القوة التي ظهرت بها انتفاضة الاول من تشرين هذا العام من حيث التحشيد الشعبي، وقوة الاحتجاجات وامتداداتها على شرائح مختلفة، خرجت من إطار المظاهرات بصورتها التقليدية إلى عصيان مدني شمل أغلب الدوائر الحكومية والمدارس والجامعات في بغداد والمحافظات الوسطى والجنوبية من العراق، كوسيلة ضغط من أجل تحقيق المطالب.

وقد مر أكثر من شهرين ولا تزال الحياة معطلة بفعل هذه الاحتجاجات، هذا الحضور الشعبي ذو الطابع الشبابي الذي يعد القوى في عراق ما بعد عام 2003 جعل الكثير منا يتساءل عن حدود هذه الانتفاضة من حيث المطالب، كلنا يدرك حجم الفساد المستشري في مؤسسات الدولة، وكيف وظفت الاحزاب الحاكمة وجودها السياسي في استغلال مواقع السلطتين التشريعية والتنفيذية، وما الذي فعلته المحاصصة في إضعاف الدولة وقصور مؤسساتها ونقص على مستوى الاداء؟، ناهيك عن أثر التدخل الخارجي السلبي في تدمير البلد وتحويله إلى ساحة حرب بالنيابة؟، من جانب ثاني هناك استفهام يوجه بإتجاه مطالب الحركة الاحتجاجية، ماهي مطالب الحركة الاحتجاجية، وما الذي تحقق منها؟، لماذا لم تقنع الجماهير المنتفضة ببعض المقترحات والتشريعات لغاية الآن؟ هل هي مقدمة لانسداد أفق الحل؟

من خلال المتابعة اليومية للأحداث ومراقبة مطالب المحتجين وتفاعلهم مع الواقع العراقي يبدو أنهم غير مجمعين على توجه معين، لاسيما وأن الحركة الاحتجاجية متنوعة الشرائح والمشارب، وخالية من القيادات لغاية الآن، مع أنها تنظم عملها وأهدافها من خلال ما يعرف بالتنسيقيات، وعليه يمكن بيان حدود مطالب الحراك الاحتجاجي في العراق من خلال الآتي:

التوجه الأول: يطالب بإصلاح العملية السياسية

من الملاحظ، أن هناك من يطالب بإصلاح العملية السياسية عبر إقرار تشريعات جديدة أو تعديل المشرع منها بما ينهي أخطاء الستة عشر عاما الماضية والإخفاق في إدارة الدولة، وهذا التوجه تكاد تكون أغلب القوى الوطنية المشاركة في العملية السياسية التي ترغب بالإصلاح مجمعة عليه، كما أن المرجعية الدينية في النجف وكربلاء وحتى في مدينة قم ترغب بأن يكون الإصلاح من داخل العملية السياسية.

ولعل أبرز مثال على ذلك ما جاء في خطب الجمعة منذ الأول من تشرين وحتى خطبة اليوم السادس من الشهر الجاري، إذ في كل مناسبة تؤكد المرجعية الدينية على تعديل قوانين الانتخابات، واصلاح قانون المفوضية، وإنهاء المحاصصة، وإلغاء الامتيازات وتحقيق العدالة الاجتماعية، وسيادة القانون وتفعيل دور المدعي العام والقضاء بشكل عام، وكذلك تعديل الدستور، يشاطرها في ذلك النخب الاكاديمية والمثقفة والمراقبين للعملية السياسية، وذلك أن إصلاح العملية السياسية يجنب العراق العودة إلى مرحلة الصفر في بلد مثل العراق لا يزال يعيش حالة المكوناتية والمصالح الضيقة لأحزاب الطوائف والقوميات، وفي ظل تعقيدات خارجية وصراع إقليمي يريد أن يجعل من العراق ساحة حرب وتصفية الحسابات.

هذا التوجه في ظل الضغط الشعبي وتوصيات المرجعية الدينية يحرز تقدما في تحقيق بعض المطالب لاسيما على مستوى تعديل القوانين، فقد أقر مجلس النواب قبل يومين تعديل قانون مفوضية الانتخابات إذ استبدل مفوضيها بالقضاة بناءً على التوزيع السكاني الاستئنافي، وقد استطاع أن يلغي المحاصصة الحزبية في مجلس المفوضين السابق لكنه لم يستطع أن يلغي مسألة تمثيل المكون لاسيما بعد أن نص التعديل على تمثيل إقليم كُردستان بعضوين وهذا يعني هيمنة الحزبين الكبيرين في الإقليم عضوا للاتحاد الكردستاني من أربيل، وعضوا للحزب الوطني الكردستاني من السليمانية، والخوف من تكرار ذلك على المحافظات الأخرى في توزيع حصص المفوضين مع أنه التعديل حاول أن يبطل ذلك عبر اعتماده لنظام القرعة.

ويعمل البرلمان ايضا ببطء على تعديل قانون الانتخابات عبر استبدال قانون سانت ليغو بقانون يعتمد على الانتخاب على أساس فردي، وبدوائر متعددة لكل محافظة من محافظات العراق، وإذا نجح في إقرار هذه الطريقة فأنه يتقدم بخطوة كبيرة في أتجاه تحقيق بعضا من مطالب الشعب، لاسيما وأن ممثلة الأمم المتحدة في العراق أكدت في إفادتها الأخيرة أمام أعضاء مجلس الأمن الدولي على أهمية إقراره، ولا ننسى أن العديد من الكتل لا ترغب في إيجاد هذا التعديل والمناورة بطرح مشاريع مقاربه لتوهيم الجمهور.

أما فيما يخص تعديل الدستور فإن البرلمان منذ بداية الاحتجاجات قد فوض لجنة منه لتعديل الدستور خلال فترة أربعة أشهر، ويبدو أنها لا تستطيع أن تكمل التعديل في ضوء الرفض من قبل الكرد في ما يسموه برفض (أي تعديل دستوري يطال حقوق المكونات) مثلما عبر مسعود برزاني في أكثر من مناسبة في إشارة إلى الامتيازات التي أعطاها الدستور النافذ للإقليم.

التوجه الثاني: يطالب بإسقاط العملية السياسية

هذا المطلب الذي ينادي بإسقاط العملية السياسية بالمرة لدواعي سياسية والفشل الذي مر بها طوال السنوات الماضية، يمكن تقسيم المنادين بهذا المطلب إلى قسمين: القسم الأول: العراقيون في الداخل من شرائح ومدن مختلفة لا تجمعها صلات حزبية او سياسية واحدة، والسبب في مطلبهم هذا أنهم فقدوا الثقة بكامل العملية السياسية، ويرون أي إصلاح لم يعد يجدي نفعا في تغيير الخارطة السياسية، وهيمنة الاحزاب السياسية، وكل ما شرع جاء نتيجة لحالة المحاصصة التي شهدها البلد، من هنا هم ينادون برحيل الطبقة السياسية بالمرة، وإلغاء الدستور، ووضع خارطة طريق جديدة تؤسس لنظام سياسي جديد.

أما القسم الثاني أغلبهم من بقايا النظام السابق وبعض الحركات الدينية والسياسية المتطرفة إضافة إلى شخصيات وأحزاب تقيم خارج العراق، وتعمل على ذلك وتحظى بدعم خارجي وهدفها إسقاط العملية السياسية وإحياء أطروحة الحكم العسكري ودعم أي محاولة إنقلابية في هذا الاتجاه، وفي الواقع فإن هذا ليس بغريب فهناك أطراف داخلية وخارجية تعول على ذلك لإعادة توجيه الحكم من جديد بصورة تنهي نفوذ إيران في العراق عبر إقصاء حلفائها اولاً وبين الحين والآخر يطرح هذا الأمر لجس نبض الشارع.

وختاماً، نستطع قراءة حدود انتفاضة تشرين من خلال القول: "إن الخيار الأقوى في هذه المرحلة المهمة من تاريخ البلد يتمثل بتحقيق المطالب التي ينادي بها أصحاب التوجه الاول المطالب بإصلاح العملية السياسية بعد عام 2003 وتكاد تكون مطالب العراقيون جميعاً وتحقيقها سيخلق مرحلة جديدة من الاستقرار والتطور في الملفات الأخرى لاسيما ملف الخدمات والإعمار والقضاء على البطالة وتحقيق العدالة الاجتماعية، لكن بعيد عن رغبة وأهداف الكتل والاحزاب السياسية النافذة بصورة تفرز حياة سياسية مختلفة لاسيما بعد استقالة حكومة عادل عبد المهدي التوافقية.

وبالرغم من التقدم في تعديل بعض القوانين لكن لا تزال المظاهرات والإضرابات مستمرة خشية من التفاف الطبقة السياسية النافذة على مطالبهم إما بالتسويف أو بالتوهين، وباعتقادي إذا لم يستجب من بيده صنع القرار في السلطات الثلاث التشريعية، والتنفيذية، والقضائية في قادم الايام بعد كل ما شهدته بعض المحافظات العراقية من عمليات قتل وعنف ذهب ضحيتها عشرات الشهداء والجرحى قد تتطور مطالب التوجه الاول من إصلاح العملية السياسية إلى إسقاطها وهنا ندخل في مرحلة جديدة قابلة لكل التكهنات".

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية/2001–2019Ⓒ
http://mcsr.net

انقر لاضافة تعليق