حالة نزيف على شاكلة الحالة الصومالية، مخطط لها أن تبدأ ولا تنتهي من ينظر إلى ليبيا، فإن أول ما يستدعي فهمه، أنها لم تعد دولة بل أشلاء دولة، أو بعبارة أقل دبلوماسية هي مجموعات تتجمع لبناء كيان لم يصل بعد إلى مستوى دولة، لكنها في كل حالاتها الشاذة...

لم ترّج الأحداث التي تعيشها ليبيا دماغي بالقوة التي أقرؤها لدى كثيرين، ربما لأنني أعتبرها امتحاناً لصمود الشعب الليبي الواعي الأصيل، ولقناعتي أنه سينجح في النهاية على المؤامرة، ولأنني أرى في قسوة الحدث تجديداً لحياة أصابها الصدأ، فالحديد بحاجة بين الحين والحين إلى بعض النار، ولسبب مهم قلته من قبل مرات ومرات في مقالات كتبتها، تتضمن قراءة أن العالم العربي يواجه حالة نزيف على شاكلة الحالة الصومالية، مخطط لها أن تبدأ ولا تنتهي... من ينظر اليوم إلى ليبيا في واقعها الأخير، فإن أول ما يستدعي فهمه، أنها لم تعد دولة بل أشلاء دولة، أو بعبارة أقل دبلوماسية هي مجموعات تتجمع لبناء كيان لم يصل بعد إلى مستوى دولة، لكنها في كل حالاتها الشاذة، تتحول إلى مركز واستقطاب لشتى أنواع المشكلات والجماعات الإرهابية.

دوافعي وهواجسي للكتابة في هذه الأيام العصيبة: شعب ليبيا، يعاني من الفقر والقهر والظلم والقتل والمرض و... و... شعب ليبيا الذي يرفع راياته وينادي بالعدالة وبمحاسبة الفاسدين والمفسدين، ويسعى خلف لقمة العيش... يهتف، ويُحيِّي، ويُعيِّش، ويبكي على الشهداء والجرحى، ويندب أبناءه ودياره وأرضه ووطنه... شعب ليبيا الذي ترتفع زغرودته وآهاته معا مضمختان بالدمع والدم والأمل، وتتقطع أنفاسه وأوصاله فيقطِّع أنينُه نياطَ القلب... شعب ليبيا الذي منه وفيه كل هذه التناقضات والمتناقضات والتطلعات والبطولات والتضحيات والآمال، ويعيش أياما ليست كالأيام ليكسب أبناؤه أياما ليست كأيام آبائهم وأجدادهم... شعب ليبيا الذي آمل أن تنتهي جولاته وتضحياته ونداءاته إلى إصلاح وفلاح وحرية ونجاح وأمن من جوع وخوف...

ومن هواجسي الدافعة أيضا لما قلت وأقول، ولما قصَّرت في تبيانه أو ضاق المجال عن جلائه ببيان قد أعود إليه: حياة، وحضارة، وآثار، وتاريخ لأمة تستحق واقعا أفضل ومصيرا أفضل... أمة تتعرض للتشويه بحملات ظالمة فيها لبعض أبنائها يد ونصيب مما يدخل في باب الغريب العجيب... ربما لجهل أو لغرض، وربما بسبب ما لحق بهم وبانتمائهم وثقافتهم من عطب وضلال وتضليل سياسي وثقافي وإعلامي، أو بسبب ما رأوا ويرون من ممارسات وإحباط، أو بسبب انكسارهم أمام حملات أعداء الأمة العربية الذين يتظافرون عليها، ويوظفون من أبنائها ضعافَ أنفس أو حاقدين ينغل في داخلهم غل عليها لأسباب لا تغيب عن المتابع اللبيب...

وجعي الأكبر ينطلق من أن أكثر المثقفين والسياسيين يأخذون بغيهم العام في كل مكان في اتجاهات الفوضى والعبثية والإخفاق. فأنا لست من هؤلاء الذين يرسمون الفراديس، ولا الأحلام التي تشبه في النهاية فقاقيع الصابون في وعاء معدني ''الطشت'' كانت تغسل فيه أمي قبل ظهور الغسالات الكهربائية ثيابنا، ولست من أولئك الذين يضعفون كأبطال الروائي الروسي ''ديستوفسكي'' ويعلنون الهزيمة، فأنا من الذين يقرؤون ما يحدث، والعمل على عدم السقوط مرة أخرى في الحفرة نفسها.

المشكلة يا أحبائي أن الحفر باتت كثيرة وكثيرة جداً، وأن الذين يحفرون الحفر لا يتوقفون عن حفرها، ويرون أن من حقهم حفرها لأنهم أذكياء، وأن الغاية تبرر الوسيلة، وأن الجهات المسؤولة عن مكافحة الحفر قبل حدوثها وبعد حدوثها تشكّل لهؤلاء غطاء.

لم تعد مصلحة ليبيا، ولم يعد السلم والأمن فيها، ولا أرواح مواطنيها، ولا حاضرها وماضيها، ولا مصالحها ومستقبلها وسيادتها، بوصفها دولة مستقلة... لم يعد كل ذلك وسواه... قضية تهم دولا عُظمى... فمنذ سنوات ''الربيع المشؤوم'' تم تحويل ليبيا، إلى مرتكز لتكاسر الإرادات السياسية، وساحة لاستعراض القوة العسكرية، ولتقنيات الأسلحة والمعدات الحربية، وميدان لتدريب الميليشيات والمرتزقة وشذاذ الآفاق بالذخيرة الحية، وساحة لإنجاز المهام بكفاءة عالية، ولتجريب الأسلحة وتطويرها، والدعاية لها في أسواق القتل والتدمير... تلك أصبحت من أهداف أطراف دولية ومن مهامها وبرامجها... دول تملك القوة، وتتطلع لتوسيع انتشارها ونفوذها، وتعزيز قدراتها، واستعادة مكانتها، وتأكيد ''ندِّيتها السياسية''، أو إثبات وجودها، كأطراف فاعلة وحاكمة، في السياسة الدولية...

وهي تتنازع على جسد الشعب الليبي، ذي العراقة الثقافية والحضارية، بلا أية محاذير، في حرب على الإنسان والعمران، على الهوية والتاريخ والدور العربي، على الذات الوطنية والقومية... وتلك الدول لا تهمها سوى انتصاراتها، في صراعاتها حول قضايا وأزمات واستراتيجيات ومواقع، في أماكن من العالم، ولا يهمها شيء، بقدر ما تهمها مصالحها ومكاسبها... لكنها، للإنصاف، لا تنسى أبدا، وهي تخوض في جداول من دم الشعب الليبي، وتتصارع على جسد الشعب الليبي، أن تتكلم عن الأمن والسلم في ليبيا، وعن دور الشعب في ذلك كله، وعن الحلول للأزمة، تلك الأزمة التي ''لا يمكن أن تكون حلولها إلا سياسية''؟! وتلك ملامح (تجميلية ـ دعائية، ومتعاطفة، ورحيمة)؟!، تنداح في الإعلام، والتصريحات، والمؤتمرات... بينما الذَّبح مستمر، ذبح البشر، ذبح العمران، وكل أشكال الحياة والآمال في الحياة... من خلال حرب وحشية، منذ ''الربيع العربي'' المزعوم في مطلع 2011، فالشعب الليبي يعيش سنوات من نار، مرشحة للزيادة، كما يبدو بوضوح؟!

هناك قضايا كثيرة ورئيسية، وبعضها ''قضايا مصيرية''، للمتصارعين في ليبيا وعليها، لكن ليس من أجلها... وليست جولة الصراع الدائرة الآن في ليبيا الأولى، إذ سبقتها العديد من الجولات المدعومة من قبل أطراف خارجية، وإن كانت الجولة الحالية تعتبر الأصعب لزيادة القدرات القتالية للأطراف المتحاربة واستعانتهم بمرتزقة ومعدات قتالية حديثة من القوى الداعمة لهم في الخارج، وهو ما من شأنه أن ينقل المعركة إلى مستوى أشد قوة وخطورة، فالأطراف المتحاربة اليوم لم تعد حكومة الوفاق في مواجهة اللواء المتقاعد خليفة حفتر، بل أصبحت روسيا وفرنسا وإيطاليا في مواجهة تركيا وقطر، بالإضافة إلى الولايات المتحدة التي تحاول موازنة الأوضاع والتحكم بمجريات الصراع بحيث تظل تدور في إطار المصالح الأميركية والغربية، وألا تصب في النهاية في صالح روسيا أو أي من القوى المناوئة لها في الشرق الأوسط.

وفي ظل هذه المعادلة شديدة الخطورة سيتكبد الشعب الليبي خسائر فادحة، وقد تتطور الأوضاع لتكرار السيناريو السوري، وإن كانت المعادلة في ليبيا مختلفة، نظرا لقربها من دول الاتحاد الأوروبي، وامتلاكها لثروات نفطية يصعب تركها لسيطرة جهة بمفردها، ما يعني إطالة أمد الصراع وتحوله إلى صراع إقليمي ودولي، هذا ما لم ينجح الشعب الليبي في توحيد صفوفه وحسم معاركه دون تطور المعركة لحد يصعب السيطرة عليه.

للأسف المأسوف عليه، اليوم الكل يضرب في ليبيا المنكوب بأعدائه، وبآخرين، وببعض أبنائه... والكل يخوض صراعا داميا في أرض عمر المختار، حتى لا يخوضه في بلده... هكذا قال الأميركيون، والأوروبيون، وهكذا قالت روسيا الاتحادية... وهكذا قال الأتراك وقطر... الحرب بالوكالة تستمر بالشعب الليبي وعليه وفي أرضه، وعلى حساب حاضره ومستقبله... أما ماضيه، فقد ساهم أعداء الداخل في تشويهه وتدميره واتهامه، مع من فعلوا ذلك ويفعلونه، ويسخِّرون البعض من الشعب لفعله...

أعداء ليبيا لا يلامون، فأنت لا تطلب الرحمة من عدوك لا سيما في الوقت الذي ترى فيه أخاك يغرز سكينه في قلبك... أعداء ليبيا لا يلامون فالعدو عدو، وكل منهم يرتب لنفسه ومصالحه، وما يرتبونه لليبيا يؤلمها ويدميها ولا يمكن أن ينهيها أو يجعلها تركع وتستسلم... وستقاوم أعداءها في الوقت الراهن كما قاومتهم على مدى التاريخ... ولكن ما يدبر لها، بأيدي بعض أبنائها وأشقائها، يبقيها تنزف وتنزف، ويضعفها ويضعف الأمة العربية بضعفها...

أعداء ليبيا يرتبون لها ويضربون قلبها بأيدي أبنائها ويضربون أبناءها بعضهم ببعض، ولا معنى للذرائع التي قدموها، ولا للمناقشات العقلانية معهم ولا للحجج المنطقية وللتذكير بالأخوي والقومي والإسلامي والإنساني، ولا بالقوانين الدولية والمرجعيات الأممية والدينية والقيم الأخلاقية... فالكل يدرك أن ذلك يدخل في باب اللغو والأماني وأشكال التعبير عن الضعف وحتى السذاجة حين تطبخ المؤامرات، وتوضع السياسات والاستراتيجيات العسكرية والاقتصادية العدوانية موضع التنفيذ، وتصبح لغة القوة هي لغة المكان والزمان، والسلاح صاحب القول الفصل واللسان المبين...

أعداء ليبيا يرتبون للشعب الليبي، فأين الشعب مما يُرتب له؟ وبعض الكتبة والإعلاميين وجمعيات ترتزق بإسم حقوق الإنسان... من بني الجلدة واللحم والدم يهزجون أمام الأعداء ويشدونهم إلى التدخل الدولي في شؤون ليبيا... فكيف يريد الشعب الليبي من العدو أن يتركه وبعض الليبيين الذين لا أخلاق لهم، يمسكون أذيال ثوب الدول الاستعمارية ويتوسلون إليها أن تتدخل في الشأن اللبيي بأدوات الدمار والموت...؟!.

ولتأكيد المؤكد، فقد طلبت حكومة الوفاق الوطني، قبل أسابيع من الولايات المتحدة فتح قاعدة عسكرية لها في ليبيا بذريعة محاربة الإرهاب، ومكافحة الجريمة المنظّمة، لكن الواقع يكشف أن هذا الطلب، يدل على مدى اليأس الذي وصلت إليه هذه الحكومة المدعومة من النظام التركي، لذلك نراها تستجدي الوجود العسكري الأمريكي، لتحقيق ما فشل في تحقيقه التدخل التركي حتى الآن. والملاحظ من طلب حكومة الوفاق وتصريحات وزرائها أن الجنرال حفتر ليس وحده المستهدف من تواجد القاعدة الأمريكية، بل روسيا والصين. أي أن هناك لعباً واضحاً على الحبال لاستجرار التدخل الأمريكي في ليبيا بعد خطط الولايات المتحدة إعادة نشر بعض قواتها المتمركزة في أفريقيا في مسارح أخرى من أجل مواجهة روسيا والصين.

كثيرون غيري ممن هم ربما مثلي، ينظرون ويتأملون ويقارنون ويحترقون مما يجري في أرض المجاهد عمر المختار ليبيا الغالية... يقاربون الأمور من بعض الوجوه ثم يرتدون إلى الله والشعب بقلوب مكلومة، يشعلون سرجَهم في النهار ويبحثون عن الإنسان في رأد الضحى... أما الحقائق فتدخل فتصبح في مثل هذه الأوقات من نفل ما يضيع وينتهك، فهي من ضحايا الحروب شأنها شأن كثير من الأبرياء في أوقات الحروب والأزمات والفساد والإفساد وسقوط الضمائر وانحسار القوى الفاعلة في الأمم العاقلة، إبان ضجيج الرغاء وعجيج الغوغاء.

خلاصة الكلام: من المؤلم: إن الحريصين على ليبيا، وعلى مفرداته الأخلاقية والسياسية والاجتماعية والثقافية وقيمه الوطنية والقومية، كالواقفين في العراء يتساقط على رؤوسهم المطر والأحجار والأوجاع والأوصاف، قد يغامرون أحياناً برفع أصواتهم غضباً، وقد يصمتون... ولا أخفيكم أنني أخاف على المستقبل وأخاف منه، لأننا بعد كل أزمة ننسى ما حدث، ونعود من جديد إلى غينا وإلى أخطائنا، وإلى ممارساتنا السابقة.

* باحث وكاتب صحفي من المغرب

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق