تشهد الساحة السياسية العراقية حراكاً محموماً ولو انه حراك فوضوي في اغلبه، لكنه حرك الكثير ودفعهم الى تقليل ساعات النوم يناقشون الأوضاع في اجتماعات مغلقة وأخرى علنية امام وسائل الاعلام، انها مرحلة إقرار الاتفاقيات وابرام الصفقات، وتشريع القوانين التي تضمن الفوز او على اقل تقدير تعبد الطريق للفوز في المرحلة المقبلة، فهي مرحلة الاستحقاقات المفصلية في تاريخ العراق الديمقراطي منذ 2003 وحتى الان.

لا تتخذ الحكومة ولا الكتل السياسية المؤيدة لها او المعارضة قراراً او اتفاقية او تشريعاً قانونياً الا وستكون له انعكاسات مهمة على المستقبل القريب، حكومة الكاظمي هي محور هذه القرارات لأنها صاحبة السلطة وتملك من الدعم السياسي المحلي والخارجي بما يجعلها قادرة على التحرك بنوع من الحرية النسبية لا سيما مع استفادتها من التهدئة الشعبية بل والدعم الشعبي الكبير لكونها تتبع سياسة التحالف مع الغرب على عكس اغلب الحكومات السابقة، وهي سياسة يراها كثيرون مفيدة للعراق في ظل الازمات الدولية التي تعاني منها المنطقة، يأتي ذلك بالتزامن مع تردي الأوضاع السياسية والاقتصادية لدى الدول المعارضة للغرب.

الصفقة الأهم بالنسبة للحكومة قبل الانتخابات هي كسب ود الاكراد وتامين جبهتهم، وهذا خرق سياسي كبير، فاغلب الحكومات التي سقطت في الماضي كانت بسبب خلافاتها الحادة مع الكرد، ما عدا حكومة عبد المهدي التي تعرضت الى ضغوط محلية وخارجية خارج إرادة الكرد.

وعند الحديث عن علاقة الكاظمي بالكرد، يسبقنا المستشار الإعلامي لمكتب رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني كفاح محمود، بالقول بانه "لا يخفى على أحد أن الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة بارزاني كان أكبر الداعمين لترشيح وتولي السيد الكاظمي منصب رئاسة الوزراء، واستمر بدعمه في كل الخطوات التي اتخذها في هذا المنصب".

محمود يرى في حديث لصحيفة الشرق الاوسط ان "نجاح الكاظمي يعدّ نجاحاً لمن قام بدعمه، فإذا ما تم ترشيحه مرة أخرى لمنصب رئاسة الوزراء فسيلقى دعماً كبيراً من بارزاني والحزب الديمقراطي الكردستاني"، هذا الكلام جاء بعد أيام من عقد اتفاق سنجار بين الكرد وحكومة الكاظمي الذي وصف بالتاريخي، ومن هنا تحديدا نعرف معنى التاريخي التي أطلقها المتحدث باسم رئيس الوزراء احمد ملا طلال، لكونه يمهد لمرحلة جديدة من تأسيس التحالفات السياسية.

الكاظمي الذي تعهد للكتل الشيعية بعدم الترشح لولاية ثانية، يقف امام هذه الكتل وهو يحمل توقيع مسعود برزاني الذي يصف نفسه بانه أكبر قائمة انتخابية لحزب منفرد، كما انه يعرف جيدا قدرة الكرد على عرقلة او تمرير عمل الحكومات الجديدة، ومن ثم فان رأي الكتل الشيعية سيكون ضعيفا امام تطلعات مصطفى الكاظمي الذي بدأت علامات تأسيس تياره السياسي واضحة.

يبقى امام الكاظمي الدعم الشعبي، وهو يعرف جيداً انه من دون مقاعد انتخابية كافية لا يستطيع التغلب على الكتل السياسية القوية، كما حدث لرفيقه حيدر العبادي الذي فشل في تحقيق الأغلبية لكونه لم يراعي مشاعر الشارع بشكل جيد، اما الكاظمي فقد اخذ الدرس وهو يلعب الان على وتر الشعبوية، يعمل من كل خطوة ضجة إعلامية من اجل ابراز نفسه كشخصية محركة للركود السياسي، واخر خطواتها في هذا الشأن هي ما اطلق عليها "الورقة البيضاء" وهي ورقة اصلاح مالي واقتصادي، يقول انها تكفل تحسين الأوضاع المتردية في البلاد.

وزير ماليته علي علاوي حدد مدة زمنية تبدو أكبر من فترة ترؤس الكاظمي للحكومة وهي مدة خمس سنوات، ما يعني ان الكاظمي يتطلع فعليا لولاية ثانية لأنه يعرف بان ورقة مثل هذه لا يستطيع تنفيذها الا هو، كما انه يمكنه التنصل من حالة الفشل السريع لذلك يستطيع الهروب الى الامام، فضلا عن استخدام هذه الورقة البيضاء كشعار انتخابي مستقبلي.

أي ان الكاظمي سيرفعها للجماهير وان انتخابهم له يضمن لهم مستقبلا واعدا لا سيما وانه اختار الاسم بطريقة دعائية واضحة، فمن اهم أسس الدعاية الانتخابية استخدام الأسماء الرنانة لجذب الجماهير وأفضل اسم هو الورقة البيضاء.

دلالات عديدة تكشفها تحركات الكاظمي كلها تصب في تسويق نفسه انتخابيا على انه صاحب السجل الأبيض، وصاحب الورقة البيضاء، وصاحب الحكومة التي لم تشن الحرب على أحد، كل هذا قد يضمن له تأييدا شعبياً بما يمهد له الاستفادة من تحالفاته التي نسجها الان للتمسك برئاسة الوزراء لدورة انتخابية ثانية.

انقر لاضافة تعليق