لقاء السيد مصطفى الكاظمي مع الشاب الذي عُذّب وأهين من قبل منتسبين في (حفظ القانون!) لقاءٌ كريم يعكسُ أخلاقه الشخصية الرفيعة قبل مسؤوليته الرسمية. إنه عزاء لجميع ضحايا التعذيب في العراق، وإشارة بليغة نتمنى أن نُحدِثَ تغيراً في سلوك المنتسبين للأجهزة الأمنية من أجل الحفاظ على هيبتها واحترامها الشعبي، هذه المبادرة التي تعبر حدود اللقاء الشخصي فعلها سابقاً رئيس مجلس النواب السيد محمد الحلبوسي وهو يلتقي عائلة المتظاهر ابن الناصرية حميد ضاغطهم (كما يلقبونه في المدينة) رمزية مبادرات كهذه تطمئن الشارع العراقي الى إهتمام المسؤولين في السلطات العليا بالناس من جهة.

وترسل رسالة الى المؤسسات العراقية وتحديدا الأمنية بضرورة احترام الشباب العراقيين الذين يطالبون بحقوقهم بصورة سلمية، بل تدل على أن الدولة راعيةٌ للجميع، راعيةٌ للابرياء وغير الأبرياء أيضا ممن يُتهمون أو يدانون في المحاكم الجنائية، لأن لهم حقاً في صون الكرامة الإنسانية كما تنص عليه لوائح حقوق الإنسان، والأعراف الإجتماعية قبل ذلك، فالمجتمع العراقي مجتمع عشائري وجميع أفراده لهم ارتباطات اعتبارية من اقارب وعشائر تقف وراءهم اذا ما تم الإعتداء عليهم .

القصاص الحكومي من مرتكبي الجرائم والإهانات والتعذيب، يوقف رغبة الإنتقام الفردي التي تحصل حين لايجد الناس قانونأ يحميهم من هذه التجاوزات، ضبط السلوك الأخلاقي للمنتسبن في الأجهزة الأمنية يحتاج الى ثلاث معالجات أساسية، الأولى قانونية لاشعار المنتسب بانه يواجه العقوبة الإدارية الصارمة في حال ارتكابه خطأ ضد المجتمع، والثانية دعم المجتمع نفسه للقوانين بالتربية المباشرة، لأن المنتسب أيضا له أهل وأقارب وعشائر عليهم أن يدينوا أي سلوك منحرف يبدر منه، فواجب الدولة تتخذ الإجراءت وتنظّم العقوبات لكن ليس من واجبها أن تعلم الأخلاق.

الأخلاق تربية اجتماعية وهناك منظمات ومراكز ثقافية ودينية عليها القيام بذلك، ولا أعتقد أن العشائر العراقية الكريمة ترضى أن تعمل الدولة على الإرشاد الأخلاقي بما يشبه حصر الأخلاق بيدها لوقف السلوك المنحرف للأفراد، هذا ما لاترضاه هذه المكونات الإعتبارية العريقة بالتأكيد.

الأمر الثالث المهم جدا هو تعليم جميع المنتسبين ماهي اساسيات حقوق الإنسان في الأقل، من خلال دورات مكثفة قبل الدخول الى سلك الخدمة، وكيف يمكن التعامل مع المتهم و حتى المدان أو مرتكب الفعل الجنائي، إسلوب الضرب والتعذيب الإنتقامي تجعل حتى المجرمَ على حق لأنه بمثابة ردع الجريمة بارتكاب جريمة مضادة أخرى، ففي حالات الطواريء والحروب التي تتعطل فيها مبادي كثيرة من حقوق الإنسان مثل حق الرأي وحق التجمع ومثيلاهما ويصبح حتى القتل مشروعا بين الأعداء في ساحات القتال.

مع ذلك يبقى بعض الحقوق فاعلاً، كالمحاكمة العادلة وصيانة الكرامة الإنسانية التي لاتسمح بانتهاكات جسدية أو جنسية أو لفظية أو استعراض الأسرى في الشوارع وتصوير اذلالهم كما فعل ارهابيو داعش من بشاعات في وقت سابق، كذلك الحفاظ على أرواح المدنيين من جميع أطراف النزاع ، فضلا عن الحق في الحياة الذي لايخول لك مهما كنت منفعلا أن تقتل أسيرا وقد رأينا ماذا فعل الدواعش الأنجاس بالأسرى المدنيين والعسكريين على حد سواء، هذه المباديء ليست قوانين فقط بل هي أعراف وقيم اجتماعية أيضا مدعّمة بالكثير من الأدبيات الدينية والدنيوية.

لعل هذا الأمر يمثل التحدي الأول لحكومة الكاظمي بل للحياة السياسية كلها في العراق، فلابد من تطهير البلد من السجون الأهلية والسلاح الأهلي والإنفلات الاخلاقي الذي يقتل البعض ويخطف ويعذب دون عقاب تحت ذرائع شتى، وهذا يتطلب جرد السجون التي في البلد، وتوحيد جهات أوامر القاء القبض، وتقوية القضاء لتصبح له اليد العليا المستقلة المحايدة في البلاد، ويقيناً أن ضبط الأمن في العراق ووحدة سياق القوات الأمنية هو المفتاح السحري لإصلاح جميع المؤسسات الأخرى.

.........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق