهاء موسم الغنائم فسرعان ما سيعلنوا تشكيل الأقاليم السنية أو حتى ليس ببعيد إعلانهم دولة سنيّة برعاية إقليمية وحتى دولية.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية/2001–2020Ⓒ
http://mcsr.net

.............................................................................................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق