النظام البرلماني والنظام الرئاسي، الانتخاب بالقائمة والانتخاب الفردي، المشاركة بالانتخابات ومقاطعتها، الديمقراطية وما يقابلها، مفردات سياسية دخلت المجتمع العراقي بعد سقوط النظام الدكتاتوري الذي كان يستخدم مفردات اخرى مثل القائد الضرورة والحزب القائد والوحدة والحرية والاشتراكية.

ولكل من المفردات السياسية الجديدة عيوب ومحاسن، لانها في نهاية المطاف انظمة وضعية بشرية وليست الهية سماوية. ولا يوجد منتج بشري خال من العيوب. وتختار المجتمعات عادة ما هو اكثر ايجابيةً واقل سلبية، واكثر ملائمةً لها.

تم تداول هذه المفردات السياسية في مجتمع حديث عهد بالديمقراطية، وينطوي من الكثير من العيوب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية والادارية مما يندرج كله تحت عنوان التخلف الحضاري، الموروث منذ زمن طويل والذي هو في حقيقة الامر خلل حاد في المركب الحضاري للمجتمع ومنظومة القيم العليا الحافة بعناصره الخمسة، اي الانسان والطبيعة والزمن والعلم والعمل.

وفي مجتمع كهذا، فان تطبيق اي من الانظمة السياسية سوف يتأثر بامراض ومشكلات المجتمع القائمة والموروثة، ولابد ان يظهر هذا اثناء التطبيق. فالمحاصصة ليست عيبا في النظام البرلماني انما هي عيب في الاحزاب، والفساد ليس عيبا في الديمقراطية انما في المجتمع، والمال السياسي ليس عيبا في الانتخابات انما عيب في الاحزاب والناخبين. وهكذا.

لاحظتُ في المناقشات الدائرة في مواقع التواصل الاجتماعي، وما اكثرها، ان بعض المناقشين لا يميزون بين النوعين من العيوب: عيوب الانواع المختلفة من الانظمة والقوانين، والعيوب الموروثة في المجتمع، فيسقطون الاخيرة على الاولى، ويحسبون ماهو عيوب في المجتمع عيوبا في الديمقراطية او النظام البرلماني او الانتخابات او الانتخاب الفردي، وهكذا. ويغيب عن بالهم ان عيوب المجتمع نفسها سوف تظهر وتؤثر على الانظمة المقابلة اي النظام الرئاسي او الانتخاب بالقائمة وهكذا.

ويؤدي هذا الخلط الى صرف النظر عن التفكير بالعيوب الاصلية الكامنة في المجتمع وعدم التوجه الى حلها، وهذا يعني اننا اهملنا المرض الاساسي الذي يعاني منه المريض وانشغلنا بعيوب جانبية قد لا يكون للانظمة علاقة بها في الاساس.

بل ان بعض المتحاورين صار يقبل بالعودة الى نوع من الدكتاتورية تحت غطاء المطالبة بالنظام الرئاسي حيث يفضلون حاكما مفردا مطلق الصلاحيات غير مسؤول، مفصلا على نموذج صدام حتى وان كان بقياسات اقل، لكن الموديل نفس الموديل.

وغني عن القول ان هذا يمثل نكوصا كبيرا في التطور السياسي للمجتمع، حيث ان معالجة المشكلات الناجمة عن سوء تطبيق الانظمة والقوانين لا يكون بالتراجع عنها اذا لم يكن السوء نابعا منها بالذات، وانما يكون العلاج بتحسين ظروف وشروط التطبيق والممارسة، وتعميق الديمقراطية، وازالة كل ما من شأنه الانحراف بها وعنها.

وهذا ما حصل في العراق، فبسبب عيوب التأسيس والممارسة، وبسبب مشكلات المجتمع الموروثة، واعني التخلف الحضاري، انحرفت العملية السياسية عن مسارها الديمقراطي واقامت نظاما سياسيا تنطبق عليها مصطلحات ال kleptocracy او oligarchy او غيرها من المصطلحات التي تصف الانظمة التسلطية الفاسدة.

والمعلوم ان العراق خرج الان من قائمة الدول الديمقراطية في العالم التي تعدها "الايكونوميست" البريطانية. وسبب ذلك هو عدم كفاءة الاحزاب السياسية وحكوماتها القائمة على اساس المحاصصة، وعدم قدرتها على بناء نظام سياسي ديمقراطي حديث.

واختصارا للوقت والجهد، فاني كثيرا ما الححت على ضرورة معالجة العلة الاساسية لكل المشكلات التي نعاني منها، اعني التخلف الحضاري، اي الخلل في المركب الحضاري، وذلك بتوجيه الجهود نحو اقامة الدولة الحضارية الحديثة التي تمثل الحل الصحيح لهذه المشكلات في مختلف المجالات.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق