صدمت نتائج الانتخابات التركية الرئيس " رجب طيب ارد وغان" والرأي العام التركي والإقليمي بفشل حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، ولأول مرّة منذ 2002، في الحصول على الأغلبية المطلقة في الانتخابات البرلمانية، وحصل على 40.8% فقط من الأصوات، وحزب الشعب الجمهوري على 25.16%، وحزب الحركة القومية على 16.5%، وحزب الشعوب الديمقراطي على 13%، وهي نتيجة اقل ما توصف به أنها ضربة قاتلة لجهود الرئيس لتغيير النظام الرئاسي بشكل يمنحه مزيدا من السلطات.

وهذه الانتخابات البرلمانية، التي أجربت في يوم الأحد 7 حزيران 2015، لم تكن انتخابات عادية بل هي انتخابات للاختيار بين تركيا القديمة، البرلمانية العلمانية، التي وضع حجر أساسها "كمال أتاتورك"، وتركيا الجديدة، الإسلامية التي طمع "رجب طيب أر دوغان"، ذو الجذور العثمانية، في بنائها، ولكن يبدو أن استراتيجية "أر دوغان" عادت عليه، وعلى حزب العدالة والتنمية، بنتائج عكسية، وكان أر دوغان يأمل بتحقيق فوز ساحق لحزب العدالة والتنمية يسمح له بتغيير الدستور وإنشاء رئاسة أكثر نفوذا، على الطراز الأميركي، ولفعل ذلك كان يحتاج للفوز بثلثي مقاعد البرلمان المكون من 550 مقعدا، لكن بدلا من ذلك أصبح حزب العدالة والتنمية غير قادر على الحكم بمفرده، لأول مرة منذ وصوله إلى السلطة قبل 12 عاما، ودخل خضم مرحلة حرجة مدتها 45 يوما، لتشكيل حكومة جديدة، على ضوء نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة، ولم يتمكن أيا من الأحزاب المشاركة فيها، من الحصول على نسبة من الأصوات، تخوله تشكيل حكومة بمفرده.

مع أن الانتخابات هي انتخابات محلية تتعلق بالبلديات ولاسيما في المدن الكبرى، وفي مثل هذه الانتخابات عادة ما يكون التصويت للكفاءات والبرامج والإنجازات التي تحققت في المجالات الخدمية والعمرانية، فإن المتابع للوضع التركي سيرى أن البعد الأيديولوجي والصراع الحزبي باتا حاضرين بقوة في الحملات الانتخابية، ولعل مرد ذلك هو أن هذه الانتخابات كانت مصيرية للأحزاب المتنافسة أولا، وثانيا لاشتداد حدة الصراع بين هذه الأحزاب على كيفية تحديد سياسة الحكومة في الداخل وتجاه الخارج، وثالثا: لأن الصراع بين "الإسلام" و"العلمانية" مستمر في تركيا رغم كل الحديث عن التوفيق بين الجانبين خلال عهد حزب العدالة التنمية،

والأهم أن هذه الانتخابات جاءت في ظل تطورات داخلية وخارجية دراماتيكية من شأنها أن تجعل من عامل التحالفات الحزبية عاملا مهما في المعركة الانتخابية، ولعل من أهم التطورات الدراماتيكية هي:

1- لم يكن الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" أول من طرح قضية الانتقال من النظام البرلماني إلى الرئاسي في تركيا، فقد سبقه إلى ذلك كل من الرئيسين تورغوت أوزال وسليمان ديميريل، لكن يمكن القول إن أر دوغان هو الوحيد الذي بذل خطوات فعلية في هذا المجال عندما أمر قبل سنتين بتشكيل لجنة برلمانية مهمتها إعداد دستور جديد يلحظ الانتقال إلى النظام الرئاسي، ومع أن اللجنة فشلت وتم حلها إلا أن الجدل بشأن تبني النظام الرئاسي عاد بقوة إلى الساحة التركية مع فوز أر دوغان بالانتخابات الرئاسية وعزمه ترؤس جلسات الحكومة، والسعي إلى وضع دستور جديد عقب الانتخابات البرلمانية في يونيو/حزيران 2015 الذي كان يطمح لحصوله على الأغلبية فيها، هذه دفعت الأحزاب السياسية وقسم من الشعب التركي إلى الخوف من أن يكون الانتقال إلى النظام الرئاسي مدخلا لحكم شمولي دكتاتوري، إذ ترى المعارضة أن الرئيس أردوغان سيستغل هذا الانتقال ليصبح حاكما مطلقا بما يشكل خطرا على الديمقراطية والتعددية في البلاد، والانغماس في البعد الأيديولوجي حيث النزعة العثمانية التي تحكم شخصية أر دوغان إلى درجة أن لقب "السلطان الجديد" أصبح مرافقا لاسمه في كثير من الأحيان، وهذا ما صرح به النائب عن حزب الشعب الجمهوري المعارض "أنور أويمن" إن لدى أر دوغان مشكلة كبيرة مع التعددية والعلمانية، ويسعى جاهدا لإرساء الدكتاتورية خطوة تلو خطوة، فيما يرى حزب الحركة القومية بزعامة دولت باغجلي أن النظام البرلماني هو الأنسب لتركيا، ويتخوف معارضون من أن يكون الانتقال إلى النظام الرئاسي مدخلا لحكم شمولي دكتاتوري، ويرون أن أر دوغان سيستغل هذا الانتقال ليصبح حاكما مطلقا بما يشكل خطرا على الديمقراطية والتعددية في البلاد، وفي العمق يمكن القول إن المعارضة الضعيفة والمنقسمة والمشتتة تخشى من أن يؤدي النظام الرئاسي ليس إلى الدكتاتورية فحسب بل إلى القضاء على بقايا نفوذها السياسي والبرلماني.

2- من الناحية الدستورية، ينبغي حال وصول أردوغان إلى رئاسة الجمهورية الاستقالة من حزب العدالة والتنمية، لكن ما هو ملاحظ -حتى الآن- أن أر دوغان يريد إبقاء سيطرته على الحزب، سواء بشكل مباشر أو من خلال وضع شخص مقرب منه في رئاسة الحزب والحكومة معا، ليبقى هو الحاكم الفعلي من موقعه الرئاسي، إلا إن خروجه من رئاسة الحزب قد قلل من فرص صعوده، إذ إن التجربة التاريخية في تركيا تشير إلى إمكانية انهيار الأحزاب الكبرى حين تفتقد الزعيم التاريخي أو حال وصول زعيمه إلى رئاسة الجمهورية، كما حصل مع الرئيس الأسبق سليمان ديميريل ومن قبل مع الرئيس الراحل تورغوت أوزال عندما انهار حزباهما بعد وصولهما إلى الرئاسة.

3- المخاوف من أن تكون طموحات أر دوغان السلطوية جسرا سياسيا للقضاء على التعددية والتنوع والحريات والإعلام والقضاء، فهو كثيرا ما ينطلق من الشرعية الانتخابية للعملية الديمقراطية لا من ممارسة الديمقراطية كمفاهيم، ولعل ما يرجح مثل هذا التوقع هو الحرب التي يقودها أر دوغان شخصيا ضد خصومه من أمثال غولن وأحزاب المعارضة، ولاسيما حزب الشعب الجمهوري بزعامة كمال كليجدار أوغلو، الذي لا يتوقف أر دوغان عن نعته بالطائفي، ويعني كل ذلك أن المعارضة التركية ستكون في وضع صعب جدا خاصة أن مصداقيتها السياسية باتت على المحك في الشارع التركي.

4- بدأت الحكومة التركية في السنوات الأخيرة "عملية السلام" مع حزب العمال الكردستاني، كأحد شروط السلم المجتمعي الذي تحتاجه تركيا في مسيرتها النهضوية القادمة، فبعد أكثر من أربعين عاما من الصراع الدامي الذي أودى بحياة أكثر من ثلاثين ألف شخص، وكلف الخزينة التركية مئات المليارات من الدولارات، دعا حزب العدالة والتنمية إلى مفاوضات مع حزب العمال الكردستاني لإنهاء الصراع، لكن هذا الملف الذي تضعه الحكومة الجديدة على رأس أولوياتها وتعتبره مفتاح وحدة تركيا أرضا وشعبا، ليس طريقا مفروشة بالورود، بل هو محاط برفض الكثير من التيارات السياسية التركية له باعتباره تنازلا أمام الإرهاب، وتململ الجيش الذي كان صاحب القرار في هذا الملف سابقا، وخروج بعض المجموعات الكردية عن قرار قيادتها بإلقاء السلاح، وتهديد قيادات أخرى بإجهاض العملية إن لم تحصل على ما وعدت به من إصلاحات دستورية وقانونية، أكثر من ذلك، فقد أدت الرمال المتحركة في العراق وظهور "تنظيم داعش" القوي هناك إلى خلط الأوراق فجأة، بحيث تحول حزب العمال الكردستاني من "تنظيم إرهابي" يجري التفاوض معه إلى حليف محتمل في الحرب ضد "داعش"، الأمر الذي قد يعني كسر كثير من القوالب الجامدة منذ عقود في السياسة التركية، داخليا وخارجيا، كل هذه الاعتبارات تجعل من إصرار الحكومة على عملية السلام بنفس الزخم والمعايير ضربا من المقامرة، في بيئة متغيرة تجعل العملية برمتها غير مأمونة العواقب، الأمر الذي دفع الحزب الحاكم مؤخرا لاستصدار قانون "السلم المجتمعي" الذي يحصّن من يتعاملون مع هذا الملف من المساءلة القانونية مستقبلا، وبهذا قادت هذه الأوضاع إلى تراجع الحزب في الانتخابات الأخيرة.

5- الركود الذي يعيشه الاقتصاد التركي وعدم قدرة أر دوغان على طمأنة الناخبين بالعودة إلى الازدهار، فقد تراجع نمو الاقتصاد التركي خلال السنوات القليلة المنقضية من 9% عامي 2010 و2011، إلى 2.9% عام 2014، إلى جانب الاستقطاب الكبير للناخب التركي والذي جعله يتساءل حول أهلية الحزب للشعبية التي يحظى بها بعد أكثر من اثني عشر عاما في السلطة، فقد انكشفت فضيحة ديسمبر 2013 حول الفساد المستشري في حزب العدالة والتنمية الحاكم، وهي كانت احد أسباب انتكاسة الحزب، وتراجع العلاقات التركية العربية انعكس على الصادرات التركية، كما انعكس بشكل أكبر على الاستثمارات العربية في تركيا، بالتزامن مع رحيل رؤوس الأموال الغربية نتيجة الاضطراب السياسي الداخلي الذي عاشته البلاد خلال السنتين الماضيتين، وبعد أن تعرض خط الترانزيت التركية لضربة أولى في العام 2011 مع اندلاع الحرب السورية، والاضطراب في العراق، ما منع الشاحنات التركية من الوصول إلى الخليج العربي، وأقفلت السوق السورية والعراقية بوجه بضائعها، أتت الأزمة مع مصر في عام 2013 لتزيد الأمور تعقيدا، ومع فسخ مصر للاتفاقية التجارية للخط الملاحي "الرورو" مع تركيا في نهاية الشهر الماضي، يضطر المصدِرون إلى عبور قناة السويس بدلا من استخدام الطريق البري لنقل البضائع إلى دول الخليج، ما سيؤدي إلى زيادة التكاليف بنسبة 40 في المائة.

6- بالإضافة إلى تزايد الثغرات الأمنية التي تؤكد ضعف السياسة الخارجية للحكومة وقضايا الفساد التي تحيط بالرئيس ورجاله، والتداعيات المستمرة لما جرى في ساحة تقسيم وجيزي بارك بإسطنبول، ومحاولة تحويل ما جرى إلى جبهة مناهضة لحكومة العدالة والتنمية.

7- ومن المثير للاهتمام أن الشيء الذي حال بين أر دوغان وسلطاته الجديدة المرجوة هو حزب الشعوب الديمقراطي، وهو حزب بالرغم من صغر سنه وحداثته، فقد نجح في كسب الأصوات الكردية، ورغم أن صوت الأكراد كان في السابق من أكثر الداعمين لاردوغان، إلا إن ذهاب عدد من المقاعد من حزب العدالة والتنمية كان كافيا ليحرمه من الأصوات الضرورية لتعديل الدستور، حيث اتضح أن معظم الأكراد قد صوتوا لحزب الشعوب الديمقراطي، وتشير النتائج الخاصة بكل منطقة على حدة إلى انزياح حوالي 3% من أصوات العدالة والتنمية إليه، وحصل على تمثيل تاريخي قياسي للأكراد في البرلمان (13%، بمجموع 80 مقعدا)، ومقدما نفسه كممثل شبه حصري لهم، فسرت على أنها أصوات "الإسلاميين الأكراد" الذين قدموا الهوية الكردية على غيرها من معايير الاختيار، وان أر دوغان أنشأ بنفسه أسوأ عدو أخر له في الانتخابات البرلمانية التي تم إجراؤها في السابع من يونيو الجاري، ومثلما حولّ من قبل، حليفه فتح الله غولن، إلى عدوّ لدود، وهنا جري الحديث عن تحالف بين حركة غولن وحزب الشعب الجمهوري المعارض في إسطنبول بغية إخراجها من نفوذ حزب العدالة والتنمية.

8- خارجيا، هناك تحول كبير في السياسة الخارجية التركية تجاه المنطقة، فقد أصبحت علاقاتها متوترة مع اكبر دول الشرق الأوسط وهي إيران ومصر، فالدعم التركي المباشر للمعارضة المسلحة السورية وخاصة المجموعات المسلحة المتشددة مثل " جبهة النصرة، وداعش" التي تضعهما دول العالم على رأس المنظمات الإرهابية، بسبب الإعمال الدمار والقتل التي ارتكبتها هذه المجموعات، فقد كان الدعم العسكري واللوجستي التركي لهذه المجموعات واضح للعيان من خلال إرسال الأسلحة والإرهابيين، وهذا باعتراف بعض المعارضين الأتراك أنفسهم، وأخرها توقيف شاحنات محملة بالأسلحة قادمة من تركيا لجبهة النصرة في سوريا من قبل أجهزة الأمن التركية على الحدود بين الدولتين، مما أثار غضب " اردوغان" الذي هدد بمحاكمة كل الذين تورطوا في كشف هذه العملية، كما إن علاقات تركيا مع مصر تشهد توترا عاليا بسبب دعم أنقرة للإخوان المسلمين في مصر، واتهامها للرئيس المصري " عبد الفتاح السيسي" انه قام بانقلاب ضد الإخوان، كذلك إن دعمها للإخوان في مصر قاد في النهاية إلى فتور في العلاقات مع السعودية التي تقف هي الأخرى ضد الإخوان المسلمين في المنطقة، وبهذا فان السياسة الخارجية في عهد " اردوغان" قد أضرت كثيرا بسمعة تركيا وعلاقاتها الخارجية، ووضعت مصداقيتها في مكافحة الإرهاب على المحك من خلال دعمها للجماعات الإرهابية في المنطقة، وبالتالي جعلت أكثر الأتراك يبحثون عن بديل لحزب العدالة والتنمية من اجل إعادة العلاقات مع دول المنطقة وإنهاء حالة التوتر.

مشهد تركيا في نهاية يوم السابع من حزيران 2015 يختلف عن 13 سنة من حكم حزب العدالة والتنمية الذي كان سلسلة من الانتصارات في الانتخابات المحلية والبرلمانية والرئاسية، أنتجت تجربة سياسية واقتصادية مميزة باتت مهددة بفعل الواقع السياسي الجديد، فقد أفرزت هذه الانتخابات نتائج عديدة سوف يكون لها تأثير على حزب العدالة والتنمية من جهة، وعلى تركيا بشكل عام من جهة أخرى، وهي:

1- وصول حزب ديمقراطية الشعوب الذي يهيمن الأكراد على عضويته، فقد كانت الأحزاب السياسية الكردية في الماضي عازفة عن خوض الانتخابات من خلال حزب سياسي، نظرا لخوفها من تحقيق عتبة التصويت الشعبي المطلوبة لدخول البرلمان بنسبة 10%، وبدلا من هذا، كان الساسة الأكراد يخوضون الانتخابات كمرشحين مستقلين غير خاضعين لهذه العتبة، وبمجرد وصولهم إلى المنصب، كانوا يلمون شملهم تحت راية الحزب، ولكن في هذا العام، قررت الحركة السياسية الكردية تقديم مرشحيها كأعضاء في حزب واحد، ورغم خطورة هذه الاستراتيجية الانتخابية فإنها قد أسفرت عن فوائد كبيرة، إذ إن حصول الحزب على نسبة 13% من الأصوات، كان لها دور كبير لبروز صوت الأكراد في تركيا، وهو ما قد يفتح الطريق لتحقيق إصلاحات سياسية في البلاد فيما يخص وضع الأكراد فيها، خاصة وان حزب العدالة والتنمية لم يحصل على الأغلبية التي تؤهله لتشكيل حكومة أغلبية، وهو بحاجة إلى حزب سياسي أخر ليستطيع تشكيل حكومة ائتلافية في تركيا لأول مرة منذ عام 2002.

2- مثل هذه النتيجة كفيلة ببقاء السلطة التنفيذية لرئيس الوزراء لها الأسبقية على حساب الرئاسة، وبعدما أصبح حلم "أر دوغان" بالتحول إلى النظام الرئاسي احتمالا غير واقعي، عندها سيبدأ سلطانه في الزوال سريعا، وحتى على افتراض أن حزب العدالة والتنمية ظل الحزب الأكبر في البلاد، فإن ميزان القوى في السياسة التركية سيبدأ بالتحول ضده، ففي الديمقراطيات الليبرالية، يتلخص الهدف من الانتخابات الوطنية في منح الجانب الفائز التفويض الشعبي اللازم لمزاولة الحكم وترتيب الأولويات السياسية إلى أن يحين موعد الانتخابات التالية، ونادرا ما تنطوي الانتخابات على عواقب قد تدوم لفترة أطول من دورة انتخابية واحدة، ولكن هذه هي الحال اليوم في تركيا، حيث من المرجح أن تحدد نتائج الانتخابات قواعد الحياة السياسية لسنوات قادمة في تركيا.

3- تراجع نفوذ وهيمنة الرئيس " ارد وغان" وحزبه، لان تشكيل حكومة ائتلافية هي خطوة بالغة الصعوبة في تركيا ألان، لان كل الأحزاب الفائزة الأخرى لها تقاطعات مع حزب العدالة والتنمية، والائتلاف معها قد يتسبب في مخاطر مستقبلية على الحزب، فتشكيل حكومة ائتلافية مع حزب الحركة القومية، خاصة أن هناك مشتركات أيديولوجية كثيرة بين الحزبين، ولكن هذا الأمر يتطلب من "أر دوغان" التضحية بالعملية السلمية مع الكرد نظرا لأن حزب الحركة القومية يرفض أي اعتراف بوجود قضية قومية كردية، فضلا عن التفاهم على صيغة النظام الرئاسي، مثل هذا الخيار ربما سيؤثر على العملية السلمية مع الكرد، وأي تراجع من قبل الحكومة عن المفاوضات معهم ربما يدفعهم إلى العنف تمسكا بمطالبهم القومية، ومثل هذا الخيار يحمل مخاطر أخرى وهي عودة العسكر إلى الساحة السياسية التركية بعد أن نجح أر دوغان في إبعادهم عنها، وحتى لو قام "أر دوغان" -بعد انتهاء مدة 45 يوما الدستورية لتشكيل حكومة ائتلافية- بالدعوة إلى انتخابات مبكرة نهاية هذه السنة أو مطلع العام المقبل، فان مثل هذا السيناريو قد يتطلب منه الاستقالة من رئاسة الجمهورية والعودة إلى زعامة حزب العدالة والتنمية ليقود الحزب بشكل مباشر، خاصة أن الحزب لن يكون بمنأى عن تداعيات نتائج الانتخابات، لاسيما في ظل تحميل البعض "أردوغان-أوغلو" مسؤولية ما جرى من تراجع، كذلك إن تحالفه مع حزب الشعب الجمهوري هو بعيد المنال أيضا بسبب التقاطع الإيديولوجي بين الطرفين من جهة، ومعارضة هذا الحزب بقوة لسياسات: ارد وغان" الداخلية والخارجية، وخاصة ما يخص أزمة الشرق الأوسط والحرب في سوريا، وبهذا فان احتمال تراجع حزب العدالة والتنمية عن الكثير من أهدافه ومشاريعه التي أعلنها قبل الانتخابات، من اجل تشكيل حكومة ائتلافية، وقبوله الشروط، وخاصة ما يتعلق بالنظام الرئاسي، كذلك احتمال تراجع تركيا عن دعم المجموعات المسلحة في سوريا والعراق، وتحسين علاقاتها مع دول المنطقة، وارد في هذه المرحلة، لان الذهاب إلى انتخابات مبكرة هو ليس في صالح " اردوغان" وحزبه بسبب الأوضاع الداخلية وسياسات تركيا الخارجية التي جعلت الحزب ورئيسه غير مرحب بهم في المنطقة، وهذه النتيجة سوف تجعل تراجع الحزب في الانتخابات المقبلة بشكل كبير جدا، وصعود الأحزاب المعارضة.

4- يشير الكثير من المحللين الاقتصاديين الى ان تراجع حزب العدالة والتنمية في الانتخابات قد تقود الى تراجع الاقتصاد بشكل اكثر حدة- الذي يعاني اصلا من الركود-، وكان السبب في خسارة الحزب في الانتخابات الاخيرة، وهذا ما ظهر بعد اعلان النتائج، فعند اعلان النتائج هبط المؤشر الرئيس للبورصة التركية ثمانية في المئة في بداية التعاملات، بعدما عجز حزب العدالة والتنمية الحاكم عن الفوز بأغلبية في الانتخابات البرلمانية، ويثير هذا قلق المستثمرين بسبب احتمال تشكيل حكومة أقلية أو ائتلافية ضعيفة، وتراجعت الليرة التركية إلى مستوى قياسي بلغ 2.8 ليرة للدولار، بينما ارتفع العائد على السندات القياسية لأجل عشر سنوات إلى 9.98 في المئة من 9.32 في المئة يوم الجمعة 12 تموز 2015، وقد شهدت الأسواق المالية بلبلة عند افتتاحها بعد الانتخابات بيوم واحد، وسارع البنك المركزي التركي إلى التدخل حيال الانهيار معلنا خفض نسب الفوائد على الودائع القصيرة الأمد بالعملات الأجنبية لمدة أسبوع، وستخفض هذه الفوائد اعتبارا من الثلاثاء 9 تموز من 4 في المئة إلى 3.5 في المئة للودائع بالدولار، ومن 2 في المئة إلى 1.5 في المئة لليورو.

وفي كل الأحوال، فقد دخلت تركيا مرحلة جديدة في تاريخها المعاصر وباتت على مفترق طرق، فإما حالة استقرار بمعادلات وديناميات جديدة وإما انتخابات مبكرة غير مضمونة السياق أو النتائج، وسيكون المحدد الأبرز للمشهد التركي هو مدى تحلي الأحزاب الأربعة بروح المسؤولية والحكمة في إدارة هذه المرحلة الجديدة، خصوصا في ظل إشارات أولية بتأثر الاقتصاد التركي بالنتائج المفاجئة، وتخوف المواطن التركي من عودة شبح الانسداد السياسي والأزمات الاقتصادية التي عانت منها تركيا ما قبل العدالة والتنمية.

* باحث مشارك في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية
www.fcdrs.com

.........................................
1- الأتراك متمسكون بنموذج تركيا القديمة، مقال على الانترنيت، على موقع صحيفة العرب، www.alarab.co.uk/?id=54304
2- خورشيد دلي، الانتخابات التركية.. الأيديولوجيا والاستحقاق، مقال على الانترنيت، على موقع، www.aljazeera.net
3- نتائج الانتخابات البرلمانية التركية 2015، مقال على موقع، www.arabic.rt.com/.../785272 4- انخفاض مؤشر البورصة التركية وتراجع الليرة بعد الانتخابات، تقرير على الانترنيت، على موقع، www.bbc.co.uk/.../150608_turkey_shares_currency
5-سنان اولجن، تركيا الانتخابات الحرجة، مقال على الانترنيت، على موقع، www.alghad.com/.../875083
6- خورشيد دلي، تركيا والانتقال للنظام الرئاسي، مقال على الانترنيت، على موقع، www.aljazeera.net
...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق