عديدة هي الدروس والعبر التي أثارتها التحولات السياسية التي جرت في أكثر من بلد عربي، ولكن ما لفت نظري لدى الشعوب العربية، التي نزلت إلى الشارع وتحركت من أجل إصلاح أوضاعها وتطوير أحوالها، هو النزعة الوطنية، التي عبر عنها الناس بأساليب وطرق مختلفة..

فالشباب التونسي الذي نزل إلى الشوارع، وتحمل الشدائد وطالب بإحداث تغيير سياسي واقتصادي في بلده، كان يردد دائما شعارات تعزز من الوطنية التونسية، وإن هذه الوطنية تستحق بذل الغالي والنفيس من أجل صيانتها وحمايتها من كل المخاطر سواء كانت داخلية أو خارجية..

وذات الأمر أيضا تحقق وبصورة أكثر بروزا ووضوحا في التجربة المصرية.. فكل الفئات والشرائح كانت تنادي بالوطنية المصرية، وإن هذا الوطن هو بمثابة الأم الرؤوف بجميع أبناءها مع اختلاف وتمايز هؤلاء الأبناء على أكثر من صعيد ومستوى.. وكان ميدان التحرير في القاهرة، هو المنصة الكبرى التي عبرت فيها كل الشرائح والفئات عن مصريتها واعتزازها العميق بوطنيتها التي تستحق منهم كل تبجيل وتضحية.. وذات الأمر وإن بمستويات متفاوتة تكرر في التجارب والدول العربية الأخرى..

فالجميع رفع شعارات العزة للوطن، والجميع نزل إلى وطالب بالإصلاح والتغيير من أجل أن يرى شعبه ووطنه في حال أفضل مما هو عليه..

والملفت في كل هذه التحولات والتجارب أن كل اليافطات والشعارات والهموم وطنية، مع تراجع ملحوظ على مستوى الشعار والمطالب للهموم والقضايا التي تتجاوز حدود الوطن..

فالوطن والانتماء إليه لم يعد قلقا في نفوس وعقول الناس.. وإنما انتماء راسخ وعميق وقد عبروا عن هذا الانتماء بطرق ووسائل مختلفة، ولكنها جميعا تشترك في إبراز أولوية الوطن وهمومه، وإن الجهود ينبغي أن تبذل من أجل تطوير أحواله وإصلاح أوضاعه..

ولم يشعر هؤلاء بأي تناقض بين مطالبتهم بالإصلاح والتغيير وانتماءهم الوطني، بل على العكس من ذلك تماما، إذ عبر هؤلاء أن صدق انتماءهم لوطنهم وحبهم لشعبهم ومجتمعهم، هو الذي دفعهم للمطالبة بالإصلاح والتغيير.

فحب الوطن لا يعني فقط التغني العاطفي به، وإنما الالتزام العميق بقضاياه ومصالحه العليا، والعمل الدائم لتطوير أوضاعه.. لأن الحب الصادق إلى الأوطان، هو الذي يدفع الإنسان إلى الإيمان بأن وطنه يستحق أن يكون في مقدمة ركب الشعوب والأوطان..

فالوطن ليست أرضا بلا روح، بل هو الروح الممزوجة بحب الأرض والبشر، ومن يكره أبناء وطنه مهما كان سبب الكره، فهو في حقيقة الأمر لا يحب وطنه، بل يحي نفسه وأناه، وإنه يبحث عن وطن بمقاسه هو فقط.. بينما الأوطان هي القلب الكبير لكل أبناءه.. وإن من ينتمي إلى هذا الوطن ينبغي أن يحترم ويحب وفق مقتضيات الوطن والمواطنة..

فالعلاقة بين الوطن والمواطن علاقة عميقة، فحب الوطن يقتضي بالضرورة حب المواطن، والمواطن لن يتصف بهذه الصفة بدون وطن يجمع جميع المواطنين.. وإن الكثير من المشكلات القائمة في العديد من البلدان هو من جراء الفصل وعملية التفكيك بين الوطن والمواطن.. فتجد الإنسان الذي يمارس عملية التفكيك يصدح بحب الوطن ويتغنى به ويدبج القصائد والمقالات في الوله والعشق لهذا الوطن.. ولكنه ولاعتبارات عديدة لسنا في صدد بيانها، لا يصون حرمة شريكه في الوطن، أو لا يعطيه الأولوية في فرص العمل والتشغيل.. فالعشق إلى الوطن لم يتحول إلى إستراتيجية ومشروع عمل لديه.. فالوطن بالنسبة إليه هو عملية الأخذ، لأن العطاء إلى الوطن وحمايته، يعني على المستوى الفعلي هو العطاء إلى المواطن وحماية مصالحه المختلفة.. فالذي يحترم وطنه ينبغي له أن يحترم أبناء وطنه.. وإن عملية التفكيك والفصل في عملية الاحترام، هي بوابة المشاكل والأزمات على أكثر من صعيد ومستوى..

وعليه فإن حب الوطن والالتزام بقضاياه ومصالحه العليا، ليس مجالا للمزايدة بين مكونات الوطن، بل هو مجال للمنافسة والقيام بخطوات ملموسة في حماية الوطن والمواطنين بعيدا عن النزعات النرجسية و الشوفينية..

فالأوطان لا تحمى بالمزايدات الجوفاء، بل بالعمل والإنتاج والتنمية والبناء العلمي والاقتصادي.. فكل خطوة ومبادرة في هذا السبيل هي حماية للوطن ومصالحه.. فمن يحب وطنه ويعمل على حمايته من الأخطار، لا يعطل معاملات المواطنين في الدوائر الحكومية، من يحب وطنه ويعمل على حمايته، يمارس عمله على أكمل وجه بدون تسيب أثناء الدوام الرسمي.. ومن يحب وطنه لا يفضل العمالة الأجنبية على العمالة الوطنية.. ومن يحب وطنه لا يتعدى على الممتلكات العامة.. ومن يحب وكنه لا يهرب أمواله إلى الخارج، بل يعمل على استثمارها في داخل وطنه..

وخلاصة القول في هذا السياق: أن حب الوطن ليس لقلقة لسان، وإنما هو التزام بأولوية الوطن على كل الصعد والمستويات.. ومن يعتبر الوطن ومصالحه أولويته، سيعمل من أجل القبض على كل أسباب وعوامل تقدمه في كل المجالات والجوانب.. لهذا فإن علاقة الإنسان بوطنه، ليست خاضعة لمزايدات من هذا الإنسان أو ذاك الطرف، لأن الإنسان بطبعه مهما كان فكره، هو مجبول على حب وعشق وطنه.. ومن الخطأ الذي يرتكبه البعض هو حينما يدفع الأمور باتجاه مربع الاتهام، وكنه هو مانح شهادات الوطنية أو القابض على مفتاح الوطن..

فعلاقة الإنسان بوطنه هي علاقة صميمية، وتأخذ هذه العلاقة على مستوى التعبير أشكالا متعددة، والاختلاف في الرأي أو الموقف الفكري ليس مؤشرا على حب الوطن أو كرهه.. لأن هاتان المسألتان مختلفتان في الطبيعة والدور والوظيفة.. فنحن مهما كانت الصعوبات لن نضحي بوطننا من أجل مصالح الآخرين، لأنه ببساطة شديدة هو الوطن الذي لا نعرف بديلا عنه..

فالإنسان مهما كانت مشاكله وصعوباته الأسرية والاجتماعية، فإنه لن يضحي بأمه، وعلاقة الإنسان بأمه، لا تحتاج إلى مزايدة أو إدعاءات من هنا أو هناك.. كذلك هي علاقة الإنسان بوطنه هي قائمة على الحب وهذا الحب مركوز في دواخل قلب الإنسان وروحه، هذا على المستوى العاطفي والقلبي، والإنسان حينما يطالب بتحسين أوضاعه أو تطوير أحواله، فإنه لا يطالب بأشياء مناقضة إلى حبه إلى وطنه أو مواطنيته.. بل على العكس من ذلك تماما، إذ أن الإنسان الذي لا يعرف لوطنه بديلا، هو الذي يسعى دائما إلى التطور والتقدم، لأنه يحلم ويأمل أن يكون وطنه هو أفضل الأوطان، وأن يكون شعبه هو أفضل الشعوب..

وفي سياق المحافظة على مقتضيات الشراكة الوطنية أود التأكيد على النقاط التالية:

1- ليس من الشراكة الوطنية في شيء، أن يسمح الإنسان لنفسه التعدي على حقوق وعقائد المواطنين الذي يشتركون معه في الوطن والمصير..

فمن حق أي مواطن أن يقبل أو يرفض قناعات وأفكار المواطن الآخر، ولكن ليس من حقه أن يتعدى عليها.. فلا تنسجم فكرة التعدي على أفكار ومقدسات المواطنين، مع مقتضيات المواطنة والشراكة الوطنية.. والأوطان لا تحمى ببث الكراهية والعداوة بين المواطنين، مهما كانت قناعتك تجاه أفكار هذا الطرف أو ذاك..

2- إن تعدد الآراء والقناعات عند المواطنين لا يحكم إلا في ظل سيادة القانون.. فهو الذي يضبط النزاعات والتباينات، وهو الذي يحول دون تحول التباينات إلى معاول هدم للنسيج الوطني والاجتماعي..

لهذا فإننا جميعا ينبغي أن نكون تحت سقف القانون، وننضبط بضوابطه، بعيدا عن النزعات الذاتية.. وهذا بطبيعة الحال يقتضي العمل على سن قوانين واضحة لكل المجالات والحقول، حتى يتسنى للجميع حماية حقوقه المادية والمعنوية بالقانون..

لهذا يقول الباري عز وجل [ويا قوم أوفوا الكيل والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين] (هود، 85)..

3- إننا جميعا ومن مختلف مواقعنا الأيدلوجية والفكرية ومناطقنا الجغرافية، نعيش في سفينة وطنية واحدة.. وإن هذه السفينة تتطلب منا التعاون والتضامن وإصلاح علاقاتنا البينية على أسس المواطنة المتساوية والاحترام المتبادل.. فهذا هو خيارنا لحماية سفينة الوطن من كل المخاطر والتحديات.. وسيبقى هذا الوطن من أقصاه إلى أقصاه، هو معقد آمالنا، وفضاء جهدنا العلمي والتنموي والثقافي..

والوطني الحق هو الذي لا يعادي أبناء وطنه، أو يكرههم لاعتبارات مذهبية أو جهوية، بل يعمل على حمايتهم وصيانة حقوقهم بعيدا عن كل افتئات وظلم..

انقر لاضافة تعليق