تذكرنا الاحداث الجارية في العراق هذه الأيام بأحداث ثورة يناير في مصر والتي اطاحت بالرئيس حسني مبارك، حيث جرب النظام المصري حينها جميع ترسانته القمعية (عنف رسمي - عنف أشقياء "بلطجيه" - تضليل - تنازلات خادعة،..) ولَم يفلح لان عهد هذا الجيل غير عهده، ولأنه لا يحمل مشروع مقابل مشروع الجيل الجديد، الذي استثمر التكنلوجيا ووسائل الاعلام بصورة خيالية.

حاول النظام المصري حينها الالتفاف على مطالب الشعب المصري الذي طالب بالأساس الى الغاء حالة الطوارئ المفروضة والذي سبب كثير من المشاكل والأزمات وتفعيل القانون حينها مرة أخرى وخصوصا عندما تقوم على تطبيقه نظم سلطوية ديكتاتورية معروفة بالقمع والطغيان وانتهاك حقوق الإنسان؛ وبذلك تتحول الحالة الاستثنائية إلى أصل توظفه النظم المستبدة لتكريس حكمها وضمان بقائها في السلطة.

نجد في الاحتجاجات العراقية الكثير من النماذج المتشابهة والتي على ما يبدو تستخدمها السلطات للحد من الاحتجاجات، مثل نموذج "المندسين" والذي يستخدم بغزارة هذه الايام، حيث تتهم الحكومة وجهات سياسية مؤيدة لها ان اعمال الشغب يقوم بها افراد يستغلون موجة الغضب الشعبي العراقي ويستهدفون الاجهزة الامنية والمتظاهرين والمنشآت العامة وهدفهم هو التخريب لاغير.

بينما نجد في الطرف الآخر ان المتظاهرين يعتبرون من يقوم بهذه الافعال هم اشخاص مأجورين تابعين لنفس الاحزاب التي يتظاهرون ضدها وتجندهم وفق خطة تخريبية وحرف مسار التظاهرات السلمية والمطالب المشروعة.

على ضوء ذلك واستنادا الى شبكة المصالح بين الاحزاب والارتباطات الإقليمية:

- سيستمر التدافع الى فترة اخرى، تبرز خلالها مناورات سلطوية جديدة لامتصاص الزخم الجماهيري.

- مع مرور الوقت سيتصاعد الزخم الجماهيري وتتأسس بالتوازي ثقافة سياسية جديدة نرى ملامحها الآن.

- التمسك برئيس الوزراء وعدم اجراء تغييرات حقيقية في البرلمان هو مطلب مركب كردي واقليمي ونجد تأييد امريكي له بشكل غير مباشر.. ستطول عملية التدافع حول رئيس الحكومة عادل عبد المهدي وستتصلب مطالب الجماهير لان الاحتجاج بحد ذاته تحول الى ثابت مرحلي تتزايد مع الوقت الاطراف الدولية المساندة له.

- من الصعب استنساخ النموذج السوري في العراق لمقاومة عملية التغيير، يجب على الطبقة السياسية عدم المراهنة على هذا الخيار والإنفتاح على مطالب الشعب المشروعة لأن أصل الاحتجاجات هو جيل جديد يريد الكرامة قبل كل شيء.

- عند بلوغ نقطة طلاق نهائية سترضخ تماما الطبقة السياسية والمساندين لها، ليس بسبب الاعداد المليونية للمتظاهرين بل بسبب تشكل وعي سياسي كبير يتنامى يوما بعد يوم بين صفوف الشباب.

هناك تدافع كبير بين إرادة الشعب وارادة النخب الحاكمة سينتج تغيير إيجابي اذا ما تم استثماره في جو يسوده ثقافة القبول بالتغيير السلمي.

سيناريو إضعاف التظاهرات قد ينجح، ولكن هناك تغييرات عميقة غير قابلة للعودة، طرأت على سلوك الجماهير وثقافتها السياسية ورؤيتها للمستقبل..

في حالة الالتفاف على مطالب الجماهير وخفوت حدة التظاهرات، سيتم ترحيل الازمة الى فترة قادمة.. ستتضخم المشاكل بعدها، وتتفاعل لتنتج جيلا من الاحتجاجات متقدم على ما يشهده المجتمع حالياً، لأننا لو قارنا بين تظاهرات تشرين والتظاهرات في السنوات السابقة سنجد فرقا كبيرا من حيث التنظيم وسقف المطالب والاعمار المشاركة فيها.

الالتفاف على مطالب الشعب المشروعة سيزيد من حجم الكارثة ويعقد المشهد العراقي، لأن الهروب من مواجهة المشكلات ليس حلا في النهاية.

من يخرج للشوارع والساحات حاملا شعار التغيير السلمي "نريد وطن" ورافضا للتدخلات الخارجية والانقلابات العسكرية يجب احتواءه ودعمه ونرى أن المرجعية الدينية والمنظمات الدولية لاحظت ذلك وبدأت بدعمه لأنهم واثقون من ظاهرة تعاقب الاجيال وان التغيير حتمي، على الطبقة السياسية أن تدخل في هذه المعادلة قبل فوات الآوان ومصالحة الشعب بتقديم المتسببين بقتل المتظاهرين والقبول بخريطة الطريق نحو انتخابات عادلة وفرص متكافئة بالعمل السياسي وفق القوانين والدستور.

* باحث في مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–2019Ⓒ
http://shrsc.com

انقر لاضافة تعليق