ان الانطباع العام لدى الغالبية من المواطنين ان هذه الاحزاب فاسدة، وايضا فاشلة، نشأت ازمة ثقة بين المواطنين والاحزاب بصورة عامة. وهذه مشكلة قد تتطور الى ازمة سياسية عامة، فالأحزاب ضرورية للحياة السياسية الديمقراطية، وعزوف الناس عن هذا المفهوم، اكرر المفهوم، يولد ازمة سياسية عميقة في المجتمع...

من خلال المناقشات العامة، وليس من خلال استطلاع علمي للراي، من الممكن ان يتكون انطباع اولي لدى المراقب مفاده ان النفسية العامة للمجتمع العراقي اضحت لا ترغب بوجود الاحزاب السياسية.

ويشمل هذا الاحزاب التي عرفها المواطنون بعد سقوط النظام الدكتاتوري في عام ٢٠٠٣. وهي احزاب كثيرة العدد، مفرطة بالكثرة، تتنافس كل اربع سنوات على ٣٢٨ مقعدا برلمانيا، ولا يفوز منها الا عدد قليل.

قبل ذلك كان المزاج الشعبي مختلفا. منذ عام ١٩٦٨ كان هناك حزب واحد، هو حزب البعث، الدي استولى على السلطة بانقلاب عسكري، وليس عبر انتخابات ديمقراطية، وفرض نفسه تدريجيا على الدولة والمجتمع، باسم الحزب القائد، ثم الحزب الوحيد، الى ان ابتلع صدام حسين الحزب، فارضا عقيدة عبادة الشخصية على الحزب والدولة والمجتمع، على طريقة هتلر وستالين وكيم ايل سونغ.

فذهبت كل الاحزاب الاخرى الى المعارضة السرية، وما لبثت ان هاجرت، لتنشأ المعارضة الخارجية، التي كان من بين صفوفها بعثيون ناقمون على صدام. لكن عدد هذه الاحزاب كان قليلا: الحزب الشيوعي، حزب الدعوة، الاتحاد الوطني الكردستاني، الحزب الديمقراطي الكردستاني، وحفنة من الاحزاب الصغيرة الاخرى.

في الداخل، كان العراقيون ناقمين على حزب البعث، لكنهم لم يكونوا ناقمين على الاحزاب، او هكذا يقال، فليس عندي "علم دراية" بهذا الوضع منذ غادرت العراق في صيف عام ١٩٧٦ هربا من بطش النظام الصدامي الذي كان يشن هجمات اعتقالات واعدامات دورية على معارضيه العاملين ضمن الاحزاب السرية انذاك، وفي مقدمتها حزب الدعوة.

حينما عدنا الى العراق بعد سقوط النظام، لم المس نفرة في المجتمع العراقي ازاء الاحزاب سواء منها القديمة، او الجديدة التي اخذت تتوالد بكثرة ربما يصح ان اقول عجيبة. وقد تجلت هذه الكثرة المفرطة في عدد الاحزاب التي اخذت تسجل نفسها لخوض الانتخابات التشريعة اربع مرات، في كل مرة كان العدد بالمئات.

لكن النفسية العامة للمجتمع العراقي اخذت تتغير تدريجيا حتى وصل الامر بشكله السافر بعزوف اغلبية كبيرة من الناخبين عن المشاركة في الانتخابات الاخيرة التي اجريت عام ٢٠١٨. الانطباع العام ان اغلب الذين شاركوا بالانتخابات كانوا مؤيدين للاحزاب، واغلب الذين لم يشاركو كانوا غير مؤيدين للاحزاب.

وبما ان اغلبية الذين يحق لهم المشاركة لم يشاركوا فانه يمكن الخروج باستنتاج انطباعي اخر هو ان شريحة غير الراغبين بالاحزاب اضحت اكبر من شريحة الراغبين بالاحزاب. ولهذا اسباب منها، وعلى راسها، الفساد والفشل.

فان الانطباع العام لدى الغالبية من المواطنين ان هذه الاحزاب فاسدة، وايضا فاشلة، نشأت ازمة ثقة بين المواطنين والاحزاب بصورة عامة. وهذه مشكلة قد تتطور الى ازمة سياسية عامة. فالاحزاب ضرورية للحياة السياسية الديمقراطية، وعزوف الناس عن هذا المفهوم، اكرر المفهوم، يولد ازمة سياسية عميقة في المجتمع.

نستطيع ان نتوقع ثلاثة ردود افعال ممكنة على هذه الحالة، الاول، العزوف عن الاحزاب والركون الى القعود والسلبية.

الثاني، الاحتجاج والتظاهر، الثالث، السعي لايجاد حزب او احزاب بديلة لازاحة الاحزاب الفاشلة والفاسدة، ايضا على مستوى الانطباع العام نقول يبدو ان الاكثرية ذهبت الى الخيار الاول، فيما ذهب البعض الى التظاهر، ولم نلمس توجها نحو الخيار الثالث، وهذا يعمق الازمة السياسية.

والانطباع العام ان الاحزاب السياسية ذاتها هي التي اوجدت هذه الازمة، بفسادها وفشلها. فالازمة بالاساس هي ازمة هذه الاحزاب، لكن ليس هناك ما يمنع تحول ازمة الاحزاب الى ازمة بلد: بلد يرفض الاحزاب ولا يثق بها، لكنه لا يستطيع استبدالها.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق