ما بعد سقوط الدكتاتورية في 2003 انتقلت معاناة العراقيين من الحديث عن الدولة القمعية البوليسية المتمثلة بجمهورية الخوف والاضطهاد والحرمان والحروب الى الحديث والتساؤل عن هيبة الدولة وفقدانها، وأين هي الدولة عن مما يجري من انفلات وفوضى وقتل واهدار للمال العام والارواح، وأين هو القضاء العادل الذي يقتص من المجرمين والقتلة والفاسدين ولماذا الاساءة الى هيبة الدولة ولماذا هذا التراجع في دور الدولة الذي وصل في الكثير من مظاهر التدهور والانحلال وضعف السيادة الى حد الاضمحلال، الى جانب المطالب اليومية في استعادة هيبة الدولة رسميا وشعبيا، بل وحتى على ألسنة اعداء الدولة العراقية واستقرارها، لأن المساس بهيبة الدولة هو خط احمر مجتمعيا وعالميا، وبالتالي فأن اعداء الدولة بالأفعال، لا يستطيعوا الإفصاح عن عدائهم في العلن وبالأقوال بذلك، ولكنهم يسعون الى "دولة خفافيش" من طراز خاص في الخفاء.

تتعرض الدولة العراقية الى مخاطر داخلية وخارجية تهدد انهيارها، وابرزها تلك المخاطر والضغوطات هو ارتهان العراق الى التطلعات غير المشروعة للدول الإقليمية والمجاورة: تركيا، ايران، السعودية والدول الخليجية الأخرى، منها الراغب في جعل العراق ساحة للصراع الامريكي ـ الإيراني، او سياسات التحريض الخليجي في ظل الصراع الإيراني ـ الخليجي وفي مقدمته الصراع السعودي ـ الايراني " وان اختلفت حدته عن الصراع الأمريكي الإيراني" على الأرض العراقية بسبب اختلاف اجندة الاحتواء وارتهان العراق لتلك الصراعات بفعل حجم التدخل الإيراني والامريكي الكبير في العراق، وباختلاف حجم مشروعيته ودوافعه.

ومما يعزز تلك الصراعات الإقليمية والدولية هو هشاشة الجبهة الداخلية للعراق وفرقائه السياسيين الذين تجدهم مطابقين لأجندة الصراع الخارجي، فهم منقسمون الى حلفاء لتركيا في العلن والخفاء، وحلفاء لإيران، وكذلك من منهم حلفاء لدول الخليج المختلفة. تلك الجبهة الداخلية التي غذتها شدة الصراعات الطائفية السياسية والمذهبية والأثنية والقومية ما بعد 2003 وكرس استقطابها بنية النظام السياسي القائم على المحاصصة الطائفية والاثنية، والذي ادى الى استنزاف الموارد والطاقات في عمليات فساد ونهب وقتل غير مسبوقة بتاريخ العراق والدولة العراقية وحروب داخلية وأهلية قائمة على العبث بمشاعر الانتماء المذهبي والقومي.

وقد بات للقاصي والداني أن العراق على مستوى المزاج السيكوسياسي الرسمي والجيوبولتيك مقسم الى ثلاث اقسام او اكثر متناحرة ومتصارعة على الموارد والنفوذ ولا تمت بأي صلة بمفهوم بناء العراق الموحد الفدرالي، حتى بات منطق( رئيس جمهورية ـ كردي، ورئيس وزراء ـ شيعي ورئيس برلمان ـ سني) وما تحت تلك المناصب وما يتفرع عنها والتي لم ترد في الدستور العراقي، من أكثر الآليات نشازا وعقما لأعادة انتاج الصراع الأثنوطائفي السياسي ومأسسته واعادة تكريسه في كل دورة انتخابية تشريعية.

من المؤسف وبعد مئة عام من تأسيس الدولة العراقية وما رافق ذلك من تحولات عميقة في البنى التحتية الاقتصادية والاجتماعية وظهور ملامح راسخة لازدهار نسبي للمدن العراقية وفي مقدمتها العاصمة بغداد كضرورة موضوعية لبداية اضمحلال للبنى الاقتصادية والاجتماعية المتخلفة السابقة، تعود العشيرة والقبيلة لتحل محل الدولة في عمل تراجعي تقهقري ومزودة بالمال والسلاح لفرض اجندتها في اعادة بث منظومة القيم والسلوك القائمة على احياء قيم الثأر والانتقام واضعاف منظومة القيم الاجتماعية الايجابية من خلال اضعاف دولة المواطنة، ومما يزيد الطين بلة دخول الاحزاب الحاكمة وخاصة المتأسلمة على خط الاستعانة بالعشيرة ودعم تسليحها في ادارة صراعها مع قيم الدولة والمجتمع المدني، واستخدام العشيرة في التعبئة الحشدية في العمل السياسي، حتى اصبح تحالف الأحزاب مع العشائر من اشد المخاطر التي تواجه استقرار البلد والمجتمع والدولة وتفككها وتقهقرها، واصبحت العشائر احد الحاضنات الخطرة للسلاح المنفلت الى جانب سلاح الميليشيات المنفلتة التي تستهدف الأضعاف المتواصل للدولة وتشكل معضلة الدولة العميقة في العراق.

مع ضعف الدولة العراقية وتدهور هيبتها وعدم مقدرتها على بسط سلطة القانون بعد ان سقطت مؤسساتها في عمل قسري من خارج الحدود عام 2003 وتزامن ذلك الانهيار ليست فقط مع سقوط النظام الدكتاتوري الحاكم أنذاك، ولكنه أسقط فيه مؤسسات الدولة العراقية التي امتدت الى عهود تأسيس المملكة العراقية وبدايتها منذ عام 1921، وقد اختلف آداء هذه المؤسسات اجتماعيا وسياسيا وثقافيا واقتصاديا مع تعاقب الأنظمة السياسية المختلفة على الحكم في العراق وتباين فلسفاتها. أي ان الاحتلال الأمريكي للعراق لم يستهدف التغير النوعي لأداء مؤسسات الدولة العراقية، بل استهدف بنتائجه الميدانية تحطيم البنية التحتية المؤسساتية للمجتمع، والتي هي ثابتة نسبيا باختلاف من حكم العراق.

وكان من جراء ذلك فقدان الأمن المجتمعي وتفكك الوحدة الجغروأثنية للعراق، فانتعشت بسبب ذلك كل الاشكال المتخلفة للضبط الاجتماعي والسابقة للمدنية وفي محاولة منها استغلال تأزم الاوضاع وخروجها عن السيطرة وانهيار مؤسسات الدولة ولتفرض نفسها بديلا عن الحياة المدنية ومؤسساتها المستقرة، وكان من تداعيات ذلك هو التشرذم الديني والمذهبي والاحتماء بالطائفة والمكون الاثني وتشديد قبضة العزلة والانكفاء الجغروطائفي والاثني وتعزيز دور الهويات الفرعية خارج اطار السياق الوطني الجامع، فأنطلق الارهاب الفردي والمنظم وشاعت التنظيمات المسلحة، من سلاح عشائر وسلاح مليشيات وعصابات اجرامية مختلفة تتخذ من المناطقية والتمترس الجغرواثني والمذهبي واجهات لفرض نفوذها كبديل عن الدولة وسلطة القانون والقضاء.

في ظل تلك الاجواء اشتد ساعد كل اشكال الضبط والسيطرة البدائية السابقة لنشوء الدولة، والتي اختفت او ضعفت في عهود وحقب سابقة للاحتلال الامريكي، بفعل التغيرات الجذرية في البنية الاقتصادية والاجتماعية والمؤسساتية والساعية الى بناء نمط من الحياة المدنية باختلاف طبيعة الأداء الفكري والسياسي لها. وفي ظل هذه الظروف كان حضور العشيرة وتصدرها مشهد الحياة اليومية ما بعد 2003 هو تحصيل حاصل لعملية التفكيك المنظم للبنى المؤسساتية للدولة والرجوع الى بنى اجتماعية سابقة تستند في قوامها الى الانتماء الجغرووراثي لأصول مجاميع من الافراد والعوائل ذات الروابط المحددة في الوراثة والنسل والقربى.

ومنذ 2003 الى اليوم وبعد مرور 17 عاما على اسقاط النظام لم تستطيع الحكومات المتعاقبة في اعادة بناء الدولة وهيبتها، بل اعادت تكريس كل البنى الاجتماعية المتخلفة والتي تستهدف اضعاف الدولة وسلطة القضاء والقانون، وكان نتاج ذلك نشوء دولة عميقة قائمة على الفساد الاداري والمالي والسلاح والعصابات الاجرامية المنفردة والمنظمة والميليشياوية والعشائر المسلحة بمختلف انواع السلاح، وتستمد قوتها وبقائها من منظومة الاحزاب الحاكمة غير المؤمنة بالدولة. الدولة العميقة وسلوكها يدب اليوم في شريان الدولة العراقية الرسمية ويشد مفاصلها وينساب في كل قطاعاتها ولها هويتها السياسية والاقتصادية والادارية والثقافية ولها من يشرعن افعالها ويقتص من مخالفيها.

إن الفساد المتمثلة في الدولة العميقة مكون يقظ وحذر ويملك جهاز مناعة ومقاومة لا نظير له يقيه من كل الضربات ومحاولات النيل منه، ويملك قوة تجديد ذاته أمام كثرة ضعاف النفوس والمغرر بهم والدجالين والمنتفعين، ومن يدور في فلكهم، وكل من يملك صبغيات وكيميا الانغماس في ملذاته، وقد يقوم بحرب استباقية ووقائية ضد كل من يتربص به، ولهم دينهم الخاص، فأخلاقهم عند الاقتراب منهم هي اخلاق داعش في السبي والتنكيل. في الدولة العميقة تنقلب الاخلاق والقيم والمقاييس، فالسارق لديهم مؤمن محصن والمظلوم معتدي على الحق العام.

ان دولة الفساد العميقة لها استراتيجية محكمة وقوة خارقة لهدم كل القيم النبيلة وزرع بدل ذلك قيم الحط من النفس ووضاعتها ونزع أي بذرة من الاخلاق واقتلاعها من جذورها، وتحويل الفرد الى كائن ذو نوازع مرضية لا يقدر قيمة العمل الا بمقدار التحصيل غير المشروع ويحاول ان يجد لنفسه تبريرات ومسوغات على ان الامر يندرج في خانة الاكراميات او الحق المشاع وليس في بند الرشوة او السرقة والاهدار وسوء الأخلاق، فيصبح الفساد واقع يومي معاش لا محيد عنه وممارسة اعتيادية ودارجة في السلوك اليومي بل وثقافة يومية وشجاعة من نوع خاص يمارسها جبان مختفي وراء طقوس واعراف مشوهة، وقد ابتلى العراق بمنظومة الفساد الاخلاقية المنحطة التي افرزتها قيم الدولة العميقة، وهي نفسها التي تمارس التزوير في الانتخابات البرلمانية والمحلية لإنتاج طغمة فاسدة تسعى لإعادة انتاجها وبقائها ولكي تلقى الدعم والبقاء رسميا.

اليوم عنما تحاول الحكومة العراقية الحالية بإعادة هيبة الدولة بمحاولات قد تكون متواضعة قياسا بحجم الارث البغيض المتراكم فأنها مطالبة بالوضوح والجرأة والشجاعة وعدم الخوف من الدولة العميقة لأن الأخيرة لا يمكن ان تستسلم بسهولة ابدا ولكنها تحمل موتها في احشائها، وقد تستمر هذه المحاولات بين كر وفر ولكن الضمانة هو اتجاه الاحداث لأضعاف عناصر الدولة العميقة، من خلال المصداقية في محاربة الفساد وحصر السلاح المنفلت ووضع المليشيات تحت الحظر وتهديدها دوما لحين القضاء عليها، والتشديد على تطبيق قانون الاحزاب الذي يحظر اي حزب له مليشيات وفصائل مسلحة ومنعه من الدخول في العملية الانتخابية والسياسية بصورة عامة وسوقه الى القضاء.

أن محاولة الحكومة في ارساء ملامح هيبة الدولة والتي تقترب من الانهيار الكامل وفي لحظة ما، هو ان يجري العمل على تأكيد عدم المساومة بممارسة الدولة لوظائفها الأساسية والمتمثلة اولا بحفظ النظام وتطبيق القانون، وهي المسؤولة عن حفظ ارواح المواطنين وممتلكاتهم وبسط الأمن في ربوع البلاد والحفاظ على السلم الأهلي، وهي المسؤول الاول والوحيد في الدفاع عن الوطن وارض البلاد من الاعتداءات الخارجية والحفاظ على امنه من الاختراق الخارجي والداخلي وهي من يقرر سياسته الخارجية.

وكذلك في الميدان المالي والاقتصادي فهي من الوظائف الأساسيّة المنوطة بالدولة في هذا الجانب، وضع السياسة النقديّة العامة، وصك النقود، وتنظيم المؤسسات، والتعاملات الماليّة على أرض الدولة، وتحقيق الرفاه الاقتصادي للمواطنين، وتنظيم الأنشطة الاقتصاديّة في غالب الأحيان، ومن هنا فإن الدولة مسؤولة عن إنشاء العديد من المؤسسات الماليّة، والاقتصاديّة المسؤولة عن القيام بمثل هذه المهام.

وكذلك الوظيفة الدولية من أبرز وظائف الدولة تنظيم العلاقة بينها وبين الدول الأخرى، والتأسيس لشراكات حقيقيّة قائمة على تبادل المنافع، والتعاون المشترك من أجل تحقيق الأهداف المشتركة، فأي دولة تسعى للتطور والنهوض، تؤمن أنها ليست وحدها على هذه الأرض، وأن عليها السعي لبناء سمعة دوليّة طيبة، ولا يحق لأي حزب او فصيل او ميليشيا فرض اجندتها على سياسة الدولة الخارجية.

ان استعادة هيبة الدولة في كل المجالات هو عمل شاق وطويل الأمد و لكن التأسيس له بشكل سليم هو الضمانة الأكيدة لإنقاد العراق من براثن الفساد المالي والاداري والسياسي عبر ألتماس أفق الاجراءات الحالية ومدى فعاليتها وحجم ردود الافعال من اقطاب الدولة العميقة الرافضة لهيبة الدولة واستقرارها ومعالجتها في الزمن المناسب، وبالتأكيد ان الانتخابات المبكرة مسبوقة بإكمال تشريع المحكمة الاتحادية، وقانون انتخابات جديد، وتطبيق قانون الاحزاب، ومحاسبة قتلة المتظاهرين، وضمان عملية انتخابية نزيهة بعيدة عن تهديد السلاح، ورقابة أممية على سير الانتخابات، تشكل جميعها مقدمات لحسن النوايا في تغير الاوضاع خطوة نحو الافضل، عبر اعادة تشكيل موازين القوى السياسية لصالح بناء دولة المواطنة.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق