من الطبيعي القول: أن كل إنسان يحمل فكرا وثقافة، فهو سيعتز بها، ويدافع عنها، بصرف النظر عن قناعة الآخرين بهذا الفكر أو هذه الثقافة.. فالإنسان بطبعه نزاع إلى الاعتزاز بفكره وثقافته والتقاليد والأعراف المترتبة عليهما..

وهذا الاعتزاز هو الذي يقوده للعمل على تعميم هذا الفكر، وتوسيع دائرة المؤمنين بالثقافة التي يحملها..

والبشر جميعا يشتركون في هذه الحقيقة.. فالإنسان بصرف النظر عن دينه أو معتقده أو بيئته الثقافية والحضارية، يعتز بأفكاره ويدافع عنها ويوضح بركاتها، ويسوق حسناتها..

وفي سياق اعتزاز الإنسان بفكره، يعمل عبر وسائل عديدة إلى تعميمه، ودعوة الآخرين إلى تبني ذات الأفكار..

وهذه الطبيعة ليست محصورة في إنسان دون آخر، أو بيئة ثقافية دون أخرى، فالإنسان بطبعه يريد ويتمنى ويتطلع أن يحمل كل الناس الأفكار التي يحملها، ويتبنى كل البشر الثقافة التي يتبناها.. وعلى الصعيد الواقعي والإنساني، تتزاحم هذه الإرادات، وتتناقض هذه الدعوات.. فكل إنسان وأمة يعمل على تعميم ثقافته ونمطه الحضاري، مما يولد الصدام والمواجهة، وإن تعددت أساليب الصدام والمواجهة، تبعا لطبيعة الثقافة وبيئتها الاجتماعية والحضارية وأولوياتها..

وبفعل هذا الصدام، سيعمل بعض الأطراف، للاستفادة من القوة لفرض رأيه أو تعزيز منطقه وثقافته، وبذات القوة، يمنع الطرف الآخر من بيان وتوضيح رأيه وثقافته..

وهذه الممارسة الإقصائية، تأخذ أشكالا عديدة ومسوغات متنوعة.. فتارة يتم الحديث عن أنه لا ديمقراطية لأعداء الديمقراطية.. فباسم الديمقراطية نقصي الآخرين، ونقمع أفكارهم، ونمنعهم من ممارسة حقوقهم العامة، لكونهم في نظرنا من أعداء وخصوم الديمقراطية..

وتارة باسم مجابهة الباطل والضلال، تتم عمليات الحرب الفكرية ومشروعات الإقصاء والتهميش.. فنحن نحارب الفكر الفلاني، لكونه في نظرنا من الباطل الذي يجب محاربته.. وهكذا يتم قمع فكر الآخر، تحت عناوين ويافطات، لا تمت بصلة إلى المعرفة والثقافة والفكر..

فلا يمكن الدفاع عن الحق بالباطل، ومن يلجأ للدفاع عن حقه وفكره، بأساليب ووسائل باطلة، هو يشوه فكره، ويحرمه من حيويته وفعاليته..

فالجدال بغير التي هي أحسن، لا يفضي إلا المزيد من الجحود والبعد عن الفكر الذي تدافع عنه بوسائل لا تنسجم وطبيعة الفكر الذي تحمل.. فالإنسان الذي لا يمتلك الثقافة والعلم الواسع، فإنه يدافع عن قناعاته بطريقة تضر بها حاضرا ومستقبلا.. فالأفكار لا تقمع، والقناعات لا تصادر، مهما كانت قناعتنا بها.. ومن يقمع فكر الآخرين لأي اعتبار كان، فإنه يحوله إلى فكر مظلوم ومضطهد، سيتعاطف معه الناس وسيدافعون عنه بوسائلهم المتاحة..

لهذا فإننا نعتقد إننا نعطي للفكرة الخطأ قوتها حينما نمنعها من حريتها، ونمارس بحقها عمليات القمع والحضر والمنع..

فالأفكار لا تمنع وتقمع، وإنما تناقش بالأساليب العلمية والموضوعية، ويتم الحوار معها بعيدا عن نزعة الإلغاء والمنع..

وكما يقول أحد العلماء [أعط الحرية للباطل تحجمه، وأعط الحرية للضلال تحاصره، لأن الباطل عندما يتحرك في ساحة من الساحات، فإن هناك أكثر من فكر يواجهه، ويمنعه من أن يفرض نفسه على المشاعر الحميمة للناس، فيكون مجرد فكر، قد يقبله الآخرون وقد لا يقبلونه، ولكن إذا اضطهدته، ومنعت الناس من أن يقرأوه، ولاحقت الذين يلتزمونه بشكل أو بآخر، فإن معنى ذلك أن الباطل سوف يأخذ معنى الشهادة، وسيكون ( الفكر الشهيد ) الذي لا يحمل أية قداسة للشهادة، لأن الناس يتعاطفون مع المضطهدين سواء مع الفكر المضطهد، أو مع الحب المضطهد، أو مع العاطفة المضطهدة.

إنني أتصور أن الإنسان الذي يملك قوة الانتماء لفكره، هو إنسان لا يخاف من الفكر الآخر..لأن الذين يخافون من الفكر الآخر، هم الذين لا يثقون بأفكارهم، وهم الذين لا يستطيعون أن يدافعوا عنها.. لذلك، لينطلق كل إنسان ليدافع عن فكره في مواجهة الفكر الآخر، ولن تكون النتيجة سلبية لصاحب الفكر في هذا المجال]..

ودائما الفكر الضعيف هو الذي يحتاج إلى ممارسة الظلم والعسف تجاه الفكر المقابل..

أما الفكر القوي فهو لا يخاف من الحرية والحوار، ونصاعته ومتانته، لا تبرز إلا في ظل الحرية التي تتناقش فيه الأفكار بحرية، وتتحاور فيه الثقافات بدون تعسف وافتئات..

فالفكر القوي يصل إلى كل الساحات من خلال غناه وثراءه، لا من خلال وسائل المنع والقمع والحضر.. والفكر الضعيف هو وحده، الذي يحتاج إلى القمع والقوة، لفرض قناعاته على الآخرين.. لهذا كله فإننا نرى أن التعامل مع الفكر الآخر، ينبغي أن ينطلق من أساس الحرية، وحقه في التعبير عن نفسه وقناعاته في ظل القانون.. وإن عمليات المنع والحضر، هي مضادة للحرية الفكرية وطبيعة الاشتغال الثقافي والعقلي..

فللفكر الآخر حقه الطبيعي في التعريف بنفسه، وبيان متبنياته، وللآخرين حق النقد والمناقشة والتقويم والتفكيك..

فالقيم الحاكمة بين الأفكار وأهلها، هي قيم الحرية والاحترام والنقد والتمحيص..

أما المنع والقمع والحضر، فإنها ممارسات، تميت الحياة الفكرية والثقافية، وتؤدي إلى غرس بذور أمراض خطيرة ومزمنة في حياتنا الثقافية والاجتماعية والسياسية..

ومن الضروري في هذا الإطار، أن نتجاوز حالة الرهاب التي قد تصيبنا أو تصيب بعض مكوناتنا من الفكر الآخر ووسائطه الثقافية المختلفة.. فالرهاب من الفكر الآخر، لا ينتج إلا منطق المنع والإقصاء وإطلاق الحروب على الفكر الآخر.. أما الحرية والانفتاح والتواصل، مع الفكر الآخر، فهو يثري الساحة، ويهذب الأفكار ويطورها، ويحول دون عسكرة الحياة الثقافية والعلمية..

فالفكر الآخر لا يخاف منه، وإنما ينبغي الحوار معه، والانفتاح على قضاياه، والتواصل مع مبانيه ومرتكزاته، حتى نتمكن من استيعابه والحؤول دون تطرفه واندفاعه نحو الدهاليز المظلمة، التي تجوله من فكر إلى حقائق بشرية، تمارس التشدد والتطرف على قاعدة أن أفكارها لم يسمح لها بالوجود بالوسائل السلمية والحضارية..

فلكي لا ينزلق المجتمع صوب التطرف، نحن أحوج ما نكون إلى قيمة الانفتاح والحوار مع الفكر الآخر بعيدا عن الرهاب ونزعات الإقصاء والنبذ..

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق