اردوغان يواجه ازمة حقيقة تعصف في حزبه المسيطر على السلطة، حيث اخذت الاوضاع بالتغيير بصورة سريعة على خلاف التوقعات، فلا تزال ذاكرته محتفظة بأحداث ليلة الانقلاب جاءت مسالة الانشقاقات في حزبه لتعمق الجروح وتزيد الطين بلة.

رئيس الوزراء التركي السابق أحمد داود أوغلو تكلم هذه المرة بنبرة مختلفة وشن هجوما حادا على الرئيس التركي رجب طيب أردوغان متهما إياه بالانفراد بالسلطة من خلال تحويل البلاد إلى النظام الرئاسي، وإخراج حزب العدالة والتنمية عن قيمه ومبادئه.

التصرحات والمناوشات السياسية الاخيرة متوقعة وربما مؤكدة الحصول وذلك يعود لخسارة حزب العدالة والتنمية في انتخابات اسطنبول الاخيرة، فقد كانت هذه الهزيمة بداية الغليان داخل الحزب، ومن الطبيعي جدا ان تحدث مثل هذه الخلافات بين اعضاء التجمع او الحزب الواحد، اذ يرى رفقاء اوردغان في مسيرته السياسية لقد آن الاوآن لاجراء تغييرات حزبية ورفع الاصوات المكبوتة طيلة سنوات.

ساسية اردوغان اتسمت بعدم القدرة على اعطاء رأي مخالف بصورة او بأخرى، ما جعل الفرصة مواتية لاعلان الانشقاق والتخلص من الهيمنة السلطوية التي يتبعها رجب طيب في ادارة شؤون الحزب من جميع الجوانب.

الفشل على المستوى السياسي وعدم قدرة حزب العدالة و التنمية على تحقيق نتائج مرضية بحسب القاعدة الشعبية للحزب فضلا عن التراجع الاقتصادي الذي تشهده تركيا، الى جانب بعض السياسات الخاطئة في التعامل مع الكثير من الملفات المتعلقة بالشأن الداخلي وما يتعلق بدول الجوار جميعها عوامل ساهمت وبشكل لا يقبل الشك في تراجع شعبية الحزب الحاكم ما فسح المجال امام احزاب اخرى ان تأخذ دورها وتحجز مقعدها في العملية السياسية.

اوردغان جعل جميع السلطات بيده بالشكل الذي يضر النظام السياسي القائم في البلاد وحول نظام الحكم من البرلماني الى الرئاسي، وما يجري من انشقاقات ماهي الا حصيلة او نتيجة طبيعية لذلك التفرد.

الانشقاقات دخل الحزب امر معهود ولم يتمكن المنشقون من احداث قوة لكفتهم السياسية ومن ثم التبدد وعدم تحقيق اي من الطموحات او الشعارات التي ينادون بها، فالامور بالنتيجة تحت سيطرة الحزب الحاكم ولا تستطيع جبهة من الانفصال والتأثير على ارض الواقع الى بنسبة معينة لم تتمكن من تغيير الخارطة السياسية في البلاد.

لو اخذنا بعين الاعتبار النظام الرئاسي القائم في البلاد استطاع ان يكون بديلا عن النظام البرلماني وهو ما لا يروق للكثير من الجهات الحزبية كونه همش ارادة العديد من الاحزاب المعارضة والتي ترى من حقها المشاركة في ادارة العملية السياسية بجميع مفاصلها.

من الممكن ان تنعكس هذا الانقسامات بصورة ايجابية على المشهد السياسي في تركيا، ذلك من خلال وضع سياسية واضحة قائمة على التخطيط الممنهج في ادارة المؤسسات يسبقها استحصال الدعم الجماهيري من اجل الوصول الى اماكن حساسة في الدولة يستطيعون عبرها اثبات صدق نيتهم الاصلاحية في المؤسسات التي اخذت تتراجع بشكل ملموس كأن يكون وضع آلية جديدة لحل الازمة الكردية القديمة المتجددة في البلاد وكذلك موضوع التدخل في الشؤون الداخلية لبعض الدول سوريا على سبيل المثال.

الخسارة التي دوت اصدائها في اسطنبول وتجاوزت ذلك لاغلب المدن التركية لم يستطع حزب العدالة والتنمية تجاوزها، فقد استطاعت ان تعمق هوة الخلافات بين اعضاء الحزب واضعاف جبهته امام خصومه المتربصين لانتهاز الفرصة وابعاده عن سدة الحكم، متخذين من التراجع الاقتصادي وغيرها من القضايا حجة لاثارة الحراك الشعبي، لكن في الحقيقة ان ما تعيشه البلاد من وضع اقتصادي غير متعافي لا يمكن ان نصب اللوم على السياسية الاوردغانية، ولسبب بسيط وهو التحكم الامريكي في الاقتصاد العالمي وخير دليل على ذلك ما فعلته بالاقتصاد الصيني والايراني مؤخرا.

التطورات الاخيرة التي حصلت في البلاد تعطي اشارة واضحة حول امكانية التأثير على المستقبل السياسي لاوردغان ومن المحتمل ان يكون حزب العدالة والتنمية وصل الى المحطة الاخيرة في مسيرته القيادية، وقد لا يعيد سطوته اجراءه تحالفات مع احزاب اخرى بسبب عدم الاعتراف بالشريك السياسي من قبله واعطاءه الفرصة الحقيقية للمشاركة في عملية ادارة المؤسسات.

اذا استطاع علي باباجان وداود اوغلوا ان يضعوا برنامج وخطط والترويج لاعادة النظام البرلماني فهذه الخطوة ستكون القشة التي تقصم ظهر حزب العدالة والتنمية وابعاده عن رأس الهرم في السلطة، من العوامل التي يجب التركيز عليها في المرحلة القادمة من قبل المنشقون هو التأكيد على النهوض بالواقع الاقتصادي الذي يعد من ركائز القوة في البلاد ومن ثم التوجه الى القضايا العالقة الكثيرة.

الذي يجعل اوردغان مطمئنا من عدم مقدرة الحزب الجديد الذي سيشكل من قبل المعترضين على سياسته هو مشاركتهم السابقة في العملية السياسية وان كان البلد متراجع في قطاعات اخرى فهم يتحملون جزء من ذلك التراجع وبالتالي فهم لا يتمتعون بمقبولية شعبية لاسيما وان اغلب الانشقاقات تحدث للحصول على منافع سلطوية بعيدة كل البعد عن مصالح وهموم العامة وبالنتيجة يبقى مدى امكانية حصول تغييرات كبيرة امر ضعيف جدا ولا يعول عليه.

اذا ما ارادت الجهات المعارضة النهوض بالبلاد وصولا الى شاطئ الامان عليها تكوين تحالف قائم على التفاهم والحوار المبني على الديمقراطية وقبول الآخر ومن ثم العمل على مواجهة المتشبثين بالسلطة من سنوات وتسببوا بتراجع القطاعات الحيوية في البلاد وتهالك بعضها الآخر.

انقر لاضافة تعليق