الدمج المتلبس بين جعل التاريخ اليهودي تاريخ الانسانية وبين الحق في الاختلاف يجعل من معاداتهم وجودا دائم التهديد حيث نجد أن الفلسطينيين وكل مسانديهم يتعرضون باستمرار لمحاولات اسكاتهم واقصائهم عن مجال الخطاب العقلاني وادخالهم في محور الابتزاز السياسي مما يجعلهم يشككون في شرعيتنا الفلسطينية كشعب...

يرفض نتانياهو اضفاء صفة تاريخية وجودية وثقافية على جاره الفلسطيني الذي سكن المكان معه وصنع تاريخه، لم يحترم المغايرة والجيرة ومازال يصنع من اليهودي ضحية في التاريخ ويجعله الضحية الأبدية ويحوله الى هوية متجاوزة للزمان، حيث يوحد الفلسطيني ويجعله من المعتدين المتماثلين اللذين يقفون جميعا في معاداة اليهود الذي صنف كل اليهود في صفة الضحية ويضع أورشاليم في مواجهة القدس ويعيد صياغة العلاقة بين الفلسفة والتاريخ حيث نجده يقدس التوراة التي تتألف منها البشرية ويرفض وجود القرآن في أحضان القدس التي قدسها وجعلها أولى القبلتين وثالث الحرمين حيث جعل من القوة هي مدخل لعلم الوجود بعد أن حول الفلسطيني إلى كيان وجودي جرده من مجال قوته الارضية والتاريخية والديناميكية والى موسيقى عبثية لا تصلح حتى للرقص.

وهذا بالطبع يدخل في إطار فيمونولوجية (ظاهراتية) اسرائيل ودولتها التي يعتبر وجودها هو نتيجة اوشفيتز، لأن وجود اسرائيل ودورها التي تؤديه يؤدي الى دور الحل الذي يعوض عن مارثة اوشفيتز او المحرقة التي لحقت باليهود وهي (قيام دولة اسرائيل) التي تستمد شرعيتها من هذه الحادثة وهذا ما يجعل اسرائيل تعيش مغامرة كبرى (مخاطرة كبرى) يمكن أت تطيح بوجودها كاملة.

حيث يؤكد الفيلسوف "مارتن بوبر" على أن إستقلال اليهود يجب أن لا يحصل على حساب إستقلال طرف آخر وهو الطرف الفلسطيني واقامة المستوطنة اليهودية يجب أن لاتكون على حساب طرد أي فلاح فلسطيني من أرضه والهجرة اليهودية يجب أن لاتكون على حساب ازاحة السكان الأصليين عن أرضهم، هذا رغم التزام "بوبر"بالفكر الصهيوني، الا انه لم يسقط من حساباته الوجود الفلسطيني وضروراته السياسية الاثمية.

وهذا النوع من الصهيونية رغم ضعفه واضمحلاله الآن أمام قوة الصهسونسة المتطرفة التي يقودها نتنياهو يؤكد أنه لا يمكن لليهود ادعاء حق حصري لهم في حق فلسطين التاريخية مع ذلك غابت وجهة النظر هذه عندما حققت الصهيونية تعبيرا سياسيا تمثل بصورة دولة اسرائيل التي حولت الفلسطينيين من سكان الأرض الأصلي إلى عدو بديهي.

عدو لفكرة الأرض الموعودة (عدو بديهي apriori)، علما أن الفلسطيني لا يتحمل مسؤولية الكارثة أو الهولوكوست، ففكرة المسؤولية الانسانية لاتتجزأ ولايمكن اعتبار الضحية اليهودية بوصفها شرطا ابديا ملازم للوجود، بل هي شرط تاريخي عايش لحظة حدوث الكارثة التي انتهت في منتصف القرن العشرين لذا لايمكن ان تلازم التاريخي الانساني ابديا لانها حادثة عرضية الوجود ومأساوية النتائج.

وبالتالي يمكن حسابها ضمن ما قدمه الروس من ضحايا وصلوا الى عشرين مليون ضحية في الحرب العالمية الثانية وهذا مانجده عند الفيلسوف "جيل ديلوز" الذي قال أن دعاة الصهيونية تمكنوا من تحويل ما يسمى الابادة الجماعية في التاريخ الى شر مطلق ابدي يلازم الانسانية بكل أزمانها حيث تبنوا مقاربة دينية صوفية للكارثة وأبعدوا المقاربة التاريخية وهذا يجعلها مبادرة تأويلية لتخليد الشر ففي أدبياتهم ينادون بمفهوم التاريخ الشمولي أين أن تاريخ اليهود هو تاريخ الانسانية الذي يعطيهم الحق في التمسك بالاختلاف، هذا الدمج المتلبس بين جعل التاريخ اليهودي تاريخ الانسانية وبين الحق في الاختلاف يجعل من معاداتهم وجودا دائم التهديد حيث نجد أن الفلسطينيين وكل مسانديهم يتعرضون باستمرار لمحاولات اسكاتهم واقصائهم عن مجال الخطاب العقلاني وادخالهم في محور الابتزاز السياسي مما يجعلهم يشككون في شرعيتنا الفلسطينية كشعب لايجب تملكه لخصوصيته الوجودية.

هذه الإدراكية الإسرائيلية تقضي على أي أمل للتعامل بعقلانية مع الشعب الفلسطيني واعتبارهم ضحايا الضحية الإسرائيلية التي تمتلك ثلاثية ادراكية في المخيال الصهيوني تقوم على القوة ووضع الضحية وعقدة التفوق.

* د.صالح الشقباوي - أستاذ محاضر في جامعة بودواو - الجزائر

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق